المالية العامة وسياسات الحكم الرشيد


يشكل غياب سياسات الحوكمة (الحكم الرشيد) عقبة كبيرة تعيق برامج الإصلاح والتطور الاقتصادي في البلدان النامية، ومنها العراق. ويعد الحكم رشيدا بمقدار درجة الشفافية التي تتسم بها مؤسسات البلاد وعملياتها. ويُراد بمفردة "مؤسساتها" الهيئات العامة، مثل البرلمان والوزارات والمؤسسات الحكومية المختلفة. وتشمل مفردة "عملياتها" الأنشطة الرئيسة، كالانتخابات والإجراءات القانونية، التي يجب أن ينظر إليها على أنها خالية من الفساد ومسؤولة أمام الشعب.

مفهوم الحوكمة

الحوكمة مفهوم واسع يشمل كافة أبعاد الحكم لأي بلد، بما في ذلك سياساته الاقتصادية وإطاره التنظيمي، فضلا على الالتزام بسيادة القانون. وفي مناخ الحوكمة الضعيفة، تزداد حوافز الفساد وتكثر الفرص لممارسته، ويؤدي الفساد إلى إضعاف ثقة المواطن في الحكومة، كما يهدد نزاهة السوق، ويشوِّه المنافسة، ويعرض التنمية الاقتصادية للخطر. ولأن ضعف الحوكمة يضرّ بالنشاط الاقتصادي وينتقص من الرخاء، تحاول مختلف البلدان التي تمر بأوقات عصيبة، تبني سياسات الحكم الرشيد لأجل تأمين مسار سلس لعملية التنمية والإصلاح (الاقتصادي والسياسي والاجتماعي).

كذلك تعزز سياسات الحوكمة الإنصاف والمشاركة والتعددية والشفافية والمساءلة وسيادة القانون، على نحو يتسم بالفاعلية والكفاءة والثبات، وفي تحويل هذه المبادئ إلى ممارسات. إذ تشهد البلدان التي تتمتع بدرجة عالية من حوكمة المؤسسات العامة، إجراء انتخابات حرة ونزيهة وبشكل متكرر، ومجالس تشريعية، مُمثلة حقا للشعب، تشرع القوانين وتوفر الرقابة، وسلطة قضائية مستقلة تفسّر تلك القوانين وتفعّل نصوصها عبر أحكام حيادية.

المظلة الدولية لتعزيز الحوكمة

أجرى صندوق النقد الدولي، ضمن دراسة صدرت مؤخراً عن الشفافية والمساءلة والمخاطر المتعلقة بالمالية العامة، مراجعة لوضع شفافية المالية العامة في ضوء الأزمة الاقتصادية الأخيرة. ورغم التقدم الكبير المحرز منذ أواخر التسعينات في توسيع نطاق الإفصاح عن بيانات المالية العامة وتحسين جودة هذه البيانات وزيادة درجة حداثتها، فقد خلصت المراجعة إلى وجود جوانب ضعف مستمرة في مدى تفهّم الحكومات لطبيعة أوضاعها المالية الأساسية. ويرجع هذا القصور في مستويات الشفافية إلى العديد من الثغرات وأوجه عدم الاتساق في معايير الإفصاح عن بيانات المالية العامة، والتأخر في التزام الكثير من البلدان بتلك المعايير وتفاوت مستويات التزامها، فضلا على عدم إجراء مراقبة فاعلة متعددة الأطراف لمدى الالتزام بهذه المعايير. ولمعالجة جوانب الضعف هذه، أوصى صندوق النقد الدولي بسياسات عدة، أبرزها([1]):

• إدخال تحسينات على معايير الإفصاح الخاصة بإحصاءات المالية العامة؛ بغية توسيع نطاق التغطية المؤسسية للتقارير المالية، والإلمام بنطاق أوسع من التدفقات والأصول والخصوم، وإدراج معايير جديدة لتنبؤات المالية العامة وإدارة المخاطر.

• بذل المزيد من الجهود صوب اتخاذ إجراءات على المستوى الوطني لزيادة دعم الشفافية عن طريق الهيئات التشريعية، والأجهزة العليا للرقابة المالية، ومجالس الموازنة. وعلى المستوى الدولي، يتعيّن على صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات متعددة الأطراف تقديم المزيد من الإرشادات العملية حول مختلف القضايا ذات الصلة، مثل تطبيق نظام المحاسبة على أساس الاستحقاق والرقابة المالية على المؤسسات العامة.

• تعزيز المراقبة الدولية لضمان التزام البلدان الأعضاء بهذه المعايير، وعلى وجه التحديد، استعاض الصندوق عن "تقرير مراعاة المعايير والمواثيق" الحالي المعني بشفافية المالية العامة بمنهج "تقييم شفافية المالية العامة" الجديد ذي الطابع الأكثر ميلا نحو التحليل واستخدام الوحدات النموذجية والتدرّج في تقييم ممارسات البلدان ومخرجاتها المتعلقة بالمالية العامة.

وعقب جولة المشاورات الأولى، أعد صندوق النقد الدولي مسودة معدلة لميثاق الممارسات السليمة لتكون مرشدا في مجال شفافية المالية العامة، وبدأ الصندوق أيضا في تطبيق "تقييم الشفافية المالية" على أساس تجريبي في مجموعة من الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة، فضلا على البلدان منخفضة الدخل.

ويجري تقييم الشفافية بشكل عام في سياق الأنشطة الرقابية والبرامجية المعتادة التي يقوم بها صندوق النقد الدولي في بلدانه الأعضاء. وتقوم بعثات المساعدة الفنية الموفدة من إدارة شؤون المالية العامة بمساعدة السلطات الحكومية على تحسين شفافية المالية العامة في ممارسات جديدة، مثل أطر سياسة المالية العامة وقواعد المالية العامة، أو ترتيبات الإدارة المالية العامة، أو إدارة إيرادات الموارد الطبيعية، أو تقييم مخاطر المالية العامة والإفصاح عنها، أو إدخال الشركات العامة ضمن حسابات المالية العامة.

حوكمة السياسة المالية في العراق

مؤخراً، وبعد تفاقم أزمة الاقتصاد العراقي، كرست الحكومة جهودها صوب الاستعانة بمؤسسات دولية لمراقبة الاقتصاد وإبداء الرأي والمشورة حول السياسات اللازمة لتحقيق النمو والاستقرار الاقتصادي المستدام. وهي خطوة طويلة باتجاه الإصلاح الاقتصادي والمالي وانتشال البلد من المأزق المالي والاقتصادي الراهن. ويتوقع أن يكون لإصلاح قطاع المالية العامة دور محوري في برامج الإصلاح عبر الاستعانة باستراتيجية مالية تحاكي الواقع الاقتصادي في العراق وتعزز من تنويع الموارد الاقتصادية وتحدّ من الهدر الاقتصادي عبر ضبط إيقاع وكفاءة النفقات.

وينبغي الالتفات إلى عدد من التحديات التي تحدّ من مرونة أدوات الحقيبة المالية في تحقيق أهدافها في الاقتصادات النفطية ومنها العراق، إذ تشكل البيروقراطية المعقدة وتفشي مختلف مظاهر الفساد والمحسوبية وضعف مستوى الشفافية والإفصاح وتخلف أساليب الإدارة والتكنلوجيا في كافة مؤسسات الدولة، قيودا كابحة لتفعيل دور السياسة المالية إزاء التحديات التي تواجه البلد، مما يستدعي إعادة هيكلة إدارة المالية العامة في العراق وتعزيز الشفافية والمساءلة والإفصاح، واعتماد تكنلوجيا حديثة في إدارة كافة المؤسسات الحكومية، بدعم وإسناد من المؤسسات الدولية وبالخصوص صندوق النقد الدولي.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2016
www.fcdrs.com

................................
[1] - صندوق النقد الدولي، كيف يشجع الصندوق زيادة شفافية المالية العامة، مارس 2015.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (الحكم الرشيد)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك