التعليم في العالم العربي.. تدهور شديد من الحروب الى الغش


نظام التعليم في العالم العربي وبحسب بعض الخبراء يعاني من أزمة مزمنة غاية في الخطورة، يصعب حلها بسبب تفشي وتفاقم الكثير من المشكلات والازمات الداخلية المختلفة التي اثرت سلبا على المؤسسات التعلمية، فقد أشارت بعض التقارير أن الوطن العربي هو أكبرُ بؤرة للأمية في العالم، وفقا لتقديرات جديدة صادرة عن منظمة اليونسكو فان واحد من كل خمسة بالغين يعاني من الأمية في العالم العربي، كما اكدت المنظمة في تقرير سابق إن نحو 43% من الأطفال في الدول العربية يفتقرون إلى المبادئ الأساسية للتعليم سواء كانوا في المدارس أو خارجها. وأشارت الى أن ربع مليار طفل على الأقل حول العالم يفتقدون الى المبادئ الأساسية للتعليم بسبب تردي قدرات المعلمين وافتقارهم للتدريب المناسب لأداء وظيفتهم. ووفقا للتقرير، فإن طفلا من بين كل أربعة أطفال، في الدول الفقيرة، وبينها دول عربية، لا يستطيع قراءة جملة واحدة. وتزيد النسبة في منطقة الصحراء الكبرى. وجاء فيه أيضا أن 36% في المئة فقط من الفتيات في اليمن، على سبيل المثال، حصلن عن قدر من التعليم الأساسي. وحذر التقرير من أنه إذا استمر الحال على ما هو عليه فإنه يجب انتظار حلول عام 2072 حتى تحصل كل الفتيات على فرصتهن في التعليم الأساسي في الدول النامية.

كما حذر بعض الخبراء من تفاقم مشكلة الفساد والاهمال في المؤسسات التعليمية في الوطن العربي، بسبب ضعف القوانين والاجراءات العقابية الامر الذي اسهم ببروز ظواهر خطيرة، ومنها انتشار ظاهرة الغش التي اتسعت بشكل كبير في أنحاء متفرقة من العالم العربي، بسبب تطور التقنيات الالكترونية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي اصبحت تعج بالعديد من الصفحات، التي تروج بصورة صريحة لظاهرة الغش في الامتحانات، كما حدث في مصر والجزائر والمغرب وغيرها من الدول العربية الاخرى، الامر الذي دفع بعض الجهات الى اتخاذ اجراءات وقوانين خاصة للحد من هذه الظاهرة.

خارج المدارس

وفي هذا الشأن حذرت منظمة الامم المتحدة للطفولة (يونيسف) في تقرير من ان 12 مليون طفل في الشرق الاوسط هم خارج المدرسة نتيجة الفقر والتمييز الجنسي والعنف، على الرغم من الجهود الرامية الى زيادة نسبة التعليم. ولا يشمل الاحصاء الاطفال الذين اجبروا على ترك مدارسهم بسبب النزاع في العراق وسوريا والذين يزيد عددهم عن ثلاثة ملايين، بحسب تقرير المنظمة الدولية.

ويشيد التقرير المشترك الذي اعدته منظمة اليونيسف ومعهد الاحصاء التابع لليونيسكو (منظمة الامم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) "بالامكانات الكبيرة والارادة السياسية" المخصصة لنشر التعليم على نطاق اوسع في منطقة الشرق الاوسط خلال العقد المنصرم. واشار التقرير الى "ان معدلات التسرب الدراسي في التعليم الابتدائي انخفض الى النصف تقريبا". لكنه لفت الى "عدم احراز اي تقدم خلال السنوات الماضية"، موضحا ان "4،3 مليون طفل في سن التعليم الابتدائي و2،9 مليون طفل في سن المدرسة الاعدادية لم يلتحقوا بالمدارس".

يضاف الى هذا العدد 5،1 مليون طفل في سن الحضانة لم يلتحقوا بالتعليم، ما يرفع حصيلة الاطفال المتسربين من المدارس الى 12،3 مليون طفل، بحسب التقرير. ويمثل هذا العدد نحو 15 بالمئة من الاطفال في الشرق الاوسط الذين هم في سن التعليم قبل الابتدائي والابتدائي والاعدادي، واسوأ نسبة موجودة في اليمن بالنسبة الى الاطفال في سن الحضانة، وفي جيبوتي والسودان، بالنسبة الى الاطفال في المرحلة الاعدادية، تليهما ايران والمغرب.

ويعزو التقرير الذي شمل دراسة الاوضاع في تسعة بلدان سبب التسرب الدراسي الى عدد من العوامل بينها الفقر. وفي حالات كثيرة، لا يسمح وضع الاسرة المادي بتحمل نفقات التعليم من رسوم الدراسة والكتب واللباس المدرسي، بالاضافة الى خسارة المدخول الذي يمكن للطفل ان يؤمنه في حال مارس عملا ما بدلا من الدراسة. وجاء في التقرير ان "الاطفال المستبعدين هم في الغالب الاطفال المنتمون الى الاسر الاكثر فقرا في المناطق الريفية".

ويشكل التمييز بين الجنسين عاملا اضافيا لتسرب الاطفال، اذ تلعب الاعراف والتقاليد دورا في الحد من تعليم الفتيات في الشرق الاوسط. وذكر التقرير "تساهم التوقعات المتعلقة بدور كل من الرجل والمراة في الاسرة وفي سوق العمل وفي المجتمع الاوسع في تقيم مختلف لقيمة الفتيات والاولاد"، مشيرا الى "عادة الزواج المبكر تعد من اكبر العوائق امام تعليم الفتيات".

كما تشكل اعمال العنف، من جهة اخرى، سواء داخل المدارس أو في مناطق الصراع مثل سوريا والعراق عائقا امام التعليم. وذكر التقرير ان "دراسات لتقييم الاستجابة للتعليم في الحرب في سوريا اجريت مؤخرا تحدثت عن الحواجز والقيود الرئيسية التي تعيق وصول الاطفال اللاجئين السوريين الى التعليم ومن ابرزها ارتفاع كلفة التعليم وانعدام الامن والاجراءات البيروقراطية وعدم امتلاك الاطفال اوراقا قانونية للتسجيل في المدرسة". بحسب فرانس برس.

كما اشار التقرير الى "الهجمات المباشرة على المدارس بالاضافة الى عمليات الخطف والنهب والاستخدام العسكري للمباني المدرسية". وتخوفت اليونيسف من ارتفاع عدد الاطفال المتسربين بسبب الازمات المستحدثة في ليبيا واليمن. ودعت الى "تمويل كاف للتعليم في الحالات الطارئة، والحكومات في المنطقة الى اعتماد مقاربات تؤمن حاجات التعليم للاطفال المتاثرين بالنزاعات". وقالت المديرة الاقليمية لليونيسف ماريا كالفيتي في مؤتمر صحافي لاطلاق التقرير عقد في بيروت اليوم "هذا ما يريده الاطفال، هذا ما يريده الاهل".

مصر

في السياق ذاته قرر وزير التربية والتعليم المصري تفعيل مرسوم قانون 101 لعام 2015 بخصوص عقوبة الغش في امتحانات الثانوية العامة بعد أن أقره الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 7 أكتوبر الماضي، إلا أنه لم يدخل حيز التنفيذ بعد رغم موافقة مجلس الوزراء ونشره في الجريدة الرسمية. ويعاقب هذا القانون كل من تثبت إدانته بتسريب أسئلة وأجوبة الامتحانات خلال انعقادها وخارج قاعاتها.

وأدخلت وزارة التعليم المصرية مرسوم قانون تم إقراره السنة الماضية حيز التنفيذ، ويقضي المرسوم بمعاقبة الطلبة الذين يمارسون الغش في امتحانات الثانوية العامة بالسجن لفترة تتراوح بين السنة والثلاث سنوات وبغرامة مالية تقدر قيمتها ما بين 2000 و5000 يورو. وذلك بعد انتشار عمليات الغش في هذه الامتحانات في مصر منذ عدة سنوات. وخاصة مع ظهور تقنيات جديدة للغش مع التطور الذي شهده الإنترنت والهاتف الجوال.

حيث غالبا ما تمرر الأسئلة عبر الهاتف لتظهر بعد أقل من نصف ساعة من بداية الامتحان على مواقع متخصصة على الإنترنت وتمرر الإجابات بعد ذلك عبر تطبيقات التراسل الفوري كواتساب وتلغراف وغيرهما. لذلك وانطلاقا من هذه السنة تم السماح للمراقب بالاحتفاظ بهاتف جوال وسيتم تفتيش كل الممتحنين بشكل تلقائي قبل دخولهم قاعات الامتحانات. بحسب فرانس برس.

وتتنوع عمليات الغش اليوم حيث يعمد الكثيرون إلى استخدام تقنيات حديثة كالبلوتوث وكذلك بطاقات الائتمان المزيفة وحتى القميص الذكي، وهناك من يستخدم سماعات صغيرة للغش ترصد غالبا إذا لم تكن الفتاة محجبة، لذلك جادت مخيلة البعض بتقنية جديدة تتمثل في زرع طبيب لجهاز استقبال صغير في أذن الممتحن. ويأتى هذا المرسوم الجديد الذي أقرته وزارة التعليم المصرية قبل انطلاق هذه الامتحانات في مصر والتي كثيرا ما تشهد عمليات غش. وتعهد عادة إلى الشرطة بعملية تأمين هذه الامتحانات التي تشارك فيها قوات الجيش. حيث تقوم طائرة عسكرية بنقل أسئلة الامتحان إلى المناطق النائية في البلاد وتوزعها عربات مصفحة في المناطق الحساسة أمنيا.

المغرب

على صعيد متصل أعلنت الإدارة العامة للأمن الوطني في المغرب في بيان، توقيف 57 شخصا إثر فضيحة تسريب أسئلة امتحانات الباكالوريا، وطالبت أحزاب معارضة باستقالة وزير التربية، بينما قال رئيس الحكومة، إن هذا التسريب يشكل "حادثا خطيرا" و"خيانة للوطن". ووقعت عمليات التوقيف في 15 مدينة في المملكة، بحسب بيان للإدارة العامة للأمن الوطني وهو ما يدل على اتساع الظاهرة.

ووجهت إلى الموقوفين تهم تتعلق بالخصوص بأنهم "صاغوا إجابات للمترشحين في مقابل مبالغ مالية". ويتم نقل هذه الأجوبة عادة بالهاتف المحمول أو رسالة قصيرة هاتفية أو عبر موقع فاس بوك، بحسب المصدر ذاته. وأضاف البيان أن التحقيق أدى إلى "رصد العديد من الصفحات والمواقع على شبكات التواصل الاجتماعي مستخدمة في تسريب أسئلة الامتحانات وأجوبتها" مضيفا أنه تم حجز "كمية كبيرة من الأدوات المعلوماتية والهواتف الجوالة وعدة رقمية وطابعات".

وحالات الغش ليست بالأمر الجديد لكنها تحولت إلى فضيحة وطنية إثر عمليات تسريب لمواد الامتحان في أكاديمية الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية لمواد اختبار الرياضيات لبكالوريا شعبة العلوم التجريبية والعلوم والتكنولوجيا.

قضية طالبة الصفر

من جانب اخر هزت الرأي العام المصري قضية الطالبة مريم ملاك التي تفيد أنه تم تبديل أوراق إجاباتها بأوراق أخرى في امتحانات الثانوية العامة، وكانت النتائج عكس انتظاراتها. وأصبحت قضيتها تعرف بـ"طالبة الصفر" لحصولها على صفر في جميع المواد. ونالت قضيتها تعاطفا كبيرا من قبل المصريين، وأطلق البعض منهم هاشتاغ على تويتر بعنوان "#أنا_أصدق_مريم_ملاك".

في التاسعة عشر من عمرها أصبحت مريم ملاك، الفتاه الصعيدية السمراء المتفوقة دراسيا، رمزا لتحدي الفساد في مصر منذ أن بدأت قبل أسابيع معركة بلا هوادة لإثبات تزوير نتائجها في الثانوية العامة التي جاءت "صفرا" في كل المواد. الطالبة ذات النظارات الطبية السميكة، ابنة قرية صفط الخمار الفقيرة في محافظة المنيا، التي تظهر دوما في ملابس محتشمة وتربط شعرها الأسود الفاحم خلف رأسها، لم تترك طريقا إلا سلكته منذ ظهور النتائج لتبرهن أنه تم "تبديل" أوراق إجاباتها بأوراق أخرى "نسبت إليها بالتزوير".

وكلما أوصد باب أمامها استمرت في المطالبة بـ"حقها" بإصرار وصلابة إلى أن ينفتح باب آخر. وتقول مريم "أشعر أنني في كابوس ولا أفهم ما يحدث لي". وتضيف "عندما رأيت أوراق الإجابة المنسوبة لي، لم أصدق عيني، فكل ما فيها بضعة أسطر منقولة من أوراق الأسئلة في حين أنني بشهادة زملائي والمراقبين في لجنة الامتحانات لم أكن أتوقف عن الكتابة طوال مدة الامتحان في كل مادة".

الفتاة التي أطلق عليها الإعلام المصري "طالبة الصفر" تتساءل بصوت هادئ "هل يعقل أن أحصل على صفر في كل المواد في حين أنني حصلت في الصفين الأول والثاني الثانوي على 96% و97% هل هذا منطقي؟". ولا تعرف مريم، التي تحلم بأن تصبح طبيبة مثل شقيقيها، من قام بـ"تبديل" أوراقها. ولكن الطالبة تدرك أنها "تحارب الفساد" و"واثقة من أن الحق سيظهر وسيتغلب عليه".

وقال محامو مريم أكثر من مرة في مقابلات تلفزيونية إنهم يتشككون في أنه تم استبدال أوراق إجابات ابن مسؤول متنفذ في محافظة المنيا. طعنت مريم بنتيجتها أمام الإدارة التعليمية في أسيوط حيث تم تصحيح أوراق الإجابة، ولكن شكواها رفضت فتقدمت بطعن آخر أمام النيابة العامة التي أمرت بتشكيل لجنة من خبراء الخطوط في المدينة نفسها للتأكد مما إذا كان الخط في أوراق الإجابة المنسوبة إليها مطابق لخطها أم لا.

غير أن مريم "انهارت وأغمي عليها واضطررنا لنقلها إلى المستشفى لإفاقتها وإعطائها محاليل عندما فوجئت بأن التقرير الرسمي لخبراء الخطوط يهدر حقها ويؤكد تطابق خطها مع الخط في الأوراق المزورة"، حسب ما يروي شقيقها مينا، وهو طبيب شاب في الثلاثين من عمره. وبعد ذلك مباشرة ظهرت مريم في أكثر من برنامج تلفزيوني وفي يدها قنينة استخدمت لإعطائها المحاليل في المستشفى ولم تستطع تمالك دموعها.

ورغم أن النيابة العامة أغلقت التحقيق استنادا إلى تقرير خبراء الخطوط، إلا أن الفتاة لم تستسلم وطعنت مجددا بقرار النيابة مطالبة بإعادة فتح التحقيق. وعلى مدى الأسابيع التي تنقلت فيها مريم من مديريات التعليم إلى النيابة إلى الطب الشرعي، باتت قضيتها على كل لسان في مصر وأصبحت حديث الصحف وقنوات التلفزيون ولقيت عاصفة من التأييد والتعاطف على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث شكك كثيرون في تقرير الطب الشرعي الخاص بمريم وأطلقوا على تويتر هاشتاغ "#أنا-أصدق-مريم-ملاك".

وكتب الناشط خالد عبد الحميد على فيس بوك "هل تذكرون خالد سعيد"، في إشارة إلى الشاب الذي ضربته الشرطة حتى الموت على الطريق العام في الإسكندرية في حزيران/يونيو 2010 ثم قال تقرير للطب الشرعي إنه توفي نتيجة ابتلاعه "لفافة" من نبات مخدر، وهي حادثة تعتبر بمثابة الشرارة التي ألهبت ثورة 2011 ضد حسني مبارك.

وإزاء هذه الضجة الإعلامية، بادر رئيس الوزراء إلى استقبال مريم في مكتبه وأكد في بيان أن "لديه ثقة بلا حدود في النيابة العامة، وأنه سيساند الطالبة في التظلم الذي تقدمت به، وكأنها ابنته، حتى تظهر الحقيقة فإن كان لها الحق ستحصل عليه كاملا وإن لم يكن لها حق سنخبرها بأنها ليس لها حق وبأسباب ذلك". وبالفعل قررت النيابة بعد إعادة فتح التحقيق وتكليف خبراء خطوط جدد من القاهرة بـ"استكتاب" مريم مجددا للتحقق مما إذا كان خطها مزورا أم لا.

وبعد انتهاء مريم من هذا الاستكتاب الجديد ، قال شقيقها مينا أمام الصحفيين "مريم وأسرتها مستمرون في المطالبة بحقها لآخر لحظة، لن نترك حقها". وأضاف "نحن حاليا في انتظار تقرير الطب الشرعي وإذا جاء لصالحنا كان به ولو لم يأت لصالحنا فنحن سنكمل طريقنا، لنا حق وسنأخذه فالأوراق المنسوبة لمريم ليست أوراقها وما بها ليس خطها". وزارة التربية والتعليم اكتفت بالتأكيد على لسان رئيس إدارة الثانوية العامة أنها "ستنفذ أي قرار يأتي من النيابة العامة، نحن في الوزارة لسنا مع أحد أو ضد أحد". بحسب فرانس برس.

ورغم انتماء مريم إلى الأقلية المسيحية في مصر إلا أنها ترفض أن تضع قضيتها في سياق التمييز الديني. ورفضت مريم بأدب دعوة من بابا الأقباط تواضروس الثاني لمقابلتها، مؤكدة أن "قضيتي هي قضية مواطنة مصرية" بصرف النظر عن ديانتي. وتابعت "أنا أمثل كل الناس الذين يعيشون في ظلم، لو أخذت حقي في بلدي كل هؤلاء الناس سيطمئنون وسيعرفون أن أي شخص يقع في مأزق بعد ذلك سيحصل على حقه".


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تعليم)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك