حماية الهوية الثقافية

9556 2014-09-30

 

شبكة النبأ: التقاليد الثقافية بالمفهوم الواضح، هي مجموعة الصفات التي تميز هذه الثقافة عن تلك، وفي حال غيابها تصبح الثقافة هجينة بلا جذور ولا حضور ولا تأثير في المجتمع، وهذا يجعلنا نطرح تساؤلات عديدة، منها، هل يمكن لثقافة ما أن تنمو وتعلو وتنتشر من دون تقاليد تساعدها على ذلك؟، ألا يمكن أن نشبّه الثقافة بالكائن الحي، واذا اتفقنا على ذلك، هل هناك كائن حي (طفل) قادر على التسارع في النمو، وإشغال مساحة انسانية بين أفراد العائلة من دون أن ترعاه تقاليد ومرجعيات تربوية، تشد من أزره، وترسم له طريق التقدم الى أمام؟، قطعا لا يمكن الاستمرار في النمو والتميّز من دون اسناد تقدمه تقاليد ثابتة الجنان للانسان.

بمعنى أدق يحتاج الانسان بوصفه الكائن الحي الأهم في الحياة، الى تقاليد ثقافية تشد من أزره، وتعاونه على السير وفق مسارات ثقافية تدعمه فكريا وسلوكيا في حياته العملية ونشاطاته اليومية المختلفة كفرد او جماعة، ولكن عندما تغيب هذه التقاليد لأسباب كثيرة، حتما ستضمحلّ الثقافة، لأنها ستستند الى العشوائية والارتجال وعدم التخطيط والبرمجة المسبقة، وبهذا ستكون الثقافة بلا تقاليد، هشة وضعيفة وسريعة الذوبان في سواها من الثقافات، الامر الذي يجعل من الانسان بلا ثقافة، ضعيفا كالريشة في مهب الريح.

إذن الثقافة، أية ثقافة بلا تقاليد، تعني انسان بلا ثقافة، هذا هو التحصيل المؤكَّد لغياب التقاليد الثقافية او اهمالها، فالتقاليد هي نوع من الاسس التي تسير عليها فروع الثقافة، وتنمو وتبني خصوصيتها وفقا لهذه التقاليد والاسس، ولا خير في ثقافة لا تملك خصوصية تميزها عن غيرها من الثقافات، ليس بمعنى الانعزال او التقوقع، وإنما بمعنى التفرد والتميز في رفد الانسان بهوية ثقافية يشار لها بالبنان، وعندما تغيب التقاليد او تضعف، لن يكون هناك قدرة للثقافة على التأثير في الانسان فكرا أو سلوكل، فتصبح الثقافة في هذه الحالة هي والعدم سواء.

من هنا لابد أن يعتني المعنيون بالثقافة بالتقاليد، حتى في ابسط وأدق التفاصيل، ولابد أن يتم الاهتمام بجميع فروع وحقول الثقافة وادوارها، مع الاهتمام بالتقاليد التي تتعلق بهذه الفروع، فهناك ثقافة تتعلق او تخص البيت او العائلة، وهناك ثقافة تخص المحيط التدريس والعملي عموما، وثمة ثقافة تتعلق بسلوك الانسان في الامكنة العامة، حتى الندوات والامسيات الثقافية والادبية والحواريات تجري وفق تقاليد لا يصح تجاوزها، بل ينبغي العمل على ترسيخها حاضرا، حتى يسير عليها القادمون من الاجيال اللاحقة.

وعندما تكون هناك أسس واضحة، وتقاليد لا غبار عليها للثقافة، والانشطة التي تدخل في اطارها، عند ذاك ليس هناك أي نوع من المخاوف عليها، فالثقافة بحضور مرجعياتها والاستناد الى جذورها، وترسيخ تقاليدها، لا يمكن أن تكون عرضة للتدمير او الذوبان في سواها من الثقافات، بهذا المعنى تصبح التقاليد التقاليد الثقافية الراسخة بمثابة المصدّ الذي يحمي الثقافة من التقهقر أو التراجع أمام الثقافات الاخرى، فضلا عن انها تمنح الفرد والمجتمع هوية خاصة به، تجعله يعتز بذاته وثقافته ووطنه، وفي الوقت نفسه تمنحه الثقة في التعاطي مع الثقافات الاخرى انسانيا، بعيدا عن الخوف من الذوبان فيها.

عكس ذلك يحدث تماما عندما تفتقر الثقافة للتقاليد القوية الواضحة والراسخة في الوقت نفسه، لأننا بغياب هذه الاسس والتقاليد المتميزة والمتفردة نحكم على الثقافة بالانهيار عاجلا أم آجلا، وهو ما لا نريده ولا نتمناه لأنفسنا، ومجتمعنا، إننا نطمح بالمزيد من السمو الاخلاقي والانساني عموما في ظل ثقافة قوية متفردة ومنفتحة على الثقافات الانسانية الاخرى بلا خوف، ويمكن أن نحقق مثل هذه النتيجة المشرفة عندما نتمسك بتقاليدنا الثقافية الصحيحة المتراكمة والمعروفة لدينا، أما عندما نهملها او نتغاضى عنها لأي سبب كان، فإننا في هذه الحالة نفرط بثقافتنا من تلقاء أنفسنا، كمن يتنازل عن هويته وخصوصيته بإرادته طواعيةً، وهذا ما لا يريده احد ولا يرغب به كائن انساني على وجه الارض، فليس هناك انسان مستعد أن يخسر حضوره ومكانته وشخصيته وخصوصيته، وينطبق هذا على المجتمع ايضا.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
فيسبوك