الدولة المدنية في المنظور الإسلامي

عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر إنموذجاً


تتصاغر الكلمات وتتضاءل العبارات عند الحديث عن رجل يُحب الله ورسوله ويُحبه الله ورسوله، كالإمام علي عليه السلام لتاريخه المشرق ومكانتــه في التاريخ السياسي الاسلامي، حتى ان احدهم كـتـب في حق الامام قائلاً: (عليٌ ولد في غير زمانه). فقليل جداً من عظماء التاريخ الذين توصلوا الى انه: (من ساء خلقه عذب نفسه)، وقليل جداً هم الذين أدركوا وعاشوا ووعوا وقالوا: (ان كل انسان نظير في الخلق)، و(ان الناس سواسيه)، و(ان الاحتكار جريمة)، وانه: (ما جاع فقير إلا بما مُتع به غني)، و(اما الظلم الذي لا يُترك فظلم العباد بعضهم بعضاً)، الامر الذي يدفعنا الى القول ان الامام علي عليه السلام في نهجه وسياسته هو الزمن لكل الأزمان شرط ان نعرف انفسنا ونحترم عقولنا. هي كلمات نرسلها لذاك المسك السحيق في نهجه الأشم، الى معلم الأجيال والى من بقي نوره شمعة تضئ الدرب للتائهين على مر العصور.

لا شك عندما نبحث في موضوعة الدولة المدنية قد يتبادر الى أذهان الكثير من الناس مفاهيم الكذب والمكر والخديعة والإحتيال، بسبب ما لهذه الكلمة من سوابق سيئة، وهذا الإنطباع هو امر متوقع بسبب السياسات التي إتبعها الحكام الذين تسلطوا وتحكموا بالبشرية في مختلف المراحل والعصور.

وفي الحقيقة فان هذه القاعدة لا يستثنى منها إلا القليل من الحكام العدول والرجال الربانيون الذين إعتمدوا على الرسالات السماوية مع ما صاحبها من إلهام وتوفيق وتأييد رباني. ومما لا شك فيه ان الامام علي عليه السلام كان واحداً من الشخصيات القليلة والنادرة التي وضعت منهاجها السياسي على اسس الرسالة السماوية، وعلى الفضائل والكرامة الانسانية بغض النظر عن قول القائل وعتب العاتب، على الرغم من ان تلك السياسة قد كلفته كثيراً، وغالباً ما خلقت له اعداء كثيرين، كما قال عليه السلام: (ما ترك لي الحق من صديق).

لقد تميزت حياة الامام علي عليه السلام بوفرة الانتاج الفكري والثقافي سواء كان على شكل خطب وكتب ووصايا وعهود او على شكل حوادث ووقائع غطت حقولاً عديدة في الفكر والاخلاق والمعارف والحقوق والآداب الى غير ذلك. وقد كانت رسائله عليه السلام الى ولاته وعماله وموظفيه تمثل في جانب منها الوجه الناصع لسياسة الاسلام في كيفية إدارة البلاد والعباد كونها جامعة للسياسة الاسلامية في كل أبعادها وفي مختلف شؤونها، فأنها مثلت من ناحية اخرى مدى حرص الامام عليه السلام على بناء نظام سياسي وإداري ناجح.

وفي هذا الإطار، إكتسب عهد الامام علي عليه السلام الذي كتبه الى عامله مالك الاشتر حين بعثه والياً على مصر (38 ه ـــ 658م)، اهمية فائقة لشخصية الصحابي الجليل مالك الاشتر كونه من أثبت أصحاب الامام ومن ثقات التابعين، واكثرهم خبرة ووعي، ولعل قول الامام بحقه: (لقد كان لي كما كنت لرسول الله)، تدل بانه من القادة القلائل الذين يتصفون بصفات نادرة تستحق الإشادة وتستحق الدراسة والتمحيص. وكذلك لما تضمنه العهد من تحشيد للرؤى والافكار وعلاجات الواقع فيه، إذ جاء ليؤسس خطاباً ليس معاصراً او معانقاً لحاضره فحسب، بل هو خطة منزوعة الخصوصيات، مطلقة الافكار صالحة للتطبيق في أي مرحلة مستقبلية يواجهها اصحاب القرار في خضم تجاذبات الواقع السياسية والاجتماعية والفكرية.

لقد عُد العهد من اهم الوثائق الرسمية التاريخية الغنية بمختلف ابعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والادارية كونه صادراً من اعلى سلطة في الدولة العربية الاسلامية في عهودها الاولى، ويمثل ذلك مرحلة مهمة من مراحل تطور الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والاداري لدى المسلمين لما شمله من تعليمات ووصايا وسياسات واساليب إدارية وطرق إختيار الحاكم وأساليب مراقبته وعلاقة الحاكم مع المجتمع بمختلف فئاته سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وكذلك لما شمله من اسس الحكم الرشيد العادل الذي تقاس به مستويات صلاح انظمة الحكم السياسية في كل مكان وزمان. كما انه شكل سبقاً زمنياً للحقوق التي جاءت مبادئها في الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948، وإتفاقية حقوق الاشخاص ذوي الاعاقة لعام 2008 بمسافة زمنية تصل الى (14 قرن)، وخير دليل على ذلك قوله عليه السلام في عهده لمالك الاشتر: (الله الله يا مالك في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى وذوي الامراض والعاهات التي تمنع عن العمل).

لقد تضمن هذا العهد الاركان الرئيسة التي حددها الامام علي عليه السلام، والتي يجب أن ينتهجها الحكام في كل عصر على أساس المنطلقات الإنسانية الإسلامية التي تهدف إلى تنظيم الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية تنظيماً دقيقاً وبناء العلاقات الداخلية في المجتمع الإسلامي على أساس العدل والحرية والمساواة ولعل اهمها:

أولاً: الحرية

لقد حظي مبدأ الحرية باهتمام كبير في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والسيرة السياسية الاسلامية الاصيلة، فالإسلام لا ينظر الى البشر كأدوات عديمة الارادة يرتبها الآخرون كيفما شاءوا، لأن الحرية تُعد من الامتيازات الخاصة للإنسان بل من اوضح مزاياه على الاطلاق.

وهنا يشير الامام علي عليه السلام الى ذلك بقوله: (لا تكن عبد غيـرك وقـد جعلـك الله حراً)، فسلب حرية الانسان يُعد في الاساس من اكبر المظالم التي تقلل من شأن قيمة وكرامة الانسان، الامر الذي جعل الامام عليه السلام يعمل على ترسيخ ذلك المبدأ في عدة مواضع، إذ تحدث مع الناس في حياته الشريفة بمنطق التفكير الحر لأن الاختيار الواعي والبعيد عن الضغوط والاجواء المفتعلة، والتقليد الاعمى اساس كل عمل، فالإنسان مسؤول عن تقرير مصيره ويجب عليه ان يشخص بعقله الذي وهبه الله إياه ويقرر ويختار. بمعنى ان يتم الاختيار على اساس التشخيص الصحيح وهذا ما اكده الامام عليه السلام وكان هذا اسلوبه السياسي في الحكم منذ اليوم الاول وحتى النهاية، على الرغم من ان هذا الاسلوب كان مرفوضاً من قبل طلاب الزعامة والتسلط لان هدفهم مخالف لذلك وهو التحكم والجلوس على كرسي الخلافة.

وفي هذا السياق، نجد الامام عليه السلام يؤكد في خطبه وعهوده سواء كمواطن ام كحاكم على مسالة الحرية السياسية، الذي يُعد حرية الرأي والتعبير جزءاً منها، ورفضه لكافة اشكال الاستبداد والظلم والتجبر، والدعوة الى إزالة اسباب الاحتقان والتعصب بين الجماعات المختلفة على قاعدة من العدل والمساواة وإشاعة الالفة والمودة بين افراد الامة، وعدم التعدي على الاخرين وحقوقهم وانفسهم قائلاً لمالك: (إياك والدماء وسفكها بغير حلها، فانه ليس أدنى لنقمة، ولا اعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمه وإنقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها). كما يذهب الامام عليه السلام ليوصي مالك الاشتر في عهده اليه حول طريقة التعامل مع الآخر المختلف بالقول: (واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم اكلهم، فانهم صنفان إما أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق)، ثم يوصي الامام عليه السلام مالك الاشتر بان يكون محباً للرعية محترماً لمشاعـر النــاس مــن أي فئـة كانوا، وان يعفو ويصفــح عــن الذيــن اســاءوا عليه او علــى خاصتــه بـقولــه: (فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تُحب ان يعطيك الله من عفوه وصفحه).

ولا شك فان تأكيد الامام عليه السلام على قبول الاخر ومعاملته على انه إما اخ في الدين او مماثل في الخلقة امر لا يقتصر على السلوك الخارجي بل يمتد لأن يكون سلوكاً نابعاً من الذات حتى يتحول الى سلوك فطري يستند على محبة الرعية بجميع تنوعاتها واختلافها، وضرورة مغادرة النظرة المسبقة التي تتميز بالحيف والتمييز، والدعوة بدلاً من ذلك الى التعامل الحسن مع الاخر وعدم التعالي عليه بأي شكل من الاشكال، فضلاً عن ان دعوة الامام الى صيانة حرية الانسان لابد ان تبدأ من اشاعة هذا المفهوم داخل الاسرة كإسلوب لتربية الابناء، وهذه اشارة مهمة ولاسيما في تلك الحقبة من التاريخ، قائلاً: (لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم فانهم مولودون لزمان غير زمانكم).

ومن هذا المنطلق ذهب الامام عليه السلام الى فتح باب حرية الرأي على مصراعيه وكذلك النقد والمحاسبة امام جماهير الامة، بل دعا الامام عليه السلام الى توفير الحماية للمجاهرين بالحق وجعل من تقبل الرأي الاخر دعوة لمراجعة الذات بالنسبة للحاكم وتصحيح الخطأ وتغيير مسيرة العمل نحو الحق والعدل، كما نادى عليه السلام الى تمجيد الداعين الى الحق بقولهم وفعلهم ومعاملتهم بأقصى سبل الاحترام كونهم المرآة الكاشفة عن مواطن الضعف في العملية السياسية، إذ يوصي مالك الاشتر قائلاً: (ثم ليكن أثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه واقعاً ذلك من هواك حيث وقع).

ولا شك فان دعوة الامام عليه السلام الى احترام حرية الرأي والكلمة لم تحجب عن نظرته تشخيص بعض السلبيات التي قد توظف تلك الحرية للتأثير سلباُ على الفرد والمجتمع، وهنا يضع الامام عليه السلام بعض القيود والمحددات على حرية الرأي والتعبير لتجاوز الابعاد السلبية لهما وذلك من خلال:

1. ضرورة صيانة حقوق الآخرين وعدم التعدي عليها، إذ ان حرية القول والفعل تقف عند خط لا يمكن ان يتعداه إلا من كان ظالماً، وهو الكيان المادي والمعنوي للإنسان قائلاً: (المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه إلا بالحق).

2. العلم: بمعنى الاحاطة والتعمق بالشيء او الشخص قبل إطلاق الاحكام والآراء، إذ يقول عليه السلام: (لا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كل ما تعلم).

3. الانصاف في اطلاق الآراء واتخاذ الموقف، فيقول الامام:(قلما ينصف اللسان في نشر قبيح او إحسان).

4. الاسلوب: إذ ان التعبير عن الرأي غير كافٍ ليؤدي الى بناء المجتمع وتطويره، بل يجب ان يتم طرح الرأي والتعبير عنه بإسلوب مناسب وهو شرط من شروط توظيف الحرية لصالح المجتمع.

ثانياً: العدالة

العدل بنظر الامام عليه السلام هو الاصل الذي يستطيع ان يصون توازن المجتمع ويرضيه ويهب له السلام والامن والطمأنينة والاستقرار، إذ ان العدالة بنظره هي وظيفة إلهية فلا يجوز ان يقف الحكم العارف بالإسلام وقفة المتفرج عند ترك الناس العدل ولجوئهم الى الجور والظلم والتمييز والاضطهاد، وهو بذلك عارض ما دأب عليه السياسيون من ان ايجاد الاعوان وسد الافواه بالمال من الوسائل الضرورة لحسن سير السياسة والتدبير، إذ كان الامام عليه السلام العدو اللدود لهذه الوسائل والادوات النفعية، الامر الذي جعله عرضه للتآمر من ارباب المصالح والطامعين منذ اليوم الاول لإستلامه الخلافة والذين إندفعوا الى التخريب وخلق الاضطرابات والفتن والقلاقل.

ويتضح البعد السياسي للعدالة عند الامام علي عليه السلام، في توجهه نحو السلطة الحاكمة ليبين حالة التأثير والتأثر بين الامة والحاكم على محك المساواة العادلة، إذ يقول عليه السلام: (جمال السياسة العدل)، وجعل الامام العدل من واجبات الحكومة إذ يقول لواليه مالك الاشتر: (الواجــب عليك ان تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة او سنة فاضلــة او أثـر عــن نبينــا او فـريضة في كتاب). فرفض الجور والظلم والتأكيد على المساواة والعدالة فضلاً عن بعدهما المعنوي والمجتمعي، فان لهما بعداً سياسياً مادياً عند الامام وذلك بتحقيق الاستقرار، اذ يقول: (ثبات الدولة بإقامة سنن العدل)، (وبالعدل تصلح الرعية).

فالإمام عليه السلام دعا مالك الاشتر الى اقامة العدل وتطبيقه على الصديق والعدو، كونه الغاية والهدف حتى تعم العدالة والمساواة بين الناس، كما أكد عليه السلام على ضرورة اختيار اناس لإدارة شؤون البلاد تتوفر فيهم الخصال الحميدة. وهنا نجد الامام يؤكد على حق التقاضي كضرورة وحق مهم من حقوق الانسان، وحمل الحاكم الشرعي مسؤولية صيانة ذلك الحق بكل تفرعاته ومتطلباته المادية والمعنوية تحقيقاً لمبدأ العدالة والمساواة بين افراد المجتمع، كون القضـــاء العـــادل عند الامام هو الاداة الانجع لمنع الظلـم وتحقيـق العـدل إذ يقــول عليـه السلام: (داووا الجور بالعدل)، كما اكد عليه السلام على ضرورة اختيار من تتوفر فيهم صفات العلم والعدالة والنزاهة والحيادية لتولي وظيفة القضاء إذ يقول الامام لواليه الاشتر: (إختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الامور ولا تحكمه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة... أصبرهم على تكشف الامور وأصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستمليه إغراء، واولئك قليل).

ثالثاً: المشاركة السياسية وحق المعارضة

يُعد الامام علي عليه السلام من السباقين في منح الامة حقها في المشاركة السياسية، إذ يقر الامام بان السلطة هي من حق الشعب، قائلاً: (ان هذا أمركم ليس لاحد فيه حق إلا من أمرتم)، وهذا يعني ان المنهج الفكري والاداء السياسي يجب ان ينبع من الامة وليس حكراً على فرد او طبقة خاصة، ومن حق الامة اختيار حاكمها وولاتها، وذهب الامام الى اثبات شرعية الحاكم من خلال الاعتماد على رضا الناس الذي انعكس آنذاك في نظام البيعة كإسلوب للتعبير عن الارادة الشعبية لاسيما مع ضمان الحرية لتلك البيعة.

وقد كان فكر الامام عليه السلام فكراً منفتحاً عندما منح المرأة دوراً سياسياً بتأكيده على مشاركتها في المعارضة السياسية وفي الجهد العسكري والاعلامي كما في حروب الامام، وحق التعبير عن الرأي من خلال نظام التصويت المتبع في وقتنا الحاضر، وضرورة توعية المرأة سياسياً. ولا شك فان إيمان الامام عليه السلام بحق المرأة في المشاركة السياسية اظهر للامة انموذج السيدة زينب بنت علي بن ابي طالب عليها السلام، التي تمكنت من الدفاع عن فلسفة ثورة الامام الحسين عليه السلام بعد استشهاده، ومن ثم القيام بهجوم فكري على قاتليه مما ادى الى انضاج روح الثورة في الامة الاسلامية سواء على الصعيدين النظري او العملي.

فضلاً عن ذلك، فقد ذهب الامام علي عليه السلام الى ترسيخ مبدأ شرعية المعارضة في بادرة ربما لم تصل اليها المجتمعات والمفكرين حتى وقتنا الحاضر، من خلال فهمه العميق لأهمية المعارضة ودورها المهم في العملية السياسية كأداة لتقييم وتقويم وتغيير السلطة الحاكمة. واذا كان الامام قد رفع راية المعارضة السياسية بشكلها السلمي، وعدها جزءاً حيوياً من حقوق المعارضة ولابد من الاعتراف بها، فانه عليه السلام وضع بعض الضوابط والمحددات على استخدام هذا الحق الشرعي والذي يستند الى مبدأ (الامر بالمعروف والنهي عن المنكر)، لعل اهمها:

1. المساس بالشريعة الاسلامية.

2. استبداد وظلم الحاكم.

3. الضعف السياسي والاداري.

4. سرقة اموال المسلمين واشاعة الفقر بين الناس.

رابعاً: السياسة الاخلاقية

يُعد مبدأ مراعاة الاصول الاخلاقية الاساس عند الامام علي عليه السلام سواء فيما يتعلق بشخص الحاكم او ما يتعلق بكرامة الشعب وشخصيته وسواء في وقت الحرب ام وقت السلم، فقد جاء في عهده لمالك الاشتر: (وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلعهم لمعايب الناس، فانه في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها فلا تكشفن عما غاب عنك منها)، الى ان يقول عليه السلام: (ولا تعجلن الى تصديق ساعٍ فان الساعي غاش وان تشبه بالناصحين).

وفي ضوء ما تقدم، نفهم من عهد الامام انه على الحاكم التقيد والالتزام بمجموعة من الضرورات التي لا بد منها لصلاح المجتمع واستقراره وهي:

1. الحيلولة دون اشاعة الفحشاء التي نهى القرآن عنها وذلك بستر العيوب قدر الامكان وبالحد الذي لا يسبب المفاسد.

2. على الحاكم مكافحة استراق السمع وجمع الاخبار وما يشجع على نحو هذه الرذيلة بين الناس.

3. على الحاكم ان لا يصدق ما يدعيه الآخرون بسرعة لان المفسدون كثيرون، وليست الاقوال كلها عن حسن نية ولو كانت بلهجة ناصحة، بل عليه ان يتعامل مع الآخرين (حتى لو كانوا اعدائه) على اساس قدر كافٍ من التحقيق وبعد ان يستجوب شهود العيان ليصون بذلك الحق ويدحض الباطل.

خامساً: الطبقات الاجتماعية وتشجيع العمران

ان تقسيم الامام علي عليه السلام المجتمع الى طبقات لا يعني ابداً انه يهدف بهذا الى ايجاد تمايز وفوارق طبقية في المجتمع لأنه من الواضح ان مبدأ التمايز في الاسلام وفي منهج الامام بين الناس هو التقوى وهو المثل الاعلى في الحياة الانسانية.

فالإسلام اعترف كما اعترف الامام عليه السلام بالطبقات الاجتماعية القائمة على اساس اقتصادي او مهني او كليهما معاً، وذلك لان وجودها ضرورة لا غنى عنها ولذلك قال عليه السلام لمالك الاشتر: (واعلم ان الرعية طبقات لا يصلح بعضها الا ببعض، ولا غنى لبعضها عن بعض). وهذا يعني ان التقسيم الطبقي الذي ذكره الامام يقوم بالدرجة الاولى على الوظيفة الاجتماعية التي تؤديها كل طبقة ولا يستتبع حكماً تقويمياً على الشخص المنتسب الى طبقة بما يجعله في القمة او ينحدر به الى أسفل السلم الاجتماعي.

فضلاً عن ذلك، دعا الامام عليه السلام الى ضرورة توفير العمل كجزء من حقوق الانسان الذي يفترض ان يجد عملاً يوافق مؤهلاته ويسد حاجاته المادية والنفسية، من خلال القيام بمشارع الاعمار والنهوض الاقتصادي سواء على مستوى الافراد او الدولة، جاعلاً العمران من واجبات الحكومة الاساسية ومن اهم مزايا الحاكم الصالح، إذ جاء في عهد الى مالك: (هذا ما أمر به عبد الله أمير المؤمنين، مالك بن الحارث الاشتر في عهده اليه حين ولاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، وإستصلاح اهلها، وعمارة بلادها).

فنظرة الامام عليه السلام الى مبدأ عمارة الارض انها لا تتم بجهد جماعة دون اخرى او بجهد شخص يستأثر بمغانمها بل بجهد الرعية من مسلمهم ومعاهدهم ومن ثم تعود منافع الارض وعمارتها للناس اجمعين، وهنا يذهب الامام الى توضيح خطة العمل الحكومي فــي عهـــده لمــالــك الاشتـر قائـلاً: (وليكن نظرك في عمارة الارض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لان ذلك لا يدرك الا بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة اخرب البلاد واهلك العباد ولم يستقم امره إلا قليلاً). فالإمام عليه السلام كان قد حذر من خطورة انتشار مظاهر الفقر والعوز في المجتمع على استقرار الامة وازدهارها الاقتصادي قائلاً: (ليس في الغربة عار، وانما العار في الوطن الافتقار).

ولا شك فان تأكيد الامام عليه السلام على اهمية الخراج كونه المصدر الاول للضرائب التي تقوم عليها الدولة، يشير الى قضية بالغة الاهمية وهي ان الناتج الاقتصادي لا يقوم على الجباية بقدر ما يقوم على توفير المستلزمات الاساسية لإستمرار الموارد المالية وهي اصلاح الارض ومساعدة عمالها في التغلب على العقبات الطبيعية مثل الجفاف والفيضانات، فحماية مصدر الموارد اهم من الحصول عليها.

ومما تقدم يتضح، ان عهد الامام علي عليه السلام الى واليه على مصر مالك الاشتر عُد دستوراً تنظيمياً ينظم علاقة الحاكم بمحكوميه ويوضح فيه حقوق وواجبات كل منهما، وهذا العهد بُني على فكرة رئيسة مفادها: ان الاسلام نظام لا ينفصل فيه الدين عن الدولة والدنيوي عن الاخروي، والعبادي عن المعاملاتي.

ولا شك فانه في الوقت الذي ذهب الكثير الى عد ذلك العهد بعيداً عن الواقع ولا يمكن الالتزام به وتطبيقه، فقد فهمه الغرب بشكل واضح وجعله منهجاً لهم، ولعل اوضح دليل على ذلك دعوة منظمة الامم المتحدة في تقريرها السنوي للتنمية والصادر عام 2001 البلدان النامية الى التعلم من عهد الامام علي عليه السلام الى مالك الاشتر عندما ولاه مصر كمنهج حقيقي وعملي يساعد على تحقيق التنمية وعلى مختلف الاصعدة السياسية والاقتصادية والتعليمية والادارية وغيرها.

ومما تقدم نخلص الى ان الامام علي عليه السلام كان له اكثر من موقف وكلمة في جميع المراحل والفترات التي عاشها، كما كانت له رسائل وعهود تصلح أن تكون إنموذجاً للتطبيق في المراحل والمواقف المماثلة، إذ ان كل لحظة وكل ازمة وكل منعطف وعلى مر العصور كان يتطلب نوعاً خاصاً من التعامل واتخاذ المواقف وهو ما جسده الامام عليه السلام في مسيرته وسياسته واقواله وأفعاله، الامر الذي يستدعي منا ان نستفيد في ظل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها امتنا الاسلامية من محن وإبتلاءات من آراء الامام السياسية في كافة مجالات حياتنا.

فما أحوجنا اليوم الى التمسك بتاريخ أهل البيت (عليهم السلام) حتى نتمكن من إمتلاك الرؤية الصحيحة، والحكم على واقعنا التاريخي من خلال منظور إسلامي صرف، إنطلاقاً من ان تاريخنا الماضي هو دعامة الحاضر وأمل المستقبل، فلا ينبغي إهماله او إلغاؤه، كما لا ينبغي إستنساخه بدون إبراز دروسه وعبره النافعة، فالأمة التي لا تملك او تفهم تاريخها هي كالشجرة التي لا جذور لها، تموت غداً إن لم تكن قد ماتت اليوم.

* الورقة المقدمة للحلقة النقاشية التي عقدها مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث تحت عنوان (الدولة المدنية في السياق الإسلامي) في 19/4/2017
** د. سليــم كاطــع علــي، رئيس قسم دراسات الازمات في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بجامعة بغداد


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (الحكم الرشيد)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك