كيف نبني ثقافة تموّل نفسها؟

3461 2016-03-15

تتطلب الأنشطة الثقافية بشقّيها، النخبوي الجمالي، والشعبي الرسالي، أموالا ومقرات وأفرد وهيئات إدارية تدير تلك الأنشطة وتشرف عليها، وتجعلها ذات منتج ثقافي يصب في صالح بناء الدولة والمجتمع، هناك ثقافة تحتاج الى دعم الدولة والحكومة بشكل تام لاداء الأنشطة المذكورة، ومثال هذه الثقافة، (ثقافتنا العراقي)، والواقع عموم الثقافات العربية تتكئ على الحكومات عبر وزارة تسمى وزارة الثقافة، كي تقوم بتمويلها وتزويدها، كي تنجز نشاطات ثقافية مختلفة، وفي مثل هذه الشعوب (شعوبنا)، يرى المثقفون أن من واجب الدولة والحكومة أن تموّل جميع الأنشطة الثقافية، ويرى هؤلاء أن الحكومة ليست صاحبة فضل على الثقافة وإنما هذا الأمر يقع ضمن واجباتها.

آخرون يرون النقيض من ذلك، فالثقافة النخبوية والشعبية عليها أن تموّل نفسها بنفسها، ويمكن أن يتم ذلك من خلال تحويل المنتج الثقافي الى سلعة تباع وتشترى، ويتم الترويج لها وتسويقها، ومن ثم تحويلها الى مصنع يقدم موارد مالية تأتي من بيع (السلع الثقافية)، بعد انتاجها على نحو جيد، ويقدم أصحاب هذا الرأي الثقافة الغربية والمثقف الغربي الذي يمكنه أن يصنع الثقافة على شكل سلعة ثقافية ويقوم بالترويج لها وبيعها وتحقيق الارباح منها، وأحينا قد تكون هذه المبيعات هائلة تصل الى ملايين الدولارات.

في العراق والعالم العربي، لا يوجد شيء من هذا القبيل، فأقصى ما يحلم به المثقف العراقي مثلا، أن تقوم الحكومة عبر (وزارة الثقافة) بطبع كتاب له مجانا مع تقديم مكافئة (بائسة)، وهكذا الأمر في معظم الدول العربية او كلها على الإطلاق، نعم هناك منظمات وشخصيات هنا وهناك تدعم الثقافة، لكنها لا تداوي الجرح، ولا يمكن أن ترتفع الى المستوى الذي وصلت إليه الثقافة الغربية في مجال الإنتاج والتسويق الثقافي الذي بات يدر على المثقفين والمؤسسات الثقافية ملايين الدولارات وأكثر.

هل يمكن أن نجعل من ثقافتنا منتِجة؟؟، وهل هناك خطط آنية او مستقبلية لدفع الثقافة العراقية في هذا الاتجاه، كي تدخل في الإطار الاقتصادي، وتتحول الى سلعة حالها حال أية سلعة أخرى يحتاجها السوق، ولها زبائن يبحثون عتها ويشترونها كما هو الخال في الدول الغربية، واذا جاء الجواب بالإيجاب، كيف يمكن ذلك، وما هي الخطوات الإجرائية التي تؤدي الى هذا الهدف؟.

المثقف البوّاب؟!!

في إحدى المنظمات الثقافية في العاصمة، هناك أديب، يعد حضوره السياسي أهم من المنجز الإبداعي له، هذا الأديب يقوم بطريقة علنية وظاهرة للعيان، من دون أن يكلفه أحد بذلك، بالعمل الذي ينبغي أن يقوم به البواب في تلك المنظمة الثقافية، حيث توجد ساحة في المنظمة تدخل فيها سيارات بعض المثقفين او الضيوف، فيبدأ هذا الأديب بطريقة الإشراف او غيرها، حيث تتم جباية (5000) دينار عراقي عن كل سيارة، وهو نفسه يقوم بجمع واردات نادي المنظمة نفسها، حيث يحاسب العمال ومسؤوليهم في نهاية كل يوم ويستلم الإيرادات ويضعها في قاصة صغيرة، يُقال أنها من ممتلكات المنظمة، لكن هذه القاصة لها مفتاح واحد فقط ولا يعلم ما فيها من أموال او اوراق اخرى إلا الله.

هذا الاديب يبدو أنه عمل سابقا في المشاريع الاقتصادية، وبرع في جمع المال، وله قدرة خارقة في السيطرة على كل دينار يدخل القاصة، وهناك من يقول أنه سيطر على المنظمة ومقدراتها من خلال سيطرته على الإيرادات التي تدخل الى المنظمة بأية طريقة كانت حتى التبرعات او المبالغ التي تقوم بدفعها الوزارة المعنية أحيانا الى هذه المنظمة، فضلا عن الموارد الاخرى حيث يقال أن هناك محال وبيت مؤجّر وأشياء من هذا القبيل تعود ملكيتها للمنظمة الثقافية، ويتابع هذا الأديب كل فلس يعود للمنظمة، ويحتفظ به في القاصة بحرص التاجر او صاحب المصنع او مدير المشروع الإنتاجي السلعي المخضرم والمحنك في آن، ويبدو أنه استفاد من المبدأ الاقتصادي الذي يقول (من يسيطر على المال يسيطر على العالم).

هل هذه هي الطريقة التي تجعل من الثقافة العراقية قادرة على تمويل نفسها بنفسها؟؟، إننا لسنا بصدد سلوك ذلك الأديب، ولا الجهة التي كلفته بهذه المهام إذ لا يصح لأديب القيام بها، فهناك موظفون وعمال وحراس موجودون في المنظمة، من الأجدر بهم والأنسب لهم أن يقوموا بها، لذلك ليست هذه هي الطريقة النموذجية لجعل الثقافة العراقية قادرة على تمويل نفسها بنفسها، ليس من باب التعالي طبعا، ولكن من باب التخصص في العمل، والابتعاد عن (التسلط والتفرد) بالقضايا المالية، فهناك سبل أكثر دقة ونجاحا وتخصصا يمكن من خلالها تحويل الثقافة الى سلعة تعود بالأموال على المؤسسة او المنظمة الثقافية كي تستمر بتمويل نشاطاتها المتنوعة، لاسيما أنها هذه المنظمة تشكل نموذجا للمنظمات الأخرى على مستوى الإنتاج الثقافي.

كذلك لا يجوز أن ترافق قضية التمويل خطوات مزاجية لهذا الفرد المسؤول أو ذاك، بمعنى لابد من ضوابط وقواعد عمل تحكم الأنشطة والفعاليات الثقافية، وتبوب وتحدد وتنظم مسارات الأنشطة الثقافية وطبيعتها، وكيفية وضع الخطوات الفعلية كي تكون هذه الأنشطة ذات منفعة اقتصادية، من خلال زج الثقافة في ميادين الاقتصاد، وتحويلها من موقع الاتكاء على الآخرين في التمويل، الى حالة تحصيل الموارد والأموال وعدم الحاجة الى الحكومة او اية جهة اخرى في هذا المجال.

ما هو دور رأس المال الخاص؟

لكن مثل هذه الخطوة لا يمكن أن تتم من دون تخطيط وكفاءات ولجان مختصة، مع العمل الجاد في المسار الاقتصادي المحدد سلفا، والبحث عن السبل الاقتصادية على وجه الخصوص، كي تتحول الثقافة بصورة فعلية الى مورد يدرّ الأموال على الثقافة والمثقفين.

لكي نتخلص من الأساليب المذلة لجمع الاموال كي ندعم الثقافة والمثقفين، كما هو الحال مع (الأديب المذكور)، او اللهاث وراء التبرعات لدعم الأنشطة الثقافية، لابد من البحث عن طرائق جديدة، بصورة فردية وجماعية مؤسساتية، أي مطلوب أن يسعى المثقف في مسار تحويل منجزه الثقافي، الى منتج سلعي قابل للتداول في الاسواق الاقتصادية كأية سلعة تشترى وتباع، وهو أمر ممكن مع اكتساب الخبرة في هذا المجال.

أما الركيزة الأهم، والدور الأكثر تحضيرا كي ينجح تحقيق هذا الهدف بصورة فعلية، فهو يتمثل بدخول رأس المال الخاص بقوة في تحريك القطاع الثقافي، ومع أننا نقر بأن راس المال جبان دائما، ولا يخاطر في مشاريع ميتة او خاسرة، ولكن ينبغي التضحية في هذا المجال، ولابد أن يكون هناك أثرياء مغامرين، يضعون هامش للخسارة المؤقتة، مع التجريب المتواصل في الدخول بمجال الثقافة الاقتصادية عبر مشاريع متنوعة مدروسة من لدن خبراء ولجان متخصصة في هذا المجال، ولا بأس من الاستفادة في هذا المجال من التجارب الموجودة في الدول التي سبقتنا الى تحويل الثقافة لمنتج سلعي اقتصادي مقابل ثمن محدد.

فكل ما نحتاج له في هذا الاطار، هو محاولات متواصلة للتجريب، وعدم التخوف من الفشل، ووضع الهدف الأهم نصب المعنيين بالثقافة، وهو الوصول الى صنع ثقافة قادرة على (تمويل نفسها بنفسها)، حتى بخصوص المشاريع الفردية، ينبغي أن يبادر المثقفون الى دراسة تجارب الكتاب والمفكرين الذين سبقوهم والاستفادة ووضعها موضع التنفيذ، حتى لو كان الامر من باب المجازفة، فالمهم هو أن تكون هناك محاولات من لدن المثقفين تسعى لجعل المنتج الثقافي معروضا في الأسواق وقابلا للشراء.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
ياسين عبد الصمد
العراق
2016-3-16
اعتقد أن الفكر والثقافة، تمثل رسالة من المثقف وما يحمله من ايمان وانتماء وهوية الى المخاطب، قبل ان نفكر بمسألة تغطية الحاجات المادية للمثقف، والطريقة الفضلى للعيش وهو يمتهن الكتابة، لذا فان الحديث عن قيمة المنشور والمطبوع وأي نتاج ثقافي وتحفيز الناس على إعطاء كل ذي حق حقه. فهو حديث بحاجة الى بحث مستقل. أما عن نحاول الهروب من التبعية المالية للحكومات من خلال العبور فوق مستنقع الاستثمارات والقطاع الخاص وغيره، اعتقد أن القضية تحفه مخاطر التجيير والتوظيف وانحراف الثقافة عن دورها الحقيقي في رسم خارطة طريق سليمة لحياة الانسان.الفكرة جيدة ومثيرة. ادعو للتفكير ملياً في طريقة أفضل لتوفير افضل سبل العيش الكريم للمثقف. وشكراً
آخر الاضافات
فيسبوك