الوقود الحيوي: بديل النفط القادم


تمثل القضايا البيئية في الوقت الحالي، من القضايا المهمة على الصعيد العالمي، اذ أصبحت مشاكل البيئة كالتلوث والاحتباس الحراري والغلاف الجوي ونضوب الموارد والمخلفات الصناعية وغيرها، من المشاكل التي تؤخذ على محمل من الجدية، بل وأصبحت من ضمن شروط تحقيق التنمية المستدامة او مايعرف بالأقتصاد الأخضر حالياً، وتحاول منظمات عدة مساعدة الدول في كيفية الاستفادة من برامج معينة لتقليل التلوث وتقليل الاعتماد على المصادر الاستخراجية وكذلك استخدام التكنولوجيا الخضراء التي تطرح مخلفات أقل من أجل ديمومة البيئة وتقليل الخطر البيئي الناجم عن النمو والتطور الصناعي والاستخراجي في آن واحد، وبالفعل نجد الكثير من الدول قد إنسجمت مع هذا الواقع الجيد الذي يهدف الى إيجاد بيئة نظيفة وخضراء من أجل الحفاظ مستقبل البيئة والأجيال القادمة.

تحويل المخلفات الحيوانية الى طاقة حيوية

تتسم مخلفات الحيوانات ودماؤها ببطء تحللها، لكن مسالخ في كوستاريكا البلد الساعي الى الاعتماد بالكامل على مصادر الطاقة المتجددة، تحاول الحد من هذه المشكلة عبر تحويلها الروث الحيواني الى غاز حيوي، فبعدما كان مسلخا ايل اريو وديل فالي الواقعان على بعد حوالى عشرة كيلومترات من العاصمة سان خوسيه يعملان كمنشأتين متنافستين، وحدا جهودهما في استثمار تفوق قيمته ثلاثة ملايين دولار لانتاج جهاز يحول مخلفات المواشي الى غاز حيوي.

وقد اعلنت كوستاريكا أنها اعتمدت بنسبة 98,55 % على مصادر الطاقة المتجددة في النصف الأول من العام الماضي، مؤكدة أنها ترمي الى الاعتماد بالكامل على هذه المصادر في انتاج الكهرباء بحلول سنة 2021.

كما أن برنامج انتاج الغاز الحيوي المقام بدعم من المعهد الكوستاريكي للكهرباء، يتيح للشركات العاملة في الصناعات الغذائية مثل مزارع الاناناس استخدام الفواكه التالفة في انتاج الكهرباء.

وفي المحصلة، تنتج هذه الاجهزة في كوستاريكا 2,2 ميغاوات من الطاقة ومن المتوقع ان ترتفع هذه الحصة الى ما يقرب من 4 ميغاوات عندما ستبدأ محطة لانتاج الغاز الحيوي بالاستعانة بالمياه المبتذلة في العمل.

وتوضح كارولينا هرنانديز المكلفة شؤون مصادر الطاقة هذه في المعهد الكوستاريكي للكهرباء أن هذه الاجهزة لانتاج الغاز الحيوي تؤدي دور مصدر للغاز الطبيعي في حال استخدامها مع مراعاة شروط السلامة الضرورية، "الا انها لا تخزن تحت الضغط ولا وجود لقوارير من الغاز".

وبين المواشي وانشطة توضيب اللحوم والمسلخ، يتم تخزين الروث والدماء والنفايات المتاتية من جيف الحيوانات بشكل منفصل قبل وضعها في جهاز التحويل الى غاز حيوي، ويشير المسؤول عن منشأة ايل اريو ماركو سانشيز الى ان هذا الجهاز مبرمج لتحديد نوع المخلفات اللازمة للبكتيريا في جهاز التحويل الى غاز حيوي وكمياتها.

ويحوي هذا الجهاز كائنات حية دقيقة تعمل على النفايات العضوية وتحولها الى غاز الميثان الذي يستخدم في سخان ايل اريو، كما أن الغاز الحيوي الذي سيحل بالكامل مكان المحروقات اعتبارا من شهر نيسان/ابريل في هذا الموقع سيوفر ما بين 70 % و80 % من الحاجات للطاقة في حين يأتي الباقي من الغاز الطبيعي.

تحويل رواسب التوفو السائلة الى كهرباء مراعية للبيئة

يقوم سكان مدينة كاليساري المتخصصة بصناعة جبن التوفو المصنوع من الصويا على جزيرة جاوا الاندونيسية وبفضل هذا النشاط باتت بلدتهم تنتج الكهرباء "المراعية للبيئة".

وتتوارث الاجيال تلو الاخرى هذا التقليد في هذا البلد الاستوائي المناخ، فسكان كاليساري يمخضون اولا حليب الصويا الممزوج مع مخثرات ثم يصفون الرواسب ويقطعون العجينة البيضاء الى مكعبات صغيرة، وهكذا يصنع التوفو الناجم عن ترويب حليب الصويا وهو يشكل اساسا مهما للتغذية في آسيا.

لكن منذ سنوات قليلة يترافق هذا التقليد القديم مع عملية انتاج حديثة بامتياز، فاليوم لا ترمى الرواسب الحمضية السائلة بل تعاد معالجتها لانتاج الغاز الحيوي المتدني الكلفة الذي يستخدم في الانارة والطبخ. وتطمح هذه البلدة الى تحقيق الاكتفاء الذاتي على صعيد الكهرباء قريبا.

ويستفيد ما لا يقل عن 150 شركة صغيرة لانتاج التوفو مقامة بغالبيتها في منازل عائلية، من هذا البرنامح المبتكر المراعي للبيئة، فبعد ترويب اللبن اثر اضافة حمض الخل تتم تصفية السائل. وتمر هذه "المياه المبتذلة" عبر قساطل موصولة باحواض كبيرة حيث تتخمر المواد العضوية بفضل اضافة بكتيريا ما يسمح بانتاج الغاز الحيوي، وتحتاج هذه العملية الى كميات كبيرة من المياه توازي 33 ليترا لكل كيلوغرام من جبن الصويا.

ومن المستفيدين الكبار من هذه الثورة الصغيرة هم منتجو التوفو، فبعدما كانوا لفترة طويلة يعتمدون على عمليات التزويد العشوائية للغاز الطبيعي او الخشب لوقد الافران، بات بامكانهم اليوم الحصول على الغاز الحيوي ساعة شاؤوا.

وهذه الطاقة اقل كلفة بثلاث مرات من الغاز الطبيعي المسال وتسمح كذلك للمزارعين بخفض انبعاثات الكربون التي تعتبر اندونيسيا من اكبر المسببين لها في العالم، واذا عمم هذا الانتاج على البلاد برمتها، يمكن لهذا الغاز الحيوي ان يحل سنويا مكان اكثر من 56 الف طن من الوقود الاحفوري على ما تفيد الوكالة الرسمية للتكنولوجيات.

وهذا الموقف المتفائل تؤيده المنظمة غير الحكومية الهولندية "هيفوس" التي اقامت في اندونيسيا 20 الفا من هذه الاحواض التي تنتج الغاز الحيوي بفضل التحلل الطبيعي للنفايات العضوية في غياب الاكسجين، ويوضح روبرت دي غروت الذي يدير برامج التنمية في "هيفوس" لوكالة فرانس برس "ثمة الاف من منتجي التوفو في البلاد والقدرات كبيرة تاليا".

وعلى صعيد كامل اراضي اندونيسيا التي تعتمد كثيرا على مصادر الطاقة الاحفورية ، يعتبر خبراء ان القدرة على انتاح الطاقة من مصادر غير تقليدية كبيرة جدا، وفي الوقت الراهن لا تساهم مصادر الطاقة المتجددة الا بجزء زهيد من انتاج الكهرباء في الارخبيل الواقع في جنوب شرق آسيا والذي يضم 17 الف جزيرة ويبلغ عدد سكانه 225 مليون نسمة، الا ان الحكومة التزمت خفض انبعاثات الغازات المسببة لمفعول الدفيئة، وتريد ان ترفع هذه المساهمة الى 25 % من مجموع الانتاج بحلول العام 2025.

ومع ان غالبية المشاريع تتعلق بالطاقة الشمسية او طاقة الرياح، تندرج مبادرة كاليساري في المشاريع الخارجة عن المألوف، وثمة اندونيسيون اخرون ينتجون الطاقة من الذرة البيضاء او من براز الحيوانات، وقد بات الطلب على الغاز الحيوي في كاليساري يتجاوز العرض وعلى المزارعين الراغبين في اعتماد الغاز الحيوي انتظار وصول حوض جديد على ما يفيد مسروري الذي يطمح الى ان تصبح البلدة "مراعية للبيئة 100 %" في يوم من الايام اي ان تحقق الاكتفاء الذاتي على صعيد الكهرباء بفضل التوفو.

تحويل مخلفات المجازر الى وقود حيوي

يعمل أكبر مجزر في أوغندا 24 ساعة يوميا ويتعامل مع 700 من رؤوس الماشية و200 من الأغنام و300 دجاجة يوميا لتحويلها الى لحوم لاستهلاك السوق المحلية، لكن مجزر مدينة كمبالا المتعطش للطاقة غالبا ما يتعطل العمل به بسبب الانقطاع اليومي للكهرباء الذي قد يستمر 12 ساعة، وفي هذه الاثناء يضطر المجزر الى الاعتماد على المولدات الملوثة للجو التي تعمل بوقود الديزل وتحتاج أموالا طائلة لتشغيلها.

عندئذ تبرز مشكلة وجود كميات هائلة من الدم ومياه الصرف الصحي والمخلفات الاخرى ومعظمها يصرف مباشرة في خليج مورشيسون القريب في بحيرة فيكتوريا، وفي شتى أرجاء شرق افريقيا فان تكثيف أنشطة معالجة المنتجات الزراعية وتدويرها -وهو تغير يهدف الى دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل- يقترن بزيادة في المخلفات العضوية التي تلقى في المسطحات المائية او مكبات القمامة المفتوحة.

الا ان مشروعا رائدا لتحويل هذه المخلفات الى غاز حيوي سينطلق هذا الشهر في اوغندا واثيوبيا وتنزانيا، وتمول المشروع الوكالة السويدية للتعاون الدولي للتنمية من خلال شبكة تجديد الموارد الحيوية لشرق افريقيا (بيو إنوفيت) وهو يهدف الى توفير التدريب والتكنولوجيا لمجالات التصنيع الزراعي لمساعدتها على توليد الطاقة الخاصة بها وتوفير الكهرباء وخفض الانبعاثات الغازية المسببة لتغير المناخ.

وحتى يتسنى للمجزر تحويل المخلفات الى طاقة فانه يضع مخلفاته ومياه الصرف الصحي في وحدة تتولى عملية التخمير لينطلق غاز الميثان الذي يجمع عندئذ ويحرق لانتاج الكهرباء، وتستخدم المنشأة الغاز الحيوي الذي تنتجه في تشغيل المولد الخاص بها.

ويذكر جوزيف كيامبادي رئيس قسم الكيمياء الحيوية بجامعة ماكاريري وأحد المشاركين في المشروع "ننتج من عشرة الى 15 مترا مكعبا من الغاز الحيوي في المتوسط يوميا، وانه بستين مترا مكعبا من الغاز تشغيل 15 مصباحا لاغراض الامن و15 مبردا تحت الصفر و15 مبردا عاديا في المجزر للعمل على توفير نحو ثمانية ملايين شلن أوغندي (2800 دولار) شهريا.

ومن بين المميزات الأخرى الصديقة للبيئة للمشروع انه يستعين بالالواح الشمسية لتسخين المياه ورفع درجة الحرارة داخل معدات هضم المخلفات من أجل انتاج غاز الميثان القابل للاحتراق، وعلاوة على مساعدة المجزر في القضاء على الانقطاع المتكرر للكهرباء في المدينة فان استخدام الغاز الحيوي لاغراض الطاقة خفض من فاتورة الاستهلاك الشهري للمحطة بنسبة 90 في المئة.

في حين ذكر نسوبوجا محمد سكرتير مجزر مدينة كمبالا "ننفق الآن 300 ألف شلن أوغندي (105 دولارات) شهريا على الديزل بدلا من 3.5 مليون شلن (1200 دولار) لان المولد يعمل الان بالغاز الحيوي خلال انقطاع التيار الكهربي، واوضح بإن المشروع يتعامل حاليا مع 40 في المئة من مخلفات المجزر رغم ان هذا المرفق يعتزم معالجة نسبة 100 في المئة في نهاية المطاف.

إنتاج مركبات تعمل بالايثانول فقط

تسمح الهند عما قريب لشركات إنتاج السيارات بتصنيع مركبات تعمل بكحول الايثانول فقط لكن من المرجح عدم التصديق على ذلك على الفور نظرا لعجز البلاد عن توفير المنتج الثانوي من قصب السكر.

يأتي قرار وزير النقل الهندي نيتين جادكاري المضي قدما في توفير وقود صديق للبيئة في نفس اليوم الذي فرضت فيه المحكمة العليا في البلاد حظرا مؤقتا على بيع المركبات الكبيرة التي تعمل بوقود الديزل في نيودلهي أكثر مدن العالم تلوثا.

وصرح الوزير في مؤتمر لمصانع تكرير السكر "الايثانول هو المرحلة الكبيرة المقبلة، وقد نجحت البرازيل في تسيير المركبات بهذا الوقود الحيوي، هذه الخطوة لن تقلل فقط من اعتمادنا على واردات النفط الخام بل ستحد من التلوث أيضا، وأضاف إنه ستتاح للمركبات حرية استخدام أنواع الوقود الأخرى مشيرا إلى انه ستتاح تفاصيل أخرى بحلول 26 يناير كانون الثاني القادم.

إلا ان شركات صناعة السيارات ترى ان البلاد لا تملك البنية الأساسية للبدء في تصنيع مركبات تستخدم الايثانول فقط ولا تسمح الهند باستيراد الايثانول وتفضل شركات تكرير السكر بيع الوقود الحيوي لشركات صناعة الخمور التي تدفع فيه مقابلا ماديا أكبر.

وتسعى الهند -ثالث أكبر مستهلك للنفط في العالم- حاليا إلى خلط كل لتر من البنزين المباع بنسبة خمسة في المئة من الايثانول وتأمل في نهاية المطاف بان ترفع هذه النسبة الى عشرة في المئة لكن عملية الخلط الفعلية لم تتجاوز ثلاثة في المئة.

الا انه مايؤخذ على هذا النوع من الطاقة الحيوية، انه مرتبط بتكاليف عالية للغاية وكذلك يحتاج الى نوع من التكنولوجيا قد لايتوفر بسهولة، هذا من جهة ومن جهة أخرى، فأن الطاقة الناجمة من هذا النوع من الطاقة تشبه تلك المتولدة من الطاقة المتجددة في كونها قليلة ولاتتناسب مع حجم الاستهلاك المحلي والعالمي مقارنة بالطاقة المتولدة من المصادر التقليدية، الا ان الباحثين والعاملين في مجال الطاقة الحيوية والمتجددة او مايعرف بالطاقة البديلة، يركزون ويصرون على انه وان كانت التكاليف مرتفعة فأن المنافع هي اكبر خاصة المنافع الاجتماعية والبيئية الناجمة عن استخدام هذه المصادر.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (طاقة)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك