في اليوم العالمي لحريّة الصحافة... قتل الأصوات الحرة إلى متى؟

4117 2016-05-04

تمّ إحياء اليوم العالمي للصحافة من خلال كلمات وتقارير تكرس الواقع الراهن، وتتجاهل عموماً في مضمونها أسباب الأخطار الحقيقية التي يتعرّض لها الصحفيون وتصاعد الهجمات والاعتقال والسجن والاعتداء والاغتيال ضدهم، بحيث أصبحوا هدفاً دائماً في المعارك والحروب والصراعات السياسية، وإن لم يكن معلناً.

ورغم كل التّعتيم على هذا الواقع المرير، ورغم اللغة العائمة التي تستخدم للتغطية على القتل والاضطهاد، يتم تسمية بلداناً دون أخرى عند الإشارة لاضطهاد الصحفيين، وإغفال البلدان الكبرى بخاصة القوى المهيمنة عسكرياً. ولكن المرء يمكن أن يستنتج أن الحرب على سوريا وبالتوازي الوضع في فلسطين واليمن وتونس ومصر وليبيا... قد رفعا مؤشر الاستهداف المتعمّد للصحفيين بشكل غير مسبوق.

في تقريرها السنوي أكدت مسئولة مكتب شمال إفريقيا في ''مراسلون بلا حدود'' ياسمين كاشا خلال مؤتمراً صحفياً عقد بالعاصمة التونسية للإعلان عن التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2016 أن العالم يشهد تراجعاً ملحوظاً في مستويات حرية الصحافة وأن بعض بلدان شمال أفريقيا شهدت تراجعاً ملحوظاً في تصنيف حرية الصحافة لهذا العام. وكشفت كاشا عن نسخة 2016 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة و التحليل الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا و هذا التصنيف للمراتب التي يحتلها كل بلد على صعيد حرية عمل الصحفيين، حيث يشمل 180 دولة من جميع أنحاء العالم. وبالنظر إلى المؤشرات الإقليمية فإن التقرير صنف منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط كواحدة من أصعب وأخطر مناطق العالم على الصحفيين.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الانسان أن ما نسبته 90 في المائة من مرتكبي الإنتهاكات والجرائم بحق الصحفيين لم يطلهم العقاب بسبب انتهاكاتهم، أما فيما يخص واقع الحريات في مناطق النزاع فحدّث ولا حرج وتحديداً فيما يخص الحريات وتوفير السلامة للصحفيين وضمان وصولهم الحر والآمن للمعلومات، وبطبيعة الحال بات لذلك انعكاسات على مستوى الحريات بالعالم كافة وليس فقط بهذه الدول، فباتت مؤشرات الحريات الصحفية إمّا أن تتراجع أو تبقى تراوح مكانها منذ أعوام، أو تحدث تقدما لا يكاد يذكر.

فمنطقياً عندما توجد القوانين تُلغى الأعذار إلا فيما ندر، وهذا أيضاً عكس ما نراه حاصلاً، فلا القوانين ولا الأخلاق ولا حتى الأعراف والتقاليد قادرة على كبح جماح المطامع الشخصيّة والعالميّة على حد سواء. ومن طلب الأمثلة وجدها على مدّ يده. منها ما تناولته الأخبار منذ فترة ليست ببعيدة، وهي فضيحة التنصت على الهواتف في بريطانيا، فكانت سبباً مباشراً في سقوط صحيفة ''نيوز اوف ذي وورلد'' وألقت بالتهم والشك على صحيفتي''صن دي'' و''صن دي تايمز''، وجميعها مملوكة للقطب الإعلامي روبرت مردوخ.

وقبل الحرب على العراق عام 2003 جاءت الأوامر إلى الإعلامين الأمريكي والبريطاني أن يسخرا كل جهودهما لحرب قادمة لا محالة، وأن يصبح الإعلاميون من صحفيين ومراسلين ومعلقين عمياً وبكماً وصماً إلا عما يمليه عليهم أربابهم، فيروجون لهذه الحرب بكل الوسائل المتاحة، ويقدمون الدعم الأخلاقي والغطاء الثقافي للحملة على "الإرهاب"

وفي أحداث 11 أيلول 2001 اتضح أن الرواية الرسمية التي سوَّق لها الإعلام الأمريكي ما هي إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، فقد بيّن عدد من الكتاب والباحثين المتخصصين كثرة الأدلة والبراهين حول زيف وافتراء الرواية التي طلبت إدارة بوش من الإعلام الأمريكي أن ينشرها، ولم تحظ هذه الأدلة الدامغة من الاهتمام العام إلا بمعشار ما حظيت به الرواية الرسمية التي أرادت إدارة بوش إقناع العالم بمضمونها من خلال عيون الإعلام.

ومن جانب آخر أحياناً ينتقي الإعلام من الأحداث ما يود تغطيته ويعرض عما لا يود، مع أن الأحداث متشابهة، والقضايا واحدة، فصحيفة ''الغارديان'' البريطانية مثلاً قامت بتغطية مكثفة لأحداث وجرائم ارتكبها ''الأعداء"، مثل ألمانيا النازية، وكمبوديا تحت حكم الخمير الحمر وهو حزب شيوعي دموي سيطر على كمبوديا منذ 1975 وأذاق أهلها مر العذاب، والعراق في عهد صدام، وصربيا في حكم ميلوسوفيتش، أما المجازر والجرائم التي ارتكبت في أماكن أخرى وكان الغرب يحمل مسؤوليتها كلياً أو جزئياً فلم تحظَ إلا بقليل من التغطية والتقارير، مثل أحداث تشيلي تحت حكم بينوشيه، وغواتيمالا في عهد كاستيلو أرماس، وكذلك أندونيسيا أثناء حكم سوهارتو وغيرها كثير.

فمن سخرية القدر أن دولاً معروفة بحريتها الإعلامية بجانبها الإباحي والفضائحي لا بجابنها الفكري تمارس على دول أخرى أقسى أشكال الكبت والقمع الإعلامي، بما في ذلك العمل على حجب قنوات فضائية والمساهمة في عدم إيصال الصوت الآخر بكافة الوسائل، الأمر الذي يرسم علامات استفهام عديدة حول جدوى إقرار يوم عالمي لحرية الصحافة، في الوقت الذي لم يعد الكبت الإعلامي يُمارس ضمن الدولة الواحدة، بل أصبح سياسة عالمية ممنهجة تُمارَس تحت نفس شعار حرية الصحافة، والترجمة العملية لهذا الشعار هي حرية العمل على إقصاء كل صوت إعلامي لا يروق لنا سواء أكان أصوات أفراد أم أصوات دول.

فالإعلام الأوروبي وسلبيته في التعامل مع الوقائع والأحداث في العالم العربي وخصوصاً المجازر والانتهاكات غير الإنسانية المستخدمة ضدّ الشعب الفلسطيني والشعب العراقي... وازدواجية المعايير في نقل الخبر، وهذا طبعاً يأتي من كون إسرائيل تحظى بمكانة خاصّة جداً لدى الأنظمة الممسكة بزمام الإعلام الأوروبي، وحتى في عقر دارهم هم محاصرون، فيكفي مثلاً أن يأتي أحد (كائناً من كان) على ذكر اليهود بالسوء حتى يُتهم بمعاداة السامية ويُحاسب ويُحاكم ويُجرد من حقوقه المدنية، مع غض الطرف هنا أيضاً عن الفضيحة الأخيرة التي طالت قواعد الإعلام البريطاني وهزّت أركانه (مردوخ/سكاي نيوز).

ومن خلال المتابعة لأسماء وأعمال من طالتهم التفجيرات والهجمات الأمريكية والإسرائيلية والخليجية في العراق وفلسطين وسوريا واليمن ولبنان وليبيا...، نلاحظ أن جميع هؤلاء المراسلين والمصورين الذين تم استهدافهم كانوا يبحثون عن الحقيقة، وكانوا جريئين في جهودهم ومحاولاتهم للتوصل إلى الحقيقة وإيصالها إلى المشاهد أو القارئ في جميع أرجاء الأرض، وبهذا فإن الكارثة ليست في العدد فقط، وإنما في النوع، بحيث تم من خلال هذه الجرائم، التي لبست لبوس تفجيرات إرهابية حيناً، وأذى غير مقصود حيناً آخر، إخماد أصوات حرة كانت فاعلة ومؤثرة في تسليط الضوء على حقائق الأمور في وجه التعتيم الإعلامي الذي تفرضه المؤسسات الإعلامية والتي تخفي عن المشاهد والقارئ بتنسيق مع الحكومات والمخابرات الحقيقة والواقع.

ولا شك أن التهديد الخطير لحياة الصحفيين في موقع الأحداث، قد شكّل ضربة قويّة للصحافة الاستقصائية في العالم، والتي تعاني اليوم من أزمة غير مسبوقة، إذ أنّ الإعلاميين الأجانب يتذكرون كيف كانوا يقودون سياراتهم من القدس إلى مختلف قرى ومدن الضفة الغربية يتحدثون للفلسطينيين وينقلون معاناتهم للعالم. اليوم فإن مراسلي وكالات الأنباء والمصورين يُحظر عليهم الوصول إلى مكان الحدث، وحتى المؤيدين الدوليين لحق الشعب الفلسطيني والذين يأتون للتظاهر ضد جدار الفصل العنصري وغيره من الجرائم، يتعرضون على أيدي الجيش الإسرائيلي ومخابراته للضرب والمهانة والاعتقال والقتل، كما كان مصير الشابة الأمريكية راشيل كوري التي سحقتها جرافة إسرائيلية عمداً.

ورغم كل هذا فإن الأمم المتحدة ومنظماتها تتهرّب في تقاريرها عن استهداف الصحفيين من الإشارة إلى هذا القتل المتعمد للصحفيين من قبل القوى الأمنية الأمريكية والإسرائيلية والسعودية والتركية...، بل يتحدث عن صحافيين فضحوا مخالفات قانونية وفساد، وهذا هام أيضاً، ولكن بشرط عدم إغفال الظاهرة الأعم والأشمل والأخطر وهي استهداف مخابرات تابعة لحكومات مثل الولايات المتحدة وإسرائيل للصحفيين في العراق وفلسطين وباكستان وأفغانستان وذلك لردع الآخرين من الذهاب إلى هناك، وللتخلص من خطر ما قد تكشفه الصحافة والكاميرات للناس في أصقاع الأرض من تجاوزات وجرائم ترتكب بحق المدنيين الأبرياء.

والسؤال هو: من المتضرر من كشف هذه الحقائق؟ ولماذا؟

اليوم، وبعد ست سنوات من حروب الربيع العربي بات واضحاً أن الحرب الإعلامية التي تعرضت لها شعوبه كانت أعتى من أن تتصدى لها وسائل إعلام رسمية تعيش حالة من حالات الاغتراب مع عقل المتلقي، والثابتَ اليوم هو أن وسائل الإعلام المضلِلة أصبحتْ أكثر براعة في إيصال رسائل الحكومات التي تشغلها، كلمة السر في العلاقة بين الطرفين هي التالية: ''قل لي الحقيقة لأكذب معك على الرأي العام''، توظيف كلمة السر هذه جرى بتقديرنا عبر آليتين: الأولى عبر حشد طاقات فكرية متخصصة بالإعلام والدعاية وعلم النفس والقانون، أما الثانية فكانت عبر شراء المثقفين والسياسيين والنُخب وتحديدا التي كانت مُقربة من الأنظمة المُراد الإطاحة بها بهدف الترويج لفكرة انعدام شرعيتها، هذا الأمر ما هو إلا التطبيق العملي لفكرة فرنسيس فوكوياما الذي قال حرفياً في كتابه نهاية التاريخ ''إن الافتقار إلى الشرعية عند الشعوب ككل لا يعني أزمة في شرعية النظام ما لم تنتقل عدوى السخط وعدم الاعتراف بالشرعية إلى الصفوة المرتبطة بالنظام... بخاصة الصفوة التي تحتكر أدوات القمع كالحزب الحاكم والقوات المسلحة والشرطة... فحين نتحدث عن أزمة في الشرعية داخل نظام استبدادي فإنما نعني بها أزمة في صفوف الصفوة التي يعتبر انسجامها وتضامنها شرطاً أساسيا لفعالية حكم النظام''.

في عصر استعمار جديد يصل إلى أهدافه عن طريق الاختراق، والادعاء بمحاولة نشر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، بينما هو ساع لامتلاك الثروات الطبيعية وقمع وتهجير السكان الأصليين، أصبحت السيطرة على الآلة الإعلامية، وبخاصة على ما تبقى من الضمائر الحيّة التي ترفض أن يكون لها ثمن، أحد أدوات بسط هيمنة هذا الاستعمار والتغطية والتعتيم على جرائمه وجشعه.

فلو كانت هناك حصانة حقيقية للمصورين والإعلاميين والمراسلين، لما استغرق العالم سنوات ليكتشف أن احتلال العراق قد بُني على كذبة كبرى، وأن الهدف الأساسي من هذا الاحتلال، هو الطمع بنفط العراق وثرواته وحضارته وتاريخه، وإلغاء دوره الهام والمتميّز في محيطه العربي، ولأكتشف العالم سريعاً حجم الوحشية والقتل والدمار الذي استخدم لتحقيق هذا الهدف، وحجم المعاناة الكارثية التي تعرّض لها شعب بريء لم يطلع العالم حتى على تفاصيل معاناته وآلامه. ولو كانت هناك حرية حقيقية لحركة الإعلام والإعلاميين في فلسطين المحتلة، لما تمكن المستوطنون من أن يعيثوا فساداً وقتلاً وإرهاباً ضد السكان الأصليين كلّ يوم، دون أن تصل أخبار جرائمهم إلى مسامع ومرأى العالم.

يعتمد المحتلون اليوم أساليب تخفي آثار جرائمهم والمعاناة التي يسببونها لضحاياهم، وأول شرط لتمكنهم من إخفاء ذلك، هو قتل الأصوات الحرّة التي رفضت أن تكون جزءاً من ''الصحافة المرافقة للقوات''، والتزمت بما يمليه عليها ضميرها لكشف الحقائق، فواجهت مصير المناضلين الشرفاء الباحثين عن الحقيقة والعاملين على كشفها، حتى على حساب دمائهم وحياتهم ووجودهم.

وبالوصول إلى الإعلام العربي المتهالك أصلاً منذ عقود، الذي يُشبه بشكل غريب كل فرد منا، تأكله رغبة جامحة بفرض آرائه على الجميع، غير المجتمعين بدورهم، فقد وصل الحال في الوطن العربي خصوصا إلى بروز ظواهر متعددة أوصلت إلى ما نشرته التقارير الإعلامية. حيث يتعرض العاملون في وسائل الإعلام لأنواع من ضغوط وممارسات لا تمس فقط حرية التعبير وقمع الرأي، بل الاعتقال ومداهمة الصحف بدون أوامر قضائية وصولا إلى الاختطاف والقتل. تلك الممارسات حولت مهنة البحث عن المتاعب إلى البحث عن الموت، كما اعتبرها كثير من أبنائها بعد كل تلك التقارير.

ولعلها فرصة كبرى أن ينظر الصحفيون العرب اليوم وهم يحتفلون باليوم العالمي للصحافة، إلى واقع حالهم الذي تردى، وكيف يمكن الخروج من هذه الحالة التي أغرت القاصي والداني في نهش هذا الوطن الكبير، والذي يراد له أن يعود إلى بدايات القرن الماضي، وأن تعود دائرة الوصاية عليه.

عليهم أن يتبصروا ويتفكروا ويتدبروا أمر الخروج من هذه المحنة الصحفية بعد تغاضيهم وبمساندة دولهم عن انهيار المبادئ الصحفية التي انهارت معها المجتمعات العربية التي تنشغل اليوم بالتقاتل والتناحر وتقسيم مساحات الدولة الواحدة بينهم. عليهم أن يوجدوا وسيلة فاعلة لمكافحة خطاب الكراهية الذي تفشى كالنار في الهشيم في وسائل الإعلام العربية وقوض استقرار تلك المجتمعات، وأن تدفع الدول نحو مراقبة أكبر لوسائل الإعلام التي تبث من أراضيها، وأن تدفع نحو الحريات المسؤولة ودعم النقابات والجمعيات العربية في تعزيز مفهوم المهنية والحيادية وقيادة الرأي العام في ربط نسيج المجتمعات معاً.

فمسؤولية المهنة تتطلب العمل على إصدار قوانين وقرارات تحمي حرية الإعلام وحياة الصحفيين وتيسر لهم مصادر المعلومات، وإلغاء كل أشكال محاكمات وسائل الإعلام المختلفة، وعقوبة السجن فيما يتعلق بالمخالفات الإعلامية، وكذلك العقوبات الباهظة ضد الصحفيين، ومحاكمة كل حالات الاعتداء على الصحفيين أو الإضرار بهم وكشف القائمين بها، وصيانة حقوق الإنسان بعامة.

في اليوم العالمي للصحافة أقلّ ما يمكن للمنظمات الدولية فعله، وهي التي تدّعي الحرص على حقوق الإنسان وحرية الكلمة، هو أن تشير على الأقل إلى خطورة الجرائم التي تقف ورائها الدول المتنفذة، وأن تسمّي من يقف وراءها كائناً من كان، ومن انتهجها من الدول ''الديمقراطية''، بدلاً من السير في مسار إخفاء الحقائق.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (حريات)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك