الاقتصاد السعودي: تعافي مؤقت تحت ظلال الصراعات الداخلية


أصدرت السعودية لأول مرة تقريرا ربع سنوي لأداء الميزانية العامة، وذكرت إن العجز انخفض في الربع الأول من العام الجاري بنسبة 71% مقارنة بالربع الأول من العام الماضي، وصرح وزير المالية السعودي محمد الجدعان إن هذه الخطوة التي تطبق لأول مرة في تاريخ الوزارة تأتي "في إطار التزام حكومة المملكة بالشفافية والإفصاح المالي، في وقت تواصل فيه العمل على تطبيق مبادرات برنامج التحول الوطني ضمن رؤية المملكة الطموحة 2030"، وصرح الجدعان بأن "بيانات تقرير الربع الأول عكست ارتفاعا في الإيرادات وتحسنا لافتا في كفاءة الإنفاق وخفض العجز"، وبلغ إجمالي إيرادات السعودية في الربع الأول من العام حوالي 144 مليار ريال سعودي (38.4 مليار دولار) بزيادة نسبتها 72% عن الربع المماثل من العام الماضي.

وبلغت الإيرادات غير النفطية للربع الأول 32 مليار ريال (8.5 مليارات دولار)، بزيادة 1% عن الربع المماثل من العام الماضي. أما الإيرادات النفطية فقد زادت بنسبة 115% لتصل إلى 112 مليار ريال (29.8 مليار دولار)، بفضل تحسن أسعار النفط في الأسواق العالمية.

وبلغ إجمالي المصروفات للربع الأول من العام 170.2 مليار ريال (45.4 مليار دولار)، بانخفاض نسبته 3% عن الربع المماثل من العام الماضي، واستحوذ قطاع التعليم على أكبر نسبة من الميزانية المعتمدة مقارنة بالقطاعات الأخرى، بنسبة 23% من إجمالي الميزانية المقدرة، وبلغ العجز في الربع الأول 26.2 مليار ريال (حوالي سبعة مليارات دولار) في الربع الأول من العام، منخفضا بنسبة 71% عن العجز في الفترة المماثلة من العام الماضي.

من جهة اخرى ذكر محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي) أحمد الخليفي إن بلاده لن تحيد عن ربط عملتها الريال بالدولار الأمريكي، وبين الخليفي لمؤتمر استثماري ربط سعر الصرف أفادنا على نحو جيد جدا وما زال يفيدنا ولذا لن نحيد عنه، وأضاف أن البنك المركزي راض عن مستوى الخدمات المصرفية بالسعودية وتطورها لكنه غير راض عن حجم الائتمان المقدم من البنوك إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة والذي يبلغ نحو اثنين بالمئة من الإجمالي، وفي مسعى لتعزيز معدل الادخار بالمملكة، اضاف الخليفي إن البنك المركزي يعمل مع وزارة التعليم على غرس ثقافة الادخار بين صغار السن ومع وزارة المالية على تطوير صكوك يمكن أن يستخدمها المدخرون الأفراد.

أزمة مالية في ظل تحديات استئناف النمو

تمكنت السعودية من تفادي أزمة مالية ناجمة عن هبوط أسعار النفط من خلال تقليص الإنفاق الحكومي واقتراض عشرات المليارات من الدولارات من الخارج لكنها تواجه الآن تحديا صعبا يتمثل في دفع الاقتصاد للنمو مجددا، وذكر مسؤولون سعوديون كبار إن الإصلاحات التي أعلنها ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان منذ عام أدت إلى استقرار أوضاع المالية العامة بما يكفي لأن تبدأ الحكومة في التركيز على الاستثمار في الاقتصاد.

وأدى خفض الإنفاق إلى تقليص عجز في الميزانية بلغ 98 مليار دولار بفعل تراجع أسعار النفط. وأقبل المستثمرون الأجانب على شراء السندات السعودية وبدأت الحكومة في تحسين الإجراءات الإدارية وتبسيط القواعد التنظيمية وهو ما يبشر بارتفاع معدلات الكفاءة، وتظهر التحركات في أسواق الصرف والسندات أن التكهنات التي ثارت العام الماضي بأن الرياض ربما تتخلف عن سداد ديون أو تخفض قيمة عملتها تبددت بشكل كامل تقريبا.

وصرح محمد التويجري نائب وزير الاقتصاد والتخطيط إن الجهود المبذولة لإصلاح أوضاع المالية العامة تتحرك بوتيرة أسرع من التوقعات المبدئية المحافظة للمسؤولين. وبلغ العجز في الربع الأول من 2017 نحو نصف المستوى الأصلي المتوقع، وأضاف بشكل عام، فإن كل شيء أعلناه وتحدثنا عنه يتجه صوب الاحتمال المحافظ ويتضمن ذلك قدرتنا على تنفيذ كل شئ في موعده وقدرتنا على الاقتراض، ويرى مسؤولون إن الرياض بدأت الآن مرحلة جديدة من الإصلاح تشمل تطوير القطاعات غير النفطية مثل التعدين والخدمات اللوجستية وإصلاح السفن والترفيه وصناعة السيارات والتصنيع العسكري وهو ما يؤدي إلى ازدهار الاقتصاد بصرف النظر عن أسعار النفط.

وتهدف الرياض لجمع ما يزيد عن 200 مليار دولار في السنوات القادمة من خلال بيع حصص في أرامكو السعودية النفطية العملاقة وأصول أخرى. وستضخ حصيلة البيع في قطاعات غير نفطية من خلال كيانات مثل صندوق الثروة السيادية. وسيتم تشجيع الشركات الخاصة على الاستثمار بجانب الحكومة من خلال منحها حوافز مثل القروض الميسرة، وأكد المسؤولون على أنهم سيتحلون بالمرونة في جمع الأموال مستخدمين وسائل تتراوح بين الإدارجات في سوق الأسهم وصفقات الاستثمار المباشر مع الحصافة في إنفاق الحصيلة حيث إنهم سيخصصون الأموال فقط للمشروعات المجدية تجاريا.

وإنه مع خلق الوظائف ونمو الاقتصاد، فإن زيادة الاستثمارات ستبدد أي استياء من جانب السعوديين الذين تتأثر مستويات معيشتهم جراء زيادة الضرائب أو خفض الدعم المطلوبين لتقليص عجز الميزانية، وأظهر حضور المئات من المصرفيين الأجانب والمستثمرين المؤتمر الذي رعته مجلة يورومنى في الرياض اهتماما كبيرا بالصفقات المغرية المحتملة التي تعد بها خطة الإصلاح. لكن كثيرا من المستثمرين ما زالوا حذرين، وعلى وجه الخصوص، فإنهم ليسوا متأكدين من قدرة الحكومة على إنعاش النمو الاقتصادي وهي ترزح تحت عجز في الميزانية. وتعهدت الحكومة بخفض العجز إلى الصفر بحلول 2020 من 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2015.

وتخطط الحكومة لجمع أموال من خلال بيع أصول ولتشجيع الشركات الخاصة على الاستثمار من خلال "الشراكة بين القطاعين العام والخاص" وستعتمد في ذلك على إقناع المستثمرين الأجانب بأن بإمكانهم جني عائد جيد، لكن هذا سيعتمد بعض الشيء على النمو الاقتصادي الذي تباطأ بفعل تقليص الرياض إنفاقها. وتباطأ نمو القطاعات غير النفطية من الاقتصاد ليقترب من الصفر العام الماضي ويقر مسؤولون بأنه سيظل ضعيفا جدا في 2017 ربما عند 0.5 في المئة.

وقد أظهرت بيانات من البنك المركزي أن إقراض البنوك للقطاع الخاص انكمش في مارس آذار على أساس سنوي للمرة الأولى في أحد عشر عاما على الأقل في علامة غير مشجعة على الاستثمار بين الشركات الخاصة، واعترافا بالحاجة إلى النمو، خففت الحكومة خطوة تقشفية كبيرة بإرجاع البدلات المالية لموظفي الحكومة، وأشار مسؤولون سعوديون في المقابلات إلى أن السياسة المالية تهدف إلى تفادي أي انكماش كامل في الاقتصاد. وأفاد جهاد أزعور مدير إدارة الشرق الأوسط بصندوق النقد الدولي هذا الأسبوع إنه يعتقد أن الرياض لديها مجال لمزيد من التخفيف في السياسة المالية إذا دعت الحاجة.

لكن إذا أجرت الحكومة مزيدا من التخفيف في الإجراءات التقشفية فإن الأسواق ربما تقلق مجددا من عجز الميزانية. ولذا فمن المنتظر أن تمضي الحكومة قدما في خطوات جديدة مثل فرض ضريبة القيمة المضافة بواقع خمسة في المئة في يناير كانون الثاني، وهناك مبعث آخر للضبابية يتمثل في شكل الشراكة بين القطاعين العام الخاص والتي ستعقد الوثائق القانونية التي تحدد حجم المخاطر التي سيتحملها مستثمرو القطاع الخاص وكذلك حصتهم المتوقعة من أرباح المشروعات، ولم يتضح بعد متى ستنتهي السلطات من إعداد تلك الوثائق أو ما إذا كان النظام القانوني غير المتطور في المملكة يستطيع تطبيقها بفاعلية أم لا. وبين المسؤولون إنهم سيضعون هياكل شراكة مختلفة لمختلف القطاعات وهو ما قد يفيد المستثمرين لكنه ربما يزيد أيضا من التعقيد والتأخير.

تجميد وتعديل مشاريع بمليارات الدولارات

ذكرت مصادر حكومية إن السعودية وجهت الوزارات والهيئات بمراجعة مشاريع غير منتهية بمليارات الدولارات في البنية التحتية والتنمية الاقتصادية بهدف تجميدها أو إعادة هيكلتها، وأبلغت المصادر أن مكتب ترشيد الإنفاق الرأسمالي الذي أقيم العام الماضي لتعزيز كفاءة الحكومة يضع قائمة بالمشاريع التي لم تصل نسبة إنجازها إلى 25 بالمئة.

ويرجع كثير من تلك المشاريع إلى عقد طفرة أسعار النفط والإنفاق الحكومي الباذخ الذي انتهى عندما بدأ انحدار أسعار الخام منتصف 2014 الذي يزيد صعوبة تدبير الأموال التي تحتاجها الرياض لإتمامها، وسيدرس المسؤولون جدوى هذه المشاريع في ضوء برنامج إصلاح حكومي يهدف إلى تنويع موارد الاقتصاد المعتمد على النفط والبت فيما إذا كان يبنغي تجميدها بشكل نهائي أو محاولة تحسينها.

وأفاد مصدر مطلع على الخطة انه قد يعاد طرح بعض المشروعات للتنفيذ بمشاركة القطاع الخاص ربما عبر عقود الشراء والتشغيل وتحويل الملكية، وبموجب عقود الشراء والتشغيل وتحويل الملكية يقوم المستثمرون من القطاع الخاص بتمويل المشاريع وتشييدها وتشغيلها لفترة من الزمن لتحقيق أرباح ثم نقل ملكيتها إلى الحكومة. وبينت الرياض إنها ترغب في إشراك القطاع الخاص بالمشاريع لتخفيف الضغط عن المالية العامة.

وبغية سد عجز ضخم بالميزانية بسبب أسعار النفط المنخفضة عمدت الحكومة إلى تقليص الإنفاق على البنية التحتية العام الماضي، وكان وزير المالية محمد الجدعان ذكر إن مكتب ترشيد الإنفاق وفر 80 مليار ريال (21 مليار دولار) على المملكة، وتنبئ خطة مراجعة المشاريع غير المنتهية بأن الحكومة تستهدف وفورات إضافية ضخمة هذا العام. وفي تقرير لها نهاية العام الماضي صرحت الحكومة إنها تقدر تكلفة الانتهاء من كل مشاريع الإنفاق الرأسمالي قيد التنفيذي بنحو 1.4 تريليون ريال.

وكانت فيثفول جولد الاستشارية قالت في تقرير في يناير كانون الثاني إن تقديراتها تشير إلى مشاريع حكومية لا تقل قيمتها عن 13.3مليار دولار تواجه خطر الإلغاء في السعودية هذا العام بسب الضغوط المالية وتغير أولويات الحكومة، وانه إن من المرجح أن تعطي الحكومة الأولوية للمشاريع ذات المبرر الاجتماعي والتجاري القوي مثل توليد الكهرباء وتحلية المياه في حين قد يجري تقليص المشاريع الأقل أهمية مثل البنية التحتية الرياضية وبعض أنظمة النقل وربما الطاقة النووية.

توقعات بالحصول على إيردات بنحو 200 مليار دولار من عمليات الخصخصة

صرحمسؤول حكومي رفيع المستوى إن الحكومة السعودية تتوقع جمع نحو 200 مليار دولار في السنوات المقبلة عبر بيع أصول في مؤسسات حكومية في قطاعات من الرعاية الصحية وحتى المطارات، وبين محمد التويجري نائب وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي إن هذا الرقم قائم على أساس دراسات مفصلة للتقييمات وحجم الطلب بالسوق منذ إطلاق خطة الخصخصة قبل عام.

وأضاف أن الترتيبات الإدارية أصبحت مكتملة وأن الحكومة تعتزم البدء في خصخصة بعض الأصول هذا العام في أربعة قطاعات هي الرياضة والكهرباء والمياه وصوامع الحبوب، ومن شأن خطه الإيرادات في حال تحقيقها أن تساعد على تحويل الاقتصاد السعودي عبر إشراك القطاع الخاص في جزء كبير من قطاعاته كما ستساعد على دعم الأوضاع المالية العامة التي تضررت جراء هبوط أسعار النفط، وسجلت السعودية عجزا قيمته 79 مليار دولار في 2016 وتستهدف القضاء على عجز الموازنة بحلول عام 2020.

ومن المتوقع خصخصة مؤسسات حكومية في 16 قطاعا بشكل جزئي أو كلي بحلول عام 2020، ومن بين الأصول التي سيجري طرحها للخصخصة خلال العام الجاري مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث ولفت التويجري إلى أن الحكومة ترى في قطاع الرعاية الصحية فرصا كبيرة للخصخصة وتدرس إمكانية خصخصة كافة المستشفيات العامة ونحو 200 ألف صيدلية.

من جهة أخرى تعثر نمو القطاع غير النفطي في المملكة العام الماضي بعدما دفع هبوط أسعار النفط الحكومة لخفض إنفاقها. ولا تزال الحكومة تكافح من أجل خفض عجز الموازنة وتهدف لاستعادة النمو عبر إقناع الشركات الخاصة بضخ المزيد من الاستثمارات، وأحد العوامل الرئيسية لهذه الاستراتيجية هو برنامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص والذي تتشارك من خلاله الحكومة مع القطاع الخاص في تحمل تكاليف الاستثمار والمخاطر وفي جني الأرباح من المشروعات. ويمكن تطبيق هذا البرنامج في قطاعات تأمل الرياض في تطويرها مثل صناعة السيارات، وتعتزم الحكومة طرح حزمة تحفيز للقطاع الصناعي في الربع الأخير من العام الجاري لدعم القطاع الحيوي وستركز على القطاعات التي تحظى بميزة تنافسية مثل التعدين والأنشطة المرتبطة به، وإن هناك نشاطا متسارعا لكل من صندوق التنمية الصناعي الذي يقدم القروض للشركات الصناعية وصندوق الاستثمارات العامة الذي يستثمر في المشروعات عبر شراء حصص فيها، وذكر عبد العزيز الرشيد وكيل الوزارة للشؤون الاقتصادية إن عمليات الصندوقين من شأنها أن تساعد القطاع غير النفطي على النمو بنحو 0.5 بالمئة هذا العام مضيفا أن هذه النسبة قد تتجاوز خمسة بالمئة في المستقبل.

توقعات بتباطؤ نمو الاقتصاد السعودي

توقع البنك السعودي البريطاني (ساب) التابع لبنك HSBC تباطؤ نمو الاقتصاد بالمملكة إلى 3.7% العام الحالي، مع مواصلة تحسس الضغوط جراء تباطؤ بالاستهلاك المحلي بسبب تصحيح نزولي حاد شهدته مؤخرا سوق الأسهم المحلية، وفي تقرير أعده كبير الاقتصاديين في ساب جون سفاكياناكيس، ذكر البنك إن الشعور بالثراء أدى إلى موجة استهلاك كبيرة بالمملكة عام 2005 جعل الكثير من المستهلكين أكثر حذرا في الإنفاق عام 2006.

وأضاف أن تباطؤ النمو للعام الحالي إلى 3.7% مقارنة مع 4.2% العام الماضي جاء بعد تفاقم التضخم الذي يتوقع وصوله إلى 3.5%، أي ما يقرب من مثلي مستواه العام الماضي، وأشار سفاكياناكيس إلى غياب أرقام رسمية بشأن مساهمة الاستهلاك المحلي بالاقتصاد السعودي، موضحا أن معدل النمو الحقيقي للقطاع الخاص غير النفطي بلغ 6.3% العام الماضي انخفاضا من 6.5% عام 2005، كما أرجع الانخفاض في النمو إلى هبوط نسبته 19.2% بقطاعات مبيعات الجملة والتجزئة والمطاعم، وتراجع نسبته 33.3% بأعمال التأمين والعقارات وخدمات الأعمال والتمويل، ورأى كبير الاقتصاديين في ساب أن هذا الانخفاض يفسر هبوط الإنفاق الاستهلاكي المترتب على انهيار سوق الأسهم، وتكافح سوق الأسهم السعودية (كبرى البورصات العربية) للتعافي بعد عام على بدء تصحيح نزولي حاد جعلها تخسر أكثر من نصف قيمتها.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تقارير اقتصادية)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك