المختار بن أبي عبيدة الثقفي.. فوق كل الشبهات

3627 2016-06-22

قديماً قيل: (الموت يسد باب الحسد ويفتح باب الشهرة)، إنها الضريبة التي يدفعها كل إنسان موهوب يرتفع اسمه في مجتمعه ويتميّز بين الناس، فأي باب يفتح للإنسان للشهرة من موهبة ما، يفتح مقابلها باب للحسد، وكلا البابين متلازمين فلا يغلق باب الحسد حتى يموت ذلك الإنسان، هذا إذا كان ذلك الإنسان قد تمتع بمواهب ومزايا آنية تنتهي بموته، ولكن حينما يكون تاريخ هذا الإنسان متعلّقاً بقضية كبيرة في حياة أمة، وارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بتاريخها، بل في أكثر مراحل تاريخها صراعاً وديناميكية, وكان له دور عظيم وكبير فيه، فإن أبواب الحسد والبغضاء والشحناء تفتح على مصراعيها حتى بعد موته كما حصل للقائد البطل الشيعي المختار بن أبي عبيدة الثقفي (رضوان الله عليه).

لقد كان المختار يتمتع بخصال نادرة جعلته من أفذاذ الرجال، وقد تعددت مواهبه وصفاته الكريمة ومآثره النبيلة وشجاعته النادرة، فكان هذا الثائر الكبير بطلاً شجاعاً لا يرهب الأهوال والمخاطر، عميق التفكير، حسن التدبير والسياسة، يتمتع بالحكمة والكياسة، وقد كرّس كل هذه المزايا والخصال لنصرة الحق المتمثل بأهل البيت (عليهم السلام)، فكان من الطبيعي أن تكون لكل هذه الصفات التي تمتع بها ضريبتها من ألسنة الحساد والبغض والنفاق التي ألصقت به التهم الباطلة وافترت عليه الافتراءات العظيمة.

ولكن كل هذه الأباطيل كانت تتساقط أمامه كما تساقط أصحابها، بل إنها كشفت عن مدى عظمته وصغرهم، وسموه وخسّتهم، وخلوده وفنائهم، فكان وهم كما قال الشاعر:

وإِذَا أَرادَ اللَّهُ نَشْرَ فَضيلَةٍ *** طويتْ أتاحَ لها لسانَ حسودِ

لَوْلاَ اشتعَالُ النَّارِ، فيما جَاوَرَتْ *** ما كَانَ يُعْرَفُ طيبُ عَرْف العُودِ

لولاَ التخوفُ للعواقبِ لمْ تزلْ *** للْحَاسد النُّعْمى على المَحْسُودِ

ويكفي المختار فخراً وعزاً وشرفاً وكرامةً إنه أسس دولة عمل بها بكتاب الله وطاعته وسار على نهج أهل البيت (عليهم السلام)، وأقام حدود الله، واقتص من أعداء الله، وأقرّ عين رسول الله، وجاهد الكفار والمنافقين حتى مضى شهيداً محتسباً.

يكفيه فخراً أنه انتصر للحق على الباطل، وأدخل السرور على قلب أهل البيت (عليهم السلام)، ورسم الفرحة على وجوه المؤمنين والمؤمنات، فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً مع محمد وآل محمد.

أسرة المختار

هو المختار بن أبي عبيدة بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف بن منبه بن يعلى الثقفي، وصف ابن عبد البر في (الاستيعاب (القسم الرابع): ص1465) المختار بقوله:(كان معدوداً من أهل الفضل والخير والدين)، وتدل الروايات على أن ولادة المختار كانت في العام الأول للهجرة، فقد روي أنه كان يبلغ من العمر (67) سنة يوم استشهاده وقد استشهد سنة (67هـ).

ولد المختار في موطن أجداده الطائف في بيت ارتفعت فيه أعمدة الشرف والمجد، أبوه أبو عبيد بطل معركة الجسر التي سطّر فيها أروع صفحات البطولة في التاريخ الإسلامي حتى استشهد فيها، أما أعمامه فهم عروة بن مسعود الصحابي الشهيد، وسعد بن مسعود من خيار أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وعامله على المدائن، والحكم بن مسعود الشهيد مع أخيه أبي عبيد في معركة الجسر.

ورث المختار من أبيه وأعمامه الشجاعة والحكمة والصلابة والبطولة والإيمان، ولم تتحدث التواريخ عن بواكير حياته وطفولته سوى بعض الروايات التي دلت على أنه كانت تربطه علاقة مع بني هاشم منذ الطفولة ومنهم مسلم بن عقيل الذي لجأ إلى دار المختار عند قدومه إلى الكوفة، كما هناك رواية تقول بأن أباه جاء به وهو صبي إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأجلسه في حجره ومسح رأسه وهو يقول: يا كيس يا كيس.

والكيس بمعنى الحكمة والحنكة في إدارة الأمور برأي رشيد وسديد وقد صدق أمير المؤمنين فقد كان المختار مثال هذه الصفات، فأي أمر أرشد وأسدد من نصرة المظلومين ومناوأة الظالمين والأخذ بثأر أهل البيت من القتلة والمجرمين وإقامة حدود الله في الأرض والقصاص من قتلة الحسين ؟

وظاهر الرواية يدل على أن أبا عبيدة إضافة إلى كونه من الشيعة فقد كانت تربطه علاقة بأمير المؤمنين (عليه السلام) قبل أن يتولى الخلافة، وقد استشهد أبو عبيدة وللمختار من العمر ثلاث عشرة سنة، أما أم المختار فهي السيدة دومة وقد اشتركت في القتال مع زوجها أبي عبيدة في معاركه وتلقت استشهاد زوجها وأولادها الثلاثة (أخوة المختار) في معركة الجسر بصبر وثبات واحتسبتهم عند الله، وقد كُتب على هذه المرأة أن ترى أبناءها كلهم شهداء فبقيت على قيد الحياة حتى شهدت استشهاد ابنها المختار في الكوفة.

المختار .. الرجل الشريف

لقد كان المختار رجلاً ثورياً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، واختار طريق الكفاح والثورة للانتصار على الباطل، وبقي على مبدئه في أحلك الظروف وحتى آخر لحظات حياته شأنه شأن العظماء من الثوار، ولم يهادن ولم يراوغ ولم يحترف سياسة اللف والدوران والنفاق والمكر والغدر وغيرها من الأساليب الدنيئة التي امتاز بها معاوية والمغيرة بن شعبة ومن على شاكلتهما، وكل التهم التي ألصقت بالمختار كانت باطلة ابتدعها سماسرة الأمويين والزبيريين للنيل من سمعة هذا القائد الشيعي البطل الشريف.

كان المختار من وجوه الشيعية وأبطالهم، قوياً في ولائه لأهل البيت (عليهم السلام)، وكانت تلك (التهمة) كافية لأن تُحاك حوله الدسائس والمؤامرات في حياته وتوضع حوله الخرافات والخزعبلات والموضوعات والأكاذيب في حياته وبعد مماته وهو بعيد عنها كل البعد، ويكفي شرف أصله وعلو شأن عائلته وسمو نفسه لدحض وتفنيد كل هذه الأكاذيب والأباطيل.

لقد ابتلي المختار بأعداء كانوا على درجة كبيرة من الخسة والنذالة، وهم بنوا أمية الذين كان لهم تاريخ عريق في صناعة الخرافات واحتراف كبير في ابتداع الأضاليل وإلصاقها بمن يشاؤون ويشتهون، وإضافة إلى بني أمية أصحاب الباع الطويل بالكذب والمفتريات، فقد أحيط المختار بأعداء على شاكلة بني أمية وهم آل الزبير الذين لا يقل إنتاج مصانعهم من المفتريات والكذب عن مصانع بني أمية، وكانت لهم صحائف سود من هذه المفتريات سوّدت وجه التاريخ الإسلامي، وكانت تلك المصانع تُدار من قبل عبد الله بن الزبير، ومن أبرع منتجيها أخوه عروة بن الزبير الذي كان يضع ما يشاء من هذه المفتريات ويلصقها بمن يشاء وينسبها إلى خالته عائشة، فقد وجد فيها ما يلجم الأفواه غير آبه بما سوّلت له نفسه ويداه من هذا التحريف الذي يسيء إلى الإسلام والرسول الكريم والشخصيات الشريفة في تاريخ الإسلام كشخصية المختار وغيرها.

استمرار الأباطيل

ولم يقف الحد في تنشيط هذه المصانع التي لوّثت التاريخ الإسلامي على ذلك العصر بل بقيت تنشط وتُدار من عائلة الزبيريين ومن أبرز واضعي هذه الأكاذيب ممن توارثوا الحقد على أهل البيت وشيعتهم هو الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير الذي وضع أكاذيباً ومفتريات لم يجرؤ أحد على وضعها وكان خطره على الإسلام أشد من خطر الكفار والمشركين والتيارات المنحرفة.

نشطت المصانع الأموية والزبيرية في إنتاج الأباطيل ووجهتها نحو شخصية عظيمة في التاريخ الإسلامي وهي شخصية المختار بن أبي عبيدة الثقفي، فنسبوا إليه السحر والكفر، وقالوا: بأنه يخاطب الملائكة ويدعي أنهم يحاربون معه إلى جانب جنوده، وإن جبرائيل ينزل عليه على شكل طائر، إلى غيرها من التخاريف التي نشروها وجهدوا على إذاعتها في البلاد.

براءة المختار من الكيسانية

ومما نسبوا إلى المختار زوراً وبهتاناً الفرقة الكيسانية وهي فرقة تدعو إلى إمامة محمد بن الحنفية، ولقّبوه بـ (كيسان)، وهذا القول باطل جزماً، لأن محمد بن الحنفية لم يدّعِ الإمامة لنفسه حتى يدعو المختار الناس إليه، وقد قتل المختار ومحمد بن الحنفية حي، وقد أُبتدعت الكيسانية بعد وفاة محمد بن الحنفية، وأما أن لقب المختار هو كيسان، فإن صح ذلك فمنشؤه ما تقدم في رواية الكشي من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له مرتين: يا كيس، يا كيس. فثنى كلمة كيّس وقيل كيّسان.

وقد اجتهد عملاء الأمويين والزبيريين بإلحاق كل شانئة بالمختار فكانوا يجهدون من خلال ذلك إلى تسقيط المختار في عيون الناس وتبرير جرائمهم وأعمالهم الوحشية فعندما عاتب عبد الله بن عمر مصعب بن الزبير على قتله سبعة آلاف أسير من المسلمين بعد قتل المختار بعد أن أعطاهم الأمان فغدر بهم وقتلهم قال له مصعب: (إنهم سحرة كفرة)!!!!

الله أكبر إن التاريخ يعيد نفسه ألا يشبه هذا الفعل والقول ما يقوم به داعش الآن من الجرائم المنكرة بحق المسلمين الشيعة بنفس الدعوى ؟ متى يعرف العالم الإسلامي إن الوهابية هي راعية الإرهاب الأول في العالم وهي تستقي من هذا السلف المجرم كل جرائمها المنكرة ؟ لعنهم الله ولعن أسلافهم ولعن كل من يقتدي بهم بقول أو فعل.

إن الذين وضعوا عشرات بل المئات الأحاديث المكذوبة على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) في المناقب المكذوبة التي نسبوها لمعاوية وقد امتلأت حياته بالرذائل والموبقات، ووضعوا أحاديث في الانتقاص من أمير المؤمنين (عليه السلام) ليس بغريب ولا بعيد عليهم أن يجعلوا تلك الخزعبلات وينسبونها للمختار.

ونحن لا نعتب على هؤلاء الذين امتهنوا الكذب والنفاق بقدر عتبنا على بعض الشيعة ممن يطعن في المختار وينسب إليه بعض الأمور المغلوطة، وأقول بعض الشيعة وهم قلة ممن التبست عليهم بعض الأمور لكي لا يتخذها الآخر ذريعة للطعن بشخصية المختار.

الولاء الخالص

كان المختار من أقطاب الشيعة وحارب السلطة الأموية منذ مطلعها على يد معاوية وسلك طريقاً شاقاً محفوفاً بالمخاطر والأهوال في حربه لها، وكان من أشد المعارضين لسياستها الظالمة وتسلطها على رقاب المسلمين، كما كان من الدعاة إلى الإمام الحسين (عليه السلام) في الكوفة، وقد نزل مسلم بن عقيل في داره عند قدومه إلى الكوفة، وكان المختار يدعو لمسلم ووقف إلى جانبه ودعا الناس إلى الالتحاق بالحسين ونصرته، وتعرض بسبب مواقفه هذه إلى السجون والتعذيب.

فهل يستطيع أحد أن ينكر هذه المواقف المشرفة العظيمة ؟ لكن العجيب ممن يضع كل هذه المواقف جانباً ويبني من موقف واحد مشكوك فيه على المختار يتّخذه ذريعة للطعن فيه والمؤاخذة عليه، فقد أخذ عنه البعض موقفه السلبي مع الإمام الحسن (عليه السلام) حينما صالح معاوية وقالوا: بأنه خاطبه بكلام فيه بعض القسوة، ولو افترضنا صحة الرواية في ذلك فإن ذلك ليس مما يؤاخذ عليه إلى درجة الطعن فيه، فقد وقف هذا الموقف كبار رجال الشيعة أمثال حجر بن عدي الكندي، وسليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجية، ورفاعة بن شداد وأمثالهم، وهذه المواقف لا تتعارض مع تشيّعهم وولائهم لأهل البيت وموقف المختار كان مثل موقفهم وقد صدر من محب أسرف قليلاً في العتاب.

ومما يؤيد صلابة المختار في تشيّعه وولائه، أن زياد حينما كتب كتاباً وأرسله إلى معاوية بشأن حجر يتهمه فيه بخلع الطاعة وإحداث الشغب بين المسلمين وأشهد جماعة من وجوه الكوفة على ذلك، رفض المختار توقيع الكتاب والشهادة عليه ولم يعبأ بكل التهديدات التي وجهها إليه زياد ومنها القتل.

ألا يكفي دليلاً على إيمان المختار وولائه لأهل البيت أن يستقبل سفير الحسين مسلم بن عقيل في ذلك الجو الحالك وشيوع سياسة القتل والبطش والتنكيل والسجون والتعذيب بالشيعة، وحتى بمن يُتهم بالتشيّع ؟

في تلك الأجواء المرعبة كانت دار المختار مفتوحة لمسلم بن عقيل وللشيعة الذين تقاطروا عليه يبايعونه، وكان المختار يدعو الناس إلى بيعة الحسين، يقول السيد هاشم معروف الحسني في كتابه (الانتفاضات الشيعية عبر التاريخ) (ص448): (إن الدافع الرئيسي لنزول مسلم بن عقيل ضيفاً على المختار هو ولاؤه الأكيد، وعمله الدؤوب الصامت في سبيل انتقال السلطة إليهم، بالإضافة إلى ما اشتهر به من الكياسة وبعد النظر والمقدرة الفائقة على شؤون الثورة بحزم وروية).

اعتقال المختار

وأصبحت دار المختار في ذلك الوقت المشحون بالإرهاب الأموي مقراً للمعارضة الأموية وملجأ لشيعة أهل البيت، ومضت الوفود تتوالى على دار المختار في الكوفة لمبايعة رسول الحسين على الثورة مما أثار حفيظة بعض الأمويين فكتبوا إلى يزيد لإيقاف هذا المد الشيعي، وحينما تولى ابن زياد الكوفة اعتقل المختار ولم يخرج من السجن إلا بعد أن استشهد الإمام الحسين (عليه السلام)، قال اليعقوبي في الجزء الثاني من تاريخه: (إن المختار قد جمع جماعة من الشيعة واتجه بهم قاصداً نصرة الحسين فأخذته الشرطة التي كلفها ابن زياد بملاحقة الخارجين لنصرة الحسين فاعتقلته الشرطة، وحينما أدخلوه على ابن مرجانة تناول قضيباً وانهال به يضربه على وجهه ورأسه فأصاب عينه وشترها، ثم ألقاه في السجن مع من اعتقلهم من الشيعة).

وبقي المختار في السجن لفترة من الزمن، ولما علمت أخته صفية زوجة عبد الله بن عمر بخبره طلبت من زوجها أن يتدخل ويطلب من يزيد إطلاق سراحه، فكتب إلى يزيد في ذلك فاستجاب يزيد لطلبه فكتب لابن زياد بإطلاق سراحه، فأطلقه على مضض وأمره بأن يغادر العراق خلال ثلاثة أيام وإن وجده بعدها ضرب عنقه.

الطلب بثأر الحسين

خرج المختار من سجن ابن زياد وهو يقول: (والله لأقطعن أنامل ابن زياد ولأقتلن بالحسين بن علي عدد من قتل بدم يحيى بن زكريا)، لقد كان الهدف من إقامة دولته هو القصاص من قتلة الحسين (عليه السلام) فرغم إنه تعرض للسجن والتعذيب والضرب حتى شترت عينه إلا أنه لم يقل من ذلك شيئاً حينما أعلن الثورة، بل كان شعاره يا (لثارات الحسين)، فما إن وطأت قدماه قصر الإمارة لأول مرة حتى بسط يده للبيعة من الناس على العمل بكتاب الله والطلب بثأر الحسين.

بعد مقتل الحسين اشرأب عنق ابن الزبير وأصبح سيد الموقف، فقد كان فرحاً بمقتل الحسين رغم أنه كان يظهر النقيض من ذلك، وخلا له الجو والساحة للدعوة إلى نفسه بالخلافة، ولم يكن المختار يجهل نوايا ابن الزبير وأطماعه وحقده على أهل البيت رغم تباكيه على الحسين، ولكنه لم يجد سبيلاً لمحاربة الأمويين والانتقام من قتلة الحسين إلا بالالتجاء إلى المعارضين لدولتهم بعد أن أصبحت الثورة ضد الأمويين مستحيلة بسبب قمع السلطة وخوف الناس، كان يحتاج بعض الوقت وانتظار الأحداث ونتائجها بين الزبيريين والأمويين لكي يهيّأ فيه للثورة في العراق وبالذات الكوفة معقل الشيعة.

موقفه مع ابن الزبير

وكان يحث ابن الزبير في الحجاز على الثورة، وتعهد بمساندته والوقوف إلى جنبه، لكن ابن الزبير كان يطلب منه التريث وبقي يراقب ويتظاهر بالتقوى والزهد في الخلافة ويتباكى على الحسين ويلعن قاتليه ليستدر عطف الجماهير ويستميل نحوه الناس ويعمق الهوة بينها وبين السلطة الأموية، وبقيت الأمور تسير لصالحه خاصة بعد وقعة الحرة الجريمة النكراء التي ارتكبها الجيش الأموي في المدينة وما تلاها في مكة من رمي الكعبة بالمنجنيق، وحينما رأى ابن الزبير أن الأمور أصبحت مهيّأة والجماهير معبّأة لصالحه وافق على البيعة وطلب من المختار بالذات أن يبايعه وأظهر حرصه على بيعة المختار ووافق المختار على البيعة بشروط منها أن لا يقضي ابن الزبير أمراً دون مشورة المختار ويستعين به في أفضل أعماله ولكن ابن الزبير لم يفِ بكل هذه الشروط.

قال ابن الأثير في الجزء الرابع من الكامل: (إن المختار لازم ابن الزبير وشهد معه معاركه مع الحصين بن نمير، وأبلى معه أحسن البلاء وقاتل أشد قتال)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية نفس الكلام وأضاف: (إنه ـ أي المختار ـ كان وفياً لابن الزبير ولكن ابن الزبير لم يف بما وعده به فحقد عليه ولكنه لم يجهر بمشاعره نحوه)

موقفه من التوابين

في ذلك الوقت كان المختار على صلة بأهل الكوفة ويتتبع أخبارها، ولما علم أن الشيعة فيها على استعداد للأخذ بثأر الحسين لو تيسر لهم الزعيم الذي يجمعهم تحت لوائه توجه إلى الكوفة، وكانت ثورة التوابين تعلن انطلاقها لقتال الأمويين فلم يشترك فيها رغم مبدئيتها وتماهي أهدافها مع أهدافه، لأنه كان يرى أنها بحاجة إلى التخطيط المسبق والإعداد الكافي.

وانتهت حركة التوابين بمقتل قائدها سليمان بن صرد الخزاعي وانضم من بقي منهم إلى ثورة المختار التي استقطبت جميع الشيعة في الكوفة وكان المختار يترحم في مجالسه على سليمان كثيراً ويقول: (لقد قضى ما عليه، وقد توفاه الله وجعل روحه مع أرواح الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين).

الثورة وإعلان الدولة

وكانت الكوفة تحت نفوذ ابن الزبير وكان والياً عليها عبد الله بن مطيع فعزله الناس والتفوا حول المختار الذي انضم إليه إبراهيم بن مالك الأشتر فقوي جانبه واتسعت دولته فشملت العراق كله وسائر البلاد عدا الحجاز والشام كما في الأخبار الطوال للدينوري.

ولكن هذه الدولة الفتية كان يحيطها الأعداء من الداخل والخارج فأعداء الخارج كانوا يتربصون بها وهم الأمويون والزبيريون، أما أعداء الداخل فهم من قتلة الحسين وغيرهم من المنافقين والانتهازيين الذي أثاروا الشغب على سياسة المختار الاقتصادية التي ساوى بها بين العرب والموالي، فلم يفرق المختار في العطاء بين العربي والأعجمي اقتداء بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)، واقتداء بنهج أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي لم يفرق بينه وبين قنبر في العطاء، فأحدثوا فتنة في الكوفة وعارضوا هذه السياسة ورغم أن المختار عالجها في حينها إلا أن نارها بقيت تحت الرماد حتى التهبت عليه مع نيران ابن الزبير عند دخوله الكوفة وساعدتها في القضاء على المختار.

القصاص من قتلة الحسين

بدأ المختار ثورة إصلاحه في البداية حينما أعلن حربه المجرمين من قتلة الحسين والتعجيل بقتلهم، وسار هو ومن معه من الجيش في جهة وإبراهيم بن الأشتر ومن معه في جهة أخرى ونادى مناديه: (من أغلق بابه فهو آمن إلا من اشترك في قتل الحسين)، وأطلق العنان لهم لينتقموا من قتلته فتعالى الصياح: يا لثارات الحسين وقبض في ذلك اليوم على خمسمائة رجل، ولما عُرِضوا على المختار وجد أن من اشترك منهم في قتل الحسين مائتين وثمانية وأربعين رجلا فقتلهم وأطلق سراح من بقي منهم.

ومضى رجال المختار للبحث عن قتلة الحسين وقتلهم فقتلوا الكثير منهم، وكان من جملتهم خولى بن يزيد الأصبحي وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن، وبقي ابن زياد الذي أقسم المختار أنه سيقطع أنامله.

رأس ابن زياد بين يدي المختار

كان ابن زياد قد توجّه لقتال الزبيريين في العراق من قبل عبد الملك بن مروان على رأس جيش كبير فاحتل الموصل، وحينما بلغت أخباره المختار سيّر إليه جيشاً بقيادة ابن الأشتر وبقي هو في المدائن يتلقى أخبار المعركة ونتائجها، والتقى الجيشان على ضفاف نهر الخازر واشتبكا في معركة حامية في مطلع سنة (67هـ) استطاع فيها ابن الأشتر القضاء على جيش الشام رغم أنه كان يبلغ عشرة أضعاف جيشه وأرسل ابن الأشتر رأس ابن زياد إلى المختار.

موقف الإمام زين العابدين وبني هاشم

أرسل المختار رأس ابن زياد إلى الإمام زين العابدين (عليه السلام)، يقول اليعقوبي: (إن علي بن الحسين لم يُر قطّ ضاحكاً منذ قتل أبوه إلّا في ذلك اليوم).

وكان للإمام إبل تحمل الفاكهة من بلاد الشام إلى الحجاز فأمر بتوزيعها على أهل المدينة ثم خرّ ساجداً يدعو للمختار ولكل من ناصرهم على قتل أعدائهم.

ولما علم ابن عباس قال: (جزاه الله عنا وعن رسول الله خير جزاء المحسنين لقد أخذ بثأرنا وأدرك وترنا).

وسجد محمد بن الحنفية شكراً لله على قتل هذا اللعين وقال: (جزاه الله خير الجزاء لقد أدرك لنا ثأرنا ووجب حقه على كل من أولده عبد المطلب بن هاشم)، ثم دعا لإبراهيم بقوله: (اللهم احفظ إبراهيم بن الأشتر وانصره على الأعداء ووفقه لما تحب وترضى واغفر له في الآخرة والأولى).

وروي عن فاطمة بنت علي (عليها السلام) قولها: (ما تخضّبت امرأة من العلويات، ولا أجالت في عينيها مروداً، ولا ترجلت، حتى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد إلى المدينة). وروي نفس الحديث عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).

الإمام الصادق يبرئ المختار

وقد فنّد الإمام الصادق كل التهم التي وجهت إلى المختار من قبل أعدائه وترحّم عليه، كما يروي الطوسي في رجاله عن عبد الله بن شريك العامري قال: (دخلنا على أبي جعفر (عليه السلام) يوم النحر وهو متكئ، وقال : أرسل إلى الحلاق، فقعدت بين يديه إذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبلها فمنعه ثم قال له الإمام: من أنت ؟ قال : أنا أبو محمد الحكم بن المختار بن أبي عبيد الثقفي وكان متباعداً من أبي جعفر (عليه السلام)، فمد يده إليه حتى كاد يقعده في حجره بعد منعه يده، ثم قال: أصلحك الله إن الناس قد أكثروا في أبي وقالوا والقول كثير والقول والله قولك قال: وأي شيء يقولون ؟ قال : يقولون كذاب، ولا تأمرني بشيء إلا قبلته فقال (عليه السلام): سبحان الله أخبرني أبي والله أن مهر أمي كان مما بعث به المختار، أولم يبنِ دورنا ؟ وقتل قاتلينا ؟ وطلب بدمائنا ؟ فرحمه الله) .

وروى الكشي في رجاله نفس الحديث وأضاف: (رحم الله أباك، رحم الله أباك، ما ترك لنا حقا عند أحد إلا طلبه)

ألا تدل هذه الروايات المعتبرة على صدق نوايا المختار وولائه العميق الصادق لأهل البيت (عليهم السلام) ؟ أم ننبذها كلها وراء ظهورنا ونتخذ من خرافات وأباطيل الأمويين والزبيريين أعداء أهل البيت التي ألصقوها بالمختار القول الفصل والمعوّل والثابت الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟ !!!

ألا يتمعن القارئ ويستنبط من تلك الأحداث أن هدف المختار من إقامة دولته كان القضاء على الظلم الأموي وكانت دولته من أنقى فترات التاريخ الإسلامي التي انتعش فيها الشيعة بعد أن ذاقوا مما لا يُحصى من الظلم والقتل والسجون والتعذيب على يد الأمويين ؟

ألا يُلاحظ من خلال هذه الأحداث أن المختار كان يهدف من خلال إقامة دولته السير على خطى أمير المؤمنين (عليه السلام) في التسوية بين العرب والموالي وهو نهج أمير المؤمنين في الحكم ؟

ولو كان المختار يهدف إلى التسلّط والاستبداد بالحكم لسار بسياسة معاوية في الحكم وفرّق بين زعماء وأشراف العرب وبين الموالي في العطاء لكسب الأشراف والزعماء إلى جانبه والذين يمثل كسبهم واستمالتهم كسب قبائلهم ؟ ولما تركهم يثيرون الشغب حوله والاستياء من دولته ومن ثم لجوئهم إلى آل الزبير كما فعل الكثير من أمثالهم في خلافة أمير المؤمنين وانضموا إلى معاوية ؟

وهل كان معاوية أدهى من أمير المؤمنين ومن المختار ؟ كلا والله ولكن شتان بين ابن آكلة الأكباد الذي تربّى في حجر الفسق والفجور وتغذى بالكفر والغدر، وبين ربيب النبوة ومعدن الرسالة والقرآن الناطق وهو القائل: (والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة).

الله أكبر .. فأي طريق يسلك المختار ؟ أيسلك طريق القرآن الناطق والحق والهدى والعدل والمساواة، أم يسلك طريق الغدر والمكر والفجور ؟ وهو المفعم بحب علي حتى النخاع

نترك الجواب لضمير القارئ

لقد بقي هؤلاء الوصوليون والمنافقون ممن اعترضوا على سياسة المختار في المساواة يتربصون به وينتظرون الفرصة للتمرد والوثوب عليه وكانوا سبباً في دخول مصعب بن الزبير إلى الكوفة فقد كانوا خلايا نائمة تنتظر من يوقظها وكانت تعمل بصمت على مساعدة الزبيريين للقضاء على دولة المختار.

الموت بشرف

وظلت الأمور تتأزم بين المختار وابن الزبير، وأخيرا أرسل ابن الزبير أخاه مصعب والياً على البصرة، وبعد توطيد الأمور له فيها استعد للتوجه منها إلى الكوفة لحرب المختار، فاستدعى مصعب المهلب بن أبي صفرة فأرسله إلى الكوفة لقتال المختار ولما بلغ المختار تحرك المهلب جمع جيشه واستعد للقائه، فالتقى الجيشان على مشارف الكوفة وكانت معركة بين مد وجزر لولا الخيانة التي وقعت بجيش المختار حيث تسلل الكثير من عرب الكوفة (الخلايا النائمة) إلى ابن الزبير.

دخل ابن الزبير أبواب الكوفة وقطعوا على المختار المؤن وأصبحت حالة المختار تزداد سوء فتحصن بالقصر فقال لأصحابه: (إن الحصار لا يزيدكم إلّا ضعفاً، فانزلوا بنا حتى نموت كراماً) فامتنعوا عن الخروج معه وأخيراً نزل ومعه سبعة عشر رجلاً لا غير وقاتل قتال الأبطال الشجعان الشرفاء حتى قتل في يوم (14رمضان67هـ).


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تاريخيات)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك