حياتك من صنع أفكارك

3259 2017-03-16

فكرة التساؤل الواردة في العنوان أعلاه موجودة منذ آلاف السنين، لكنها لم تؤخذ على محمل الجد، إلا في الآونة الأخيرة حيث تم تسليط الأضواء عليها وأصبحت تتلألأ أكثر من ذي قبل، وأصبحت محط اهتمام علماء النفس وكل شخص يبحث عن النجاح والتفوق، فهناك من يؤكد على أن ما تفكر به سيصبح جزءاً من حياتك كما تختار أدواتك للكتابة أو للطبخ أو للخياطة أو لأية مهنة أخرى ترد ضمن أفكارك، ويمكنك أن تختار ما تريد أن تصبح عليه، لذلك يحث ديننا على التدقيق والتمعن في اختيار الأفكار.

إن الكون يستمع إلى كل شيء تقوله وكل شيء تفكر به، ويبدأ بجلبه إليك لأن الله خلق للإنسان ما في الأرض جميعاً كما ورد في هذه الآية الكريمة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا). فكل شيء تحت تصرف الانسان ويستجيب له اذا تحاور معه بألفاظ إيجابية، حيث سيتعلم الكون أن يجيب عن هذا كله.

يقول د. هلمستتر: "إن ما تضعه في ذهنك سواء كان سلبيا أو إيجابيا ستجنيه في النهاية"، فالأفكار الإيجابية تشبه زراعة بذور في التربة، هذه الأشياء لم تصبح حقيقة بين ليلة وضحاها بل يحتاج الأمر الى أن تتحلى بالصبر لكنها ستصبح حقيقة يوماً ما.

لا يمكن ان تزرع وتنتظر لمدة يومين فقط، ومن ثم تحفر الأرض وتقول ماذا يحدث أو تتراجع لأنها لم تنمو، بالتأكيد من حقك أن تتوقع أن تنمو هذه البذور لأنك تعلم هناك قانون لهذه العملية وستنمو هذه البذور إذا كانت في البيئة المناسبة لها وحصلت على الكم اللازم من الماء والنور، كذلك يجب عليك أن تؤمن بقانون الأفكار، إنّ ما تفكر به سيصبح جزءاً من حياتك!

يقول واين داير: ما يفكر فيه الناس، ويتحدثون عنه يتزايد ويصبح أفعالاً.

وإذا ترسَّخ في خلايا مخّك معتقد قوي بأنك لا تستطيع أن تصل إلى أي مكان أو إنك لا تستحق الأشياء الجيدة في حياتك أو إنك لا تساوي (شيء) في هذا العالم فتأكد بأنك لن تصل أبداً. فمن لديه سيارة إذا لم يدخل مفتاح التشغيل في مكانه الصحيح ويقوم بتشغيل سيارته، هل باستطاعته أن يسير بسيارته الى المكان المقصود ؟ أو هل يصل الى مكان ما؟. بالطبع كلا لن يصل لأن السيارة لا تتحرك أصلا، كذلك أنت دافعك في نفسك وهو كالكنز المخفي تحت خلايا مخّك، لذلك باستطاعتك أن تحفر بطريقة صحيحة وتحصل عليه وتكون من أغنى الناس، وباستطاعتك أن تبقي عليه مخفياً وتبكي وتندب حظّك، فالأمر في جميع الحالات يعود إليك .

ما معنى التفكير

‎التفكير هو إعمال العقل في مشكلة للتوصل إلى حلها، بتعبير آخر التفكير هو (إجراء عمليّة عقليّة في المعلومات الحاضرة لأجل الوصول إلى المطلوب) وثمة تعبير آخر أدق يؤكد بأن التفكير (حركة العقل بين المعلوم والمجهول)-1-.

يقول جون ديوي "إن التفكير هو النّشاط العقلي الذي يرمي إلى حل مشكلة ما" -2-.

وجاء في تعريف فتحي جروان بأن: "التّفكير هو سلسلة من النشاطات العقليّة غير المرئيّة التي يقوم بها الدّماغ عندما يتعرّض لمثير يتم استقباله عن طريق واحدة أو أكثر من الحواس الخمسة، بحثاً عن معنى في الموقف أو الخبرة، وهو سلوك هادف وتطوري، يتشكّل من داخل القابليّات والعوامل الشخصيّة والعمليّات المعرفيّة وفوق المعرفيّة، والمعرفة الخاصّة بالموضوع الذي يدور حوله التفكير)-3-.

في حين يقول الروائي الفرنسي فيكتور هيجو: "إنّ غزو الجيوش يمكن مقاومته أما غزو الأفكار فلا"، إذاً للأفكار تأثير قوي على حياة الفرد لأن غزو الجيوش يمكن مقاومته من خلال أسلحة أو أشياء أخرى، ولكن لا يمكن الدخول إلى رؤوس الأشخاص وتغيير أفكارهم لأن الناس وحدهم من يفكرون ويقررون ماذا يريدون!.

ويقول ابن سينا العالم العربي الشهير: "إنّ قوّة التفكير قادرة على إحداث المرض والشفاء منه"، وهناك قصص كثيرة تؤيد هذا القول وتتحدث عن معجزات العقل الباطن، منها تلك القصة التي يستعرض فيها الدكتور (برونو كلوجفر) حالة مريض مصاب بالسرطان في جهازه اللّمفاوي وهو في مرحلته الأخيرة، وكان قد عولج مع عدد من المرضى وكان هو الوحيد الذي شفي من بينهم شفاء تاماً بفضل علاج يسمى (الكريبيوزين) ولكن حين أعلن في المجلات الطبيّة عن فشل الدواء وعرف المريض بذلك انتكست حالته وعادت الأورام ثانية إلى جسده، وأدخل المستشفى مرة أخرى فأخبره الدكتور برونو أن هناك علاجاً متطوراً أُنتج من هذا الدواء فحقنه به فشفي تماماً مع أنّه لم يحقنه إلا بماء مقطر.

من هنا نستنتج أن لتغيّر فكرة وتقبّل أخرى أثر فاعل في شفاء المريض من مرضه. وهناك قصص كثيرة في هذا المجال، وكما ورد في هذه الآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ). وجدير بالذكر إن ما يدور في مجتمعنا وحياتنا الشخصية لا يأتي بالصدفة، بل نحن من نجلب هذه الأشياء أو الوقائع إلى حياتنا ونحن من نفتح الباب لدخول أي شي أو أية واقعة أو غير ذلك.

إذاً "الشفاء بالتفكير" ممكن، كما قال أمير المؤمنين (ع) وحسب ما اثبت العلم بأن الشفاء بالطرق العقلية ممكن مثل الإيحاء والتنويم وسوى ذلك. ليس عليك سوى أن تؤمن بأنك كيان مهم وتدرك جيداً أن ما تفكر به وما تثق به سيأتي إلى حياتك، بهذه البساطة يمكن أن يكون هنالك تأثير لأفكارك في حياتك، وإذا أمكننا فهم هذا الأمر، سوف نتمكن من إحداث تغييرات مهمة في حياتنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش:
1- الشيخ محمد رضا المظفر، المنطق، ص24.
2- أ.د أديب محمد الخالدي –دار وائل للنشر والتوزيع، عمان-الأردن، ط1 2003م، ص19، بتصرف.
3- أ.د أديب محمد الخالدي - مرجع سابق، ص23-27، بتصرف.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك