الحج.. فرصة حضارية نحو العمل المؤسسي


شبكة النبأ: من أبرز ما يميّز الحج عن سائر الطقوس الاجتماعية والدينية في العالم، الاجتماع الهائل لجموع الناس في مكان و وقت واحد، ومن كل مكان في العالم، ويؤدون مراسيم عبادية جنباً الى جنب، وقد أسقطوا سلفاً كل أشكال التمييز الاجتماعي والسياسي، فالفقير الى جانب الثري، والاسود الى جانب الابيض، والرئيس والمرؤوس وهكذا.. وفي هذا المؤتمر العالمي للعبادة، يتعرف العربي على الصيني، والتركي على الجنوب افريقي والاندونيسي على الايراني، وكذا سائر المسلمين القاطنين في مخلتف بقاع العالم.

ويعرف من أدى مناسك الحج، أن الفترة التي تستغرقها المناسك ليسمى الانسان "حاجّاً"، هي خمسة أيام، مع احتساب مبيت الايام الثلاثة في مِنى.. بينما نلاحظ أن الفترة التي تستغرق رحلة الحجاج وتواجدهم في الديار المقدسة اسبوعين او ثلاثة على الاقل. وهذه الفترة لم تأت عن فراغ او تم ابتداعها في الحقبة الراهنة، إنما هي حالة اجتماعية من ثمار هذه المراسيم وكانت سائدة منذ عهد رسول الله، صلى الله عليه وآله.

ولمن يراجع الآيات الكريمة التي نزلت على قلب النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، تبلغه لأول مرة بأمر السماء أن يدعو الى الحج، يلاحظ البعد الاجتماعي والاخلاقي أوسع من الجانب العبادي؛ {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (سورة  الحج/ 27-28). فالمنافع والمكاسب التي يجنيها الحاج من رحلته العبادية لنفسه ومجتمعه، جاءت قبل ذكر الله وأداء المراسيم الخاصة.

فاذا كان هذا البعد ذو أهمية بالغة في المجتمع الاسلامي في العهد الاول، فان الاهمية تتضاعف وتزداد في الوقت الحاضر، حيث تفاقم الازمات وتتعقد المشاكل في اوساط الامة، بحيث حدى بالبعض لأن يعد الاوضاع التي آلت اليه الامة على اكثر من صعيد، بأنها الأسوء منذ قرون، حيث اختلال المعايير الاخلاقية والدينية، والتباس الحق بالباطل لدى الكثيرين، وضبابية الرؤية والبصيرة إزاء كثير من الامور والقضايا، مما جعل ابناء الامة في حيرة قاتلة وسط تجاذبات وتحديات خطيرة في هذا العالم المتموج بالتطورات والتغيرات السريعة.

لذا نجد بعض العلماء والباحثين يشيرون على ضرورة العودة الى أصل القضية والغاية السامية من وراء هذه الفريضة العبادية بهذا الشكل الجماهيري العارم، فان تحققت، انقشعت عن الامة غيوم الازمات، والدليل؛ الامن والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي الذي كان يسود البلاد الاسلامية طيلة قرون من الزمن، وسط عالم مضطرب يعيش التخلف والحرمان والتعاسة. والى هذه الحقيقة يشير سماحة الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي – قدس سره- في كتابه "ليحج خمسون مليون مسلم"، بان المسملون عاشوا طيلة ستة قرون في عزّ وكرامة، فكانوا يعملون وينتجون ويستهلكون، ثم يقدمون الفائض الى سائر شعوب العالم. وهذا لم يكن لولا التآخي والتواصي والتعايش بين ابناء الامة الواحدة وعلى رقعة جغرافية واحدة.

والحقيقة، انه لمن المؤسف اليوم أن يتعرف الانسان المسلم عن اخبار واوضاع أخيه المسلم، من خلال وسائل الاعلام والقنوات الفضائية او النت التي تعتمد بمصادرها على الاغلب من وكالات انباء هي بالاساس مسؤولة عن تردي اوضاع الامة وتكريس واقعها المأساوي، وهي إما تكون لدول عربية واسلامية او لدول اجنبية، لا فرق، إذ التوجه واحد في تكريس السياسة القديمة بفرض الامر الواقع وعدم الحديث عن أي تغيير او إصلاح، بل وإذكاء نار الفتن الطائفية والعرقية والقومية من خلال تغطية معظم الاحداث والتطورات الحاصلة ليس فقط على خارطة البلاد الاسلامية، إنما في كل مكان يسكنه مسلم..! الامر الذي يجعل الرؤية شديدة الضبابية بين المسلم في شرق آسيا، وبين أخيه في المغرب العربي، او الافريقي والخليجي والعراقي وهكذا.. ولمن يلاحظ طريقة التغطية الاعلامية لمعظم وسائل الاعلام، لاسميا القنوات الفضائية، نجد أنها تسلط الضوء فجأة على قضية مسلمي ميانمار – مثلاً- او باكستان او الاضطرابات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين في نجيريا، ثم تطبق هذه القنوات فجأة ويختفي أي حديث عن تلكم القضايا، كما لو أنها حُلت وانتهى كل شيء، ولم تحترق البيوت على رؤوس اهلها، ولم يذبح ويحرق الابرياء ولم يتشرد المزيد من المسلمين...!

لنعود الى الديار المقدسة.. فهناك الاخوة الايمانية التي يوصي بها الاسلام أن تبقى وتسود، ثم تتحول الى درس مفيد من وسط مناسك الحج، ويصطحبها الحاج كهدية الى أهله وبلده وابناء شعبه.

فهذا أبّان بن تغلب، أحد ابرز المقربين من الامام الصادق، عليه السلام، ومن خيرة المحدثين الثقاة، يقول: حأح"كنت مع أبي عبد الله، عليه السلام، في الطواف، فجاء رجل من إخواني، فسألني أن أمشي معه في حاجة، ففطن بي أبو عبد الله، عليه السلام، فقال: يا أبان من هذا الرجل؟ قلت: رجل من مواليك سألني أن أذهب معه في حاجته، قال: يا أبان اقطع طوافك، وانطلق معه في حاجته فاقضها له، فقلت: إني لم أتم طوافي، قال: أحصِ ما طفت، انطلق معه في حاجته، فقلت: وإن كان طواف فريضة، فقال: نعم وإن كان طواف فريضة.. إلى أن قال: لقضاء حاجة مؤمن خير من طواف وطواف حتىّ عدّ عشرة أسابيع، فقلت: جعلت فداك فريضة أم نافلة؟ فقال: يا أبان إنمّا يسأل الله العباد عن الفرائض لا عن النوافل".

نعم؛ ربما نجد قوافل الحجاج في الوقت الحاضر موزعة في المدينة المنورة ومكة المكرمة، على مناطق شتى يسكنون فنادق خاصة باقامة كل بلد، حتى في سائر المناسك، فان التصنيف والتقسيم واضح للعيان، حيث خيام خاصة لهذا الشعب وذاك، بيد أن هذا لا يمنع بأي حال من الاحوال من التواصل والتزاور وتبادل المعلومات والاخبار عما يجري في البلاد الاسلامية، فهذا الشعب يرى الحق والحقيقة من زاوية معينة، بينما شعب آخر يراها لنفسه من زاوية اخرى، وكلٌ يعيش في عالمه الخاص، وهذه تحديداً هي التي تشكل الفيروس المدمر للعلاقات بين المسلمين، وربما تكون احد ابرز عوامل التدهور والانهيارات التي نشهدها في الامة.

وانطلاقاً من الآيات الكريمة في سياق الدعوة الى الحج – في سورة الحج- فان القرآن الكريم يحذر من خطورة "الصد عن سبيل الله" بانها تؤدي الى عواقب وخيمة؛ {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}. وهذا ما دفع بالعلماء والمصلحين أن يبذلوا جهدهم لأن يواجهوا "الصد عن سبيل الله" بنشر ثقافة البناء المؤسسي للمشاريع الخيرية والانتاجية والثقافية وكل ما من شأنه انتشال ابناء الامة من التخلف والحرمان على الاصعدة كافة. فالقضية اليوم، لا تقتصر على المواساة والتضامن اللفظي على الشهداء في هذا البلد او النازحين في ذاك، إنما العمل الجاد على استقطاب هذا التضامن والتفاعل وتحويله الى عمل مؤسسي مشيّد، كأن يكون دار نشر او مكتبة او جامعة او مراكز تلعيمية وتأهيلية ترفد المراكز الثقافية والمهنية بالطاقات والعقول المبدعة، إن  لم تسنح الفرصة والاجواء والظروف في هذا البلد، فربما ينجح الامر في بلد آخر تتوفر فيه حريات وظروف مؤاتية اكثر، لان النتيجة ستكون واحدة والفائدة تعمّ الجميع.

وعندما يجد المسلمون مؤسسة ثقافية تعني بشؤونهم وتتابع اخبارهم وتدافع عنهم، او جهة اعلامية تتعامل مع الكلمة والمعلومة بأمانة وصدق ومسؤولية، وتكون مصدراً يعتمد عليه مقابل المصادر الاعلامية المشبوهة والمريبة في العالم. سيشعرون بالأمل بالخروج من النفق المظلم الذي يسيرون فيه ويكونوا قادرين على مواجهة التحديات الماحقة امامهم.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (عامة)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك