تضخم الفكر ومخاطر فوضى السلوك الاجتماعي


عرفنا التضخم الاقتصادي في بلادنا وتلاعبها بلقمة عيش الانسان، عندما تكون الدولة عاجزة عن تنظيم اقتصاد يوازن بين السلع المتوفرة في الاسواق وبين القدرة الشرائية للمواطن، علماً؛ أن هذه إحدى التعريفات الموجودة عن المصطلح، لكن ماذا بنا اذا واجهنا تضخماً من نوع آخر يصيب الفكر والثقافة، وايضاً العقل والبصيرة، فهو لا يؤثر على مأكله وملبسه وسكنه وسيارته، إنما التأثير هنا على السلوك والمنظومة الثقافية للفرد والمجتمع. وهذا يحصل عندما ينعدم التوازن بين المنتج الفكري والثقافي، وبين المتلقي وما يترتب على ذلك من انعكاسات على السلوك العام.

يمكن وصف عقدي الخمسينيات والستينات بأنه عهد التوازن المنشود، او لنسمّها حقبة ارتفاع نسبة النمو الثقافي والفكري – إن صحّ التعبير- والسبب في ذلك توفر حالة من التواصل والتناسب بين المنتج بمختلف اشكاله في ذلك الحين؛ صحف، ومجلات، ومنتديات، ومنابر وغيرها، وبين المتلقي، وهو لم يكن نخبة من المجتمع، إنما كان عامة الناس، فالجميع كان له نصيب من الطروحات المختلفة التوجهات والانتماءات، فشهدنا التيار الماركسي (الشيوعي) ثم التيار القومي، ثم التيار الاشتراكي، الى جانب التيار الاسلامي. و"كلٌ يدّعي وصلاً بليلى"، ويرفع الشعارات بهدف المزيد من الكسب الجماهيري والتأثير على الساحة المطبوعة بالتوجهات الفكرية والثقافية، وليس السياسية (الشخصانية)، كما حصل فيما بعد من ظهور ديكتاتوريات فردية مثل صدام والقذافي وأشباههما، لأن أي سلوك في الشارع العام، كان يعبر – على الاغلب- عن انعكاس لتوجه فكري وثقافي معين، حسب الحاجة والبيئة الملائمة، مثل ذلك؛ انتعاش الماركسية في العراق اكثر من أي بلد عربي آخر، والقومية تزدهر في مصر وهكذا... فما الذي حصل، حتى يأخذ الديكتاتور والنظام الحاكم بناصية الشعوب وتسوقها الى حيث تريد؟.

إنه التضخم الفكري والثقافي بعينه، فقد اختلت العلاقة بين المنتج والمعروض وبين المتلقي، لاسباب عديدة لسنا بوارد الخوض فيها، وربما كان للحكام الذين جاءت بهم تلكم التيارات الثقافية، دور فاعل في خلق هذه العلاقة، او هنالك عوامل داخلية. بيد أن المحصلة المهمة لدينا اليوم، خسران الشارع العام للبوصلة التي تحدد بصيرته وتساعده على اتخاذ القرار الصائب والموقف الحازم إزاء النظام الحاكم او الزعيم القادم، وهذا يصدق بالدرجة الاولى على التيار الاسلامي في غير بلد شهد تحكّم السياسي بسلوك وثقافة الناس وتراجع المثقف والمفكر عن الساحة، والنتيجة أن تكون الفكرة حبيسة الكتب المصفوفة على الرفوف، وفي أحسن الفروض في منتديات ومحافل خاصة، بينما نلاحظ الموظف – مثلاً- بامكانه إشاعة ثقافة "الرشوة" بكل سهولة في المجتمع، فيما يتعلم البعض فنون التزلّف الى هذا المسؤول وذاك، وبسرعة قياسية. ثم نلاحظ المفارقة الأعجب، في هرولة بعض "المثقفين" خلف هذا النائب وذاك الوزير، لكسب رضاه في تمشية بعض الاعمال او ربما لمساعدته على ترقية الإسم وتلميع الصورة وغير ذلك.

فما الحل؟، بدايةً؛ لنأت بمثال قريب الينا، قبل مراجعة تاريخنا الزاخر بالعبر والدروس، وذلك من بعض البلاد الغربية التي نسمع بين فترة واخرى ظهور أعمال انسانية من أثرياء ومشاهير، مثل مساندة المصابين بأمراض مستعصية وحتى المعوقين، أو إعانة المشردين من الكوارث الطبيعية، او مساعدة الاطفال وغير ذلك، يلقى تفاعلاً كبيراً من لدن الاوساط الاجتماعية ليتحول هذا الشخص في قيادته المشروع الانساني بمنزلة الرمز في العطاء والشعور بالمسؤولية. وربما تكون هذه رسالة أبلغ بكثير من الافكار التي تطرح في المؤلفات المشحونة بالمكتبات.

أما من تاريخنا نحن، فبالامكان مراجعة سيرة الرسول الأكرم، والمعصومين، صلوات الله عليهم، وايضاً الاولياء الصالحين والعلماء المصلحين، لنجد خارطة طريق متكاملة لسلوك انساني سوي من خلال نشر قيم العدل والمساواة والتكافل والمحبة والسلام بين افراد المجتمع. ولعل القصص والمواقف في هذه السيرة العطرة، تكون رديفاً للروايات المنقولة عنهم، في تشكيل المنظومة الثقافية، لما فيها من الآداب والاخلاق والسلوك الحسن الذي يحتاجه كل انسان وكل مجتمع بالعالم، فضلاً عن مجتمعاتنا الاسلامية، ومنها – طبعاً- المجتمع العراقي.

وفي العراق تبدو الفرصة كبيرة لتحقيق التوازن المنشود على الصعيد الفكري والثقافي والتخلّص من حالة "التضخم"، نظراً الى أن العراق، ومنذ عام 2003، قد طوى –إن صرح التعبير- مرحلة الديكتاتوريات الفردية منذ عقود من الزمن، وعاد الى حالته المتوازنة ثقافياً، فهو سابق على البلاد العربية الاخرى في الاطاحة بالديكتاتورية وخوض التجربة الديمقراطية مع بعض التصدّعات في النظرية والتطبيق، بيد أن المحصلة في وجود أجواء مساعدة لتحقيق المطلوب، من انفتاح ثقافي وتنوع فكري ومساحات من الحرية، لا بأس بها، للتعبير عن الرأي وأوضاع سياسية مستقرة قياساً بدول اخرى في المنطقة. فاذا تنتشر في اوساطنا اليوم الفوضى الامنية، فهذا لا يعني الرضوخ للفوضى الثقافية ايضاً. مثال ذلك؛ تداول السلاح بين افراد المجتمع، هل يسوّغ إطلاق العيارات النارية في المناسبات العامة؟ وهل يجب أن يدفع الطفل والمرأة ثمن ثقافة العنف والقسوة في المجتمع؟ حتى قضايا ذات صلة بالاقتصاد مثل، الفقر والبطالة وما ينتج عنها من ظواهر اجتماعية شاذة مثل السرقة والانحرافات الاخلاقية، وحتى نظام المررو، وغيرها كثير من مظاهر الفوضى في السلوك العام، بالامكان معالجتها بتثقيف عام ونشر الوعي الجماهيري، والخروج من الحالة النخبوية والفئوية، او حالة الجدل والصراع مع الذات للخروج بنتائج مشوهة وغير نافعة للمجتمع، إذا لم نقل انها تكون مثار استنكار عندما يجد المثقف نفسه؛ كاتباً او أديباً او خطيباً أو أي توجه آخر، وجهاً لوجه مع هوية المجتمع الدينية وعقيدته وقيمه من خلال الدعوة الى أمور بعيدة عن همومه وطموحاته المستقبلية.

وعندما يخرج المثقف من بين دفتي الكتاب ويصطف الى جانب أهله وشعبه لمعالجة الازمات الموجودة ما استطاع الى ذلك سبيلا، وبما أوتي من فكرة حسنة او مبادرة طيبة للوقوف بوجه استغلال الطفل في العمالة والتشجيع على الدراسة والتعليم، ودعم قضايا المرأة وعدم الوغول أكثر في امتهانها وتحويلها الى سلعة مربحة، وأداة لكسب المال بمختلف الاشكال، وغير ذلك كثير، فان النتيجة لن تكون بأقل من تراجع سطوة الحاكم على الشعب، وقطع الطريق على تجيير الطاقات والقدرات لأغراض سياسية خاصة، بل وقطع الطريق ايضاً على محاولات الحاكم في تكريس فوضى السلوك في المجتمع للإمساك بزمام القيادة كما حصل على مدى اكثر من خمسين عاماً من الحكم الديكتاتوري في العراق.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (أفكار)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك