في ذِكْرى مَولِدُ (الصّادِقُ الأَمينُ)


لَوْ انَّ عربَ الجاهليّةِ اختلفوا على رَسُولِ الله (ص) في كلّ شيء، فانّهم اتّفقوا بأجمعهم على انّه (الصّادِقُ الأَمينُ) بلا منازع، ولذلك كان محلّ ثقتهم عند النّزاع وملجأهم الّذي يأوون اليه عند الاختلاف.

وعندما ينعَتُه قومُه بهتين الصّفتين، فهذا يعني انّه كان متميّزاً ومتفرّداً بهما، والا لما ميّزوه عن أنفسهم بهما، ما يعني انّه كان استثنائياً في الصّدق والامانة، تميّز بهما في مجتمع ميَزتُه وشطارتُه في الكذب والخيانة.

هذا يعني انّ رسول الله (ص) لم يتحجّج بالمجتمع الفاسد ليهرب منه، كما انّه لم يتحجّج بفساد اخلاقه ليترك هتين الصّفتين فيقول مثلاً (حشرٌ مع النّاس عيدٌ) او قولهم (هسّه بُقتْ عليَّ) او قولهم (لو عمّت هانت) وغير ذلك من الجمل والعبارات التي يتحجج بها الناس ويلجأون الى تكرارها لتبرير تسافُلهم وتسافّهم ليكونوا جزءاً من المجتمع بدلاً من ان يسعوا للتمّيز عنه ولو بخصلة.

انّ صادقاً أميناً واحداً كان يكفي لإصلاح مجتمع بل أمة بل امّم وشعوب الارض كلها، وعندما تنحدر الامة اليوم الى مهاوي الانحطاط فهذا يعني أحدُ أمرين:

فامّا انه ليس في المجتمع حتى صادق امين واحد، ليأخذ بيده نحو الإصلاح والتغيير نحو الأفضل، وهذه فرضية غير صحيحة، إِذْ (لو خُليت لقُلبت) كما في القول المأثور.

واما ان المجتمع في شغلٍ شاغلٍ عن الصّادق الامين ولذلك لم ينتبه له واذا انتبه له فلن يأخذ بكلامه ورأيه، وهي الفرضية الأقرب للواقع والحقيقة.

مشكلتُنا أنّنا تحوّلنا الى مجتمع يكذب بذريعة المصلحة العامة ويزوّر التاريخ بذريعة (الوحدة الاسلامية) ونبرّر للقاتل والمجرم بذريعة الطائفيّة والعنصريّة، ونخون بذريعة الالتزام بالدين او بالمذهب او بأيّ شيء آخر، ونسرق ونُفسد بذريعة اللُّحمة او الشّراكة الوطنيّة!.

الكذب عندنا مبرَّر، والخيانة عندنا مبرّرة، وبحمد الله تعالى فالدين والتاريخ عندنا أوراق وقصاصات موزّعة على جيوبنا كلِّها، كلما سُئلنا عن كذبةٍ او خيانةٍ استللنا ورقة لنقرأ منها آية او رواية او قصة او موقف لنبرر ما فعلناه.

الزوج يكذب على زوجته، والأبن يكذب على أبيه، والسياسي يكذب الناس، والمعلّم يكذب على الطالب، والعالِم يكذب على الجاهل، والكل يخون الكل، حتى بات الكذبُ وباتت الخيانة هي الأصل في علاقاتنا الاجتماعية والسياسية وعلى كل المستويات، اما الاستثناء ف (صادقٌ أمينٌ) والويلُ لمجتمعٍ هذا حالُه، لانّه سيخسر الدنيا والاخرة عندما تضيع فيه الثقة بسبب انعدام الصدق والامانة، ولذلك قال رسول الله (ص) للصحابي الذي ساله؛ يارسول الله المؤمن يزني؟ قال: يزني، قال: المؤمن يسرق؟ قال: يسرق، قال؛ المؤمن يكذب؟ قال؛ لا يكذب} اما الامام علي بن الحسين السجاد زين العابدين عليهم السلام فيقول {فوالّذي بعث محمداً بالحق نبياً، لو أن قاتل أبي الحسين بن علي بن أبي طالب ائتمنني على السيف الذي قُتل به، لأديته إليه}.

فلماذا تحوّل الكذبُ عندنا الى عادة والخيانة الى بطولة؟.

لقد جاء في الحديث الشريف (اذا فسدَ العالِمُ فسدَ العالَم) فاذا كان من المتصدّي ومن يدّعي العلم والفقه كذاباً ومنافقاً وخائناً، كما هو حال فقهاء التكفير وعلماء البلاط الذين يملأون شاشات الفضائيات ليل نهار يسردون للمتلقّي كلّ ما هو كذب وتزوير على الله تعالى وعلى رسوله الكريم (ص) وعلى اكثر من نصف المسلمين في العالم، واقصد بهم شيعة امير المؤمنين عليه السلام، فكيف تريد المجتمع ان يكون صادقاً؟ من اين يتعلّم الصّدق؟ ومن اين يتعلم الأمانة اذا كان (المعمّم) كذّاباً ومنافقاً وخائناً لرسالته؟ يكذب اذا حدّث وينافق اذا حاور ويخون اذ ائتمن؟.

طبعاً هذا لا يشفع للمجتمع لتبرير حالات الكذب والدجل والنفاق والخيانة التي بدأت تنتشر في كل زاوية وللأسف الشديد، ولذلك ينبغي على المجتمع ان يقاطع فقهاء التكفير فلا يصغي اليهم ولا يحضر مجالسهم ولا يتابع برامجهم، فان عالماً بمستوى فَقِيه موزة يُفسد الامة بأكاذيبه، نفوسها وأخلاقها وقيمها وعقائدها، كيف يجيز المجتمع لنفسه ان يتابع برامجه ويصغي الى خطبه المملوءة كذباً ونفاقاً ودجلاً وتضليلاً وخيانة؟ كيف تجيز الامة لنفسها ان تتابعه خاصة بعد ان اكتشفت كذبَه وارتباطاته وتعرّى امام الرأي العام؟ ألم تُثِرْ خطبه الفتن الطائفية في الامة؟ او لم تسبب مفاسد عظيمة لها؟ او لم تُهدر الدماء وتُستباح الأعراض وتُدمر المدن بسبب فتاواه الطائفية وأحاديثه المضللّة؟.

أخيراً، فلنحذر من ان تتسرب مثل هذه الأخلاق الفاسدة الى بعض معمّمينا الذين بدأوا يتقمّصون شخصية (فَقِيه موزة) من حيث لا يشعرون، اذا بهم يكذبون على لسان هذا المرجع ويخونون أمانة الاخر وينافقون لزرع الفتنة في المجتمع.

اتمنى عليهم ان يعودوا الى رشدِهم ويتخلّقوا باخلاق رسول الله (ص) والامام جعفر بن محمد الصادق (ع) الذي تصادف اليوم ذكرى ولادته العطرة والتي تتزامن مع ذكرى ولادة جدّه رسول الله (ص) فحبل الكذب قصير، و{النجاة في الصدق} فقط وفقط.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (اخلاق)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك