الاقتصاد الاميركي في عهد ترامب: نحو القوة ام الانهيار؟


جاءت توقعات كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدول حول نمو الاقتصاد الاميركي متناقضة ومتباينة، اذ كانت توقعات صندوق النقد متفائلة نوعاً ما على غرار النك الدولي الذي تحفظ على هذا التفاؤل، حيث عبرت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد عن تفاؤلها حيال النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب إلا أنها حذرت من تداعيات ذلك على اقتصادات العالم، وتوقعت لاغارد إصلاحات اقتصادية والمزيد من الاستثمار في البنى التحتية خلال ولاية ترامب، الذي أدى إعلانه بشأن اقتراحات جديدة لخفض الضرائب إلى رفع الأسهم الأميركية إلى مستويات قياسية.

وأغلقت مؤشرات "داو جونز" و"ناسداك" و"اس اند بي 500" على ارتفاع بنسبة 0,6 بالمئة الخميس بعدما وعد الرئيس الجديد بخطة "استثنائية" لخفض الضرائب سيتم الكشف عنها في غضون أسبوعين أو ثلاثة، إلا أن مديرة صندوق النقد حذرت من تداعيات التحسن في أكبر اقتصاد في العالم على باقي الدول.

وأشارت لاغارد إلى زيادة قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى فيما ذكرت إنها تتوقع زيادة أسعار الفائدة التي يتحكم فيها الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي الأميركي) وهو "ما سيكون أمرا صعبا على الاقتصاد العالمي ما سيتعين على الاقتصادات الاستعداد له"، وقد زاد صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الاميركي بنسبة 0,1 بالمئة لهذا العام (2,3 بالمئة) و0,4 بالمئة لعام 2018 (2,5 بالمئة)، ويناقض تفاؤل صندوق النقد حذر البنك الدولي الذي لم يغير توقعاته بالنسبة للنمو في الولايات المتحدة بسبب "الشكوك" التي تحيط بسياسات ترامب.

قرارات لتعديل قواعد الاستثمارات المالية

يوقع الرئيس الاميركي دونالد ترامب الجمعة مرسومين لتعديل اصلاحات رئيسية ادخلت على قواعد الاستثمارات المالية بعد الازمة المالية في العام 2008، وسيطلب ترامب من وزارتي الخزانة والعمل النظر في سبل تعديل قانون "دود-فرانك" و"قاعدة فولكر" اللذين يضبطان عمل القطاع المالي لحماية المستهلكين ويحولان دون حصول فائض في الاسواق، وسيتعين على وزارة الخزانة تحديد التعديلات المحتملة التي يمكن ادخالها على قانون "دود-فرانك" الذي يقع في 848 صفحة وتبنته ادارة باراك اوباما السابقة في 2010 ردا على الازمة المالية.

وادى القانون الى تشكيل هيئة حماية المستهلكين ويفرض على المصارف الاحتفاظ بنسبة اعلى من رؤوس الاموال لتفادي المديونية المفرطة، وسيعاد النظر كذلك في "قاعدة فولكر" التي تفرض قيودا على بعض الاستثمارات المضاربة، ولم يخف الجمهوريون استياءهم ازاء هيئة حماية المستهلكين ونيتهم تعديلها، ويتطلب اي تعديل كبير في قانون "دود-فرانك" موافقة الكونغرس لكن الادارة الاميركية الحالية اكدت انها مستعدة لذلك.

اما المرسوم الثاني الذي سيوقعه ترامب فيشمل القاعدة الائتمانية التي تفرض على المستشارين الماليين العمل لما فيه مصلحة زبائنهم، وتابع المسؤول ان هذه القاعدة كانت باهظة بالنسبة الى شركات الاستثمار.

العجز التجاري الأميركي في أعلى مستوياته منذ اربع سنوات

وصل العجز التجاري في الولايات المتحدة لمجمل العام 2016 إلى اعلى مستوياته منذ أربع سنوات، على خلفية الخلل المستمر في الميزان التجاري مع الصين والاتحاد الاوروبي، وبلغ حجم العجز المزمن في مبادلات الولايات المتحدة التجارية مع باقي العالم الى 502,2 مليار دولار بحسب الأرقام المعدلة للأخذ بالتغييرات الموسمية، مسجلا زيادة بنسبة 0,4% بالمقارنة مع العام 2015، في وقت تهدد إدارة الرئيس دونالد ترامب بعض شركائها باتخاذ تدابير تجارية بحقهم.

وبالنسبة إلى تبادل السلع، سجلت الولايات المتحدة اكبر عجز لها عام 2016 تجاه الصين، اذ بلغ 347 مليار دولار، رغم أن هذا المبلغ في تراجع بنسبة 5,4% بالمقارنة مع 2015، وهذا الخلل في الميزان التجاري يمكن أن يعزز حجج إدارة ترامب التي تتهم بكين بممارسات تجارية غير نزيهة وتهدد باتخاذ تدابير ردا عليها، من جهة أخرى، يبقى العجز في تبادل السلع مع الاتحاد الأوروبي كبيرا أيضا رغم انحساره بالمقارنة مع العام السابق، مسجلا 146,3 مليار دولار، ولا سيما مع المانيا (64,9 مليارا) التي وجهت إليها الإدارة الأميركية مؤخرا انتقادات شديدة.

كذلك ازداد العجز التجاري مع المكسيك بنسبة 4,1% ليصل إلى 63,2 مليار دولار، في وقت يحمل ترامب بشدة على هذا البلد ويهدد بفرض رسوم جمركية عليه لإرغامه على دفع نفقات جدار يعتزم بناءه على الحدود بين البلدين، غير أن هذه المعطيات لا تشمل تبادل الخدمات من خدمات مالية ونقل وغيرها، وهي مجالات تسجل تقليديا فائضا لصالح الولايات المتحدة، بلغ 247,8 مليار دولار عام 2016، ويعود تفاقم العجز الأميركي عام 2016 بما يشمل السلع والخدمات، إلى تراجع الصادرات (-2,3% إلى 2209 مليارات دولار) بنسبة أعلى من تراجع الواردات (-1,8% إلى 2711 مليار دولار)، ولفتت الوزارة الى انحسار مبيعات المعدات الصناعية والتجهيزات الأميركية إلى الخارج.

اقتصاديو جولدمان يتوقعون زيادة المخاطر في الاقتصاد الأمريكي

صرح اقتصاديو جولدمان ساكس إن التعزيز المالي في الولايات المتحدة من المرجح أن يكون في 2018 لا العام الحالي لأن "ميزان المخاطر أقل إيجابية بعض الشيء" بعد شهر من بداية السنة وفي ظل العواقب السلبية لفرض قيود على التجارة والهجرة بما قد يلقي بظلاله على خطط تعزيز النمو التي قد ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وكان التحول الإيجابي في ثقة المستثمرين عقب الانتخابات ينبئ بأن احتمالات خفض الضرائب وتخفيف القواعد تجب احتمالات فرض قيود حقيقية على التجارة والهجرة حسبما جاء في المذكرة التي أعدها الاقتصادي أليك فيليبس، لكن بعد شهر من بداية العام فإن ميزان المخاطر أصبح "أقل إيجابية بعض الشيء من وجهة نظرنا".

وذكرت المذكرة إن المصاعب التي يواجهها الجمهوريون في الكونجرس لإلغاء نظام الرعاية الصحية الذي وضعه الرئيس السابق باراك أوباما لا يبشر باتفاق سريع على إصلاح الضرائب أو تمويل البنية التحتية، وأضافت أن ذلك يدعم رأينا بأن التعزيز المالي إذا حدث سيكون في 2018 على الأرجح، وأوضح جولدمان إن تعاون الحزبين الجمهوري والديمقراطي يبدو ممكنا في بعض القضايا بعد الانتخابات لكن الاستقطاب السياسي يبدو أكبر من أي وقت مضى مما ينبئ بصعوبة معالجة القضايا التي تتطلب دعما من الحزبين.

وأضاف أن من المرجح أن يفي ترامب بتعهدات حملته الانتخابية بشأن التجارة والهجرة التي "قد يتسبب بعضها في عرقلة عمل أسواق المال والاقتصاد الحقيقي، وإن الإصلاح الضريبي من المرجح "أن يستغرق وقتا ومن المرجح تقليصه مقارنة مع ما اقترحه الأعضاء الجمهوريون بمجلس النواب والرئيس ترامب، وأن هناك توقع توسعا ماليا بنحو واحد بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي على أن يأتي جزء كبير منه عن طريق التخفيضات الضريبية بدءا من 2018.

سياسة "صنع في اميركا" قد تكون باهظة التكاليف على مجموعات مثل "آبل"

مع وصول دونالد ترامب الى البيت الابيض رافعا شعار "صنع في اميركا"، يتساءل مراقبون حول ما ان كانت مجموعة "آبل" ستبقى قادرة على صنع اجهزتها في الصين، مشيرين في الوقت نفسه الى التكاليف الباهظة لنقل انتاجها كله الى الولايات المتحدة، وكان الرئيس الاميركي الجديد تعهد مرارا بانه سيلزم مجموعة "آبل" بان تصنع اجهزتها في مصانع محلية، وفيما تتسابق شركات اميركية منذ الانتخابات على اطلاق الوعود بالاستثمار في الولايات المتحدة وتوظيف الاميركيين، لم تبد "آبل" حتى الآن حماسة مشابهة.

غير ان شركة "فوكسكون"، احد كبرى الشركات التي تتعاقد معها "آبل"، تنوي استثمار سبعة مليارات دولارات في مصنع اميركي لصنع الشاشات المسطحة، وقد اشار تيري غو مؤسس هذه الشركة التايوانية الى ان الشركات الكبرى التي يتعامل معها "مستعدة للاستثمار في الولايات المتحدة بما فيها آبل".

الا ان نقل شبكات انتاج "آبل" بكاملها الى الاراضي الاميركية لا يبدو اجراء سهل التحقيق، ويشير دان بانزيكا الخبير في "آي اتش اس" الى ان وضع "آبل" يختلف عن شركات تصنيع السيارات التي قررت في الماضي نقل مصانعها الى الخارج توفيرا للتكاليف، وتعتمد "آبل" في اسيا على مجموعة كبيرة من مصنعي القطع، وهي تستفيد من موارد مهمة تقدمها الصين من مواد اولية ويد عاملة رخيصة، في تصنيع عشرات الملايين من اجهزتها "آيفون".

وتحدثت "ام آي تي" تكنولوجي عن عدة احتمالات، منها ان يجري التجميع في الولايات المتحدة للقطع المصنوعة في الصين، او ان ينقل تصنيع القطع نفسه الى الولايات المتحدة، وقدرت الارتفاع الذي سيطرأ حينها على ثمن جهاز "آيفون 6 أس بلاس" بما بين ثلاثين دولارا ومئة، ويصعب تصور ان تخفض "آبل" هامش ربحها لتستوعب زيادة كهذه في التكاليف، بل يرجح ان تتصرف بما يحفظ صورتها كالشركة الاكثر تحقيقا للارباح في العالم، فتضيف التكاليف على سعر المنتج، ومن جهة اخرى، يشكك المحللون في ان يكون المستهلكون الاميركيون مستعدين لتحمل زيادة هذه التكاليف على اسعار الاجهزة بداعي انها "صنعت في اميركا"، ويرى رونان در رينيس ان ادارة ترامب لا يمكنها ان تغير طريقة عمل كبرى شركات التكنولوجيا الاميركية، وسيكون هناك حل وسط مثل تحفيزات مالية وضريبية" لنقل انتاج بعض النماذج او الاجهزة الى الداخل الاميركي، وفي المقابل، سيكون لاي اجراءات جمركية تقررها ادارة ترامب تأثير كبير على الاقتصاد. فاذا قررت مثلا فرض رسوم جمركية اعلى على السلع المستوردة من الصين وردت بكين بالمثل، ستكون "آبل" أكبر ضحايا اجراء كهذا، نظرا الى رقم اعمالها الكبير في السوق الصيني.

شركات التكنولوجيا تقاوم قيود ترامب على المهاجرين

تصدرت شركات التكنولوجيا في وادي السليكون خلال العطلة الأسبوعية جهود المقاومة التي بذلها قطاع الشركات للقيود التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على الهجرة فمولت دعاوى قانونية للاعتراض عليها وانتقدت الخطة وسعت لمساعدة موظفيها الذين أوقعتهم القرارات في ورطة، وفي صناعة التكنولوجيا التي تعتمد منذ أمد بعيد على المهاجرين وتحتفي بإسهاماتهم وتناصر قضايا التحرر مثل حقوق المثليين لم يكن هناك اتفاق يذكر في البداية على كيفية الرد على الخطوة التي اتخذها ترامب.

ورغم أنه لم يصدر عن معظم العاملين في صناعة التكنولوجيا انتقاد مباشر للرئيس الجمهوري الجديد فقد كان موقفهم أبعد مدى من نظرائهم في القطاعات الأخرى التي التزم قادتها الصمت خلال العطلة الأسبوعية، اذ امتنعت معظم البنوك الأمريكية الكبرى وشركات السيارات عن التعقيب عن ذلك، ويحظر الأمر التنفيذي الذي وقعه ترامب بصفة مؤقتة دخول المسافرين من سبع دول إسلامية إلى الولايات المتحدة كما يحظر دخول المهاجرين بغرض التوطين لمدة 20 يوما، وقد أثار هذا القرار استنكارا عالميا وخلق جوا من البلبلة والغضب بعد أن وجد مهاجرون ولاجئون وزوار أنفسهم عالقين في المطارات ومنعوا من ركوب الطائرات.

وقدمت الشركات الكبرى مثل أبل وجوجل ومايكروسوفت مساعدة قانونية لموظفيها الذين شملهم القرار وذلك وفقا لما جاء في رسائل أرسلتها الشركات لموظفيها. وتبرع عدد من المديرين التنفيذيين في وادي السليكون بالمال لتمويل الجهود القانونية لدعم المهاجرين الذين شملهم الحظر، وذكر إلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة تسلا وترافيس كالانيك رئيس أوبر على تويتر إنهما سينقلان مخاوف قطاع الصناعة بشأن الهجرة إلى مجلس الأعمال الاستشاري الذي شكله ترامب ويضم الاثنين في عضويته.

وكان كالانيك واجه معارضة على وسائل التواصل الاجتماعي لموافقته على عضوية المجلس الاستشاري. اذ وصف الحظر في رسالة على فيسبوك بأنه "خطأ وظالم" وإن أوبر ستؤسس صندوقا بقيمة ثلاثة ملايين دولار لمساعدة السائقين الذين يواجهون مشاكل تتعلق بالهجرة، ومن بين من يشملهم القرار خاش ساجدي الإيراني البريطاني رئيس شركة كلاود66 للتكنولوجيا في سان فرانسيسكو الذي وجد نفسه عالقا في لندن. وهو يحمل مثل كثير من العاملين في مجال التكنولوجيا تأشيرة تسمح للأجانب من أصحاب الخبرات الخاصة بالعمل في الشركات الأمريكية.

ولصناعة التكنولوجيا مشاكل أخرى قد تجد نفسها فيها في مواقف معارضة لترامب ومنها السياسة التجارية والأمن الالكتروني، وفي شركة ليفت تعهد مؤسساها جون زيمر ولوجان جرين على مدونة الشركة بالتبرع بمليون دولار على مدى أربع سنوات للاتحاد الأمريكي للحريات المدنية الذي استطاع الحصول على قرار قضائي بإرجاء تنفيذ الأمر الرئاسي مؤقتا، كما تعهد ستيوارت باترفيلد الشريك المؤسس لخدمة سلاك وألبرت وينجر وفريد ويلسون الشريكان في شركة يونيون سكوير فنشرز بتقديم مساهمات مماثلة للاتحاد.

وبين ديف ماكلور الشريك المؤسس لنحو 500 من الشركات الجديدة والذي أخذ مواقف صريحة في انتقاد ترامب إن شركته لرأس المال المخاطر ستفتح قريبا أول صناديقها في الشرق الأوسط وستحول اهتمامها لدعم أصحاب المشاريع الجديدة في بلادهم الأصلية إذا تأكد أن نقلهم إلى الولايات المتحدة مستحيل.

تراجع مستوى النشاط الاقتصادي

يمكن من خلال ماتقدم أن نتوقع ان يكون ثمة هناك تخوف من تراجع على مستوى الانتاج والاقتصاد بصورة، وأن يدخل الاقتصاد الاميركي في مرحلة من الجمود يعتمد طولها واستمرارها او تجاوزها على مستوى التكيف الممكن للاقتصاد الاميركي ومؤسساته الاقتصادية الاخرى كالأحتياطي الفيدرالي والاسواق المالية وغيرها، اذ وطبيعة اقتصادية فأن كل قرار او اجراء اقتصادي في السياسة يتبعه فترة من التخلف او التباطؤ الزمني مابين فهم تلك الاجراءات ومابين الاثر التي قد تحدثه، وهو مايمثل علامة فاصلة مابين حجم الخسائر او المنافع المتوقع حدوثها.

وبما أن التوجه الخاص بالسياسة الاقتصادية يمثل انكماشي بعض الشيء او يحد من التوسع في الخارج فقد نتوقع حدوث انكماش محلي على مستوى الانتاج والتصدير بسبب انكماش الاستثمارات وتقييدها من الخروج الى خارج الولايات المتحدة، وعليه نفهم مما تقدم ان قد ترافق هكذا اجراءات فترة من الانكماش او الترقب او على الاقل يمكن وصفها بالتباطؤ الا الجمود في النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة، حتى يبدأ الاقتصاد بالانطلاق من جديد، او قد نشهد انعكاسات سلبية على باقي اقتصادات العالم وهو ماحذر منه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمات عالمية أخرى.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تقارير اقتصادية)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك