النمو الاحتوائي وفرص تحقيق العدالة والمساواة


منذ أربع سنوات، في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، حذرت كريستين لاجارد، مديرة عام صندوق النقد الدولي، من المخاطر المصاحبة لتزايد عدم المساواة، وهو موضوع يتصدر الآن جدول أعمال السياسات العالمية، ويحظى عمل الصندوق في مجال عدم المساواة بأكبر قدر من الاهتمام، إلا أنه واحد من عدة مجالات جديدة بدأ نشاط الصندوق فيها منذ بضع سنوات. وهناك كلمتان تلخصان أي إطار موحد يغطي كل هذا العمل: النمو الاحتوائي.

فنحن نرغب في النمو ولكننا نريد ضمان النتائج التالية أيضا:

- توافر الوظائف للمواطنين ــ فهي أساس الشعور بالالتحام مع المجتمع والشعور بالكرامة.

- تساوي الفرص المتاحة للمرأة والرجل للمشاركة في الاقتصاد ــ ومن هنا ينبع تركيزنا على قضايا الجنسين.

- تمتع الطبقات الفقيرة والمتوسطة بما يتحقق من رخاء في بلادهم ــ وهو أساس عملنا المعني بالمساواة والرخاء المشترك.

- عدم استحواذ فئة قليلة على ثروات البلاد، كما يحدث عند اكتشاف ثروات طبيعية على سبيل المثال ــ ولهذا يقلقنا الفساد ونهتم بالحوكمة.

- وجود احتواء مالي ــ فهو ما يحدث فرقا في نتائج الاستثمار والأمن الغذائي والصحة.

- اقتسام ثمار النمو، ليس فقط بين أبناء هذا الجيل بل مع الأجيال القادمة أيضا ــ ومن هنا يأتي عملنا المعني ببناء الصلابة في مواجهة تغير المناخ والكوارث الطبيعية.

القواعد والأسس

وباختصار، الخيط المشترك الذي يربط بين كل مبادراتنا هو أنها تسعى لتشجيع الاحتواء ــ أي إتاحة الفرصة لكل شخص كي يحقق لنفسه حياة أفضل. يعالج مفهوم النمو الاحتوائي القصور في معدل النمو الاقتصادي الإجمالي وفقاّ للفكر الاقتصادي الكلاسيكي الذى ساد العالم في أعقاب الكساد العظيم، والذى يرتكز فيه معدل النمو الاقتصادي على العناصر التالية:

- الحرية الاقتصادية والمنافسة الكاملة، وعدم تدخل للدولة في الاقتصاد.

- التراكم الرأسمالي.

- اعتماد الاستثمار على دافع الربح فكلما زاد معدل الأرباح، زاد معدل التكوين الرأسمالي والاستثمار.

- تراكم رأس المال دالة في ( يعتمد على ) كل من معدل الأرباح و الاستثمار.

- إهمال عناصر دالة الانتاج الأخرى.

ويتبنى مفهوم النمو الاحتوائي فكر التنمية الاقتصادية في الاقتصاد الموجه بخطة تنمية اقتصادية ويخفف تحكم رأس المال على باقي عناصر الانتاج الأخرى وإعادة توزيع ثمار النمو عليها. وتختلف التنمية الاقتصادية عن النمو الاقتصادي اختلافاّ جذرياّ في أن:

- التنمية الاقتصادية تستهدف الكيف والكم معاّ، بينما يستهدف النمو الاقتصادي الكم فقط أي الزيادة الكمية في انتاج السلع والخدمات فقط.

- التنمية الاقتصادية ذات بعد اقتصادي واجتماعي، بينما يهمل النمو الاقتصادي البعد الاجتماعي و يركز على البعد الاقتصادي فقط.

- التنمية الاقتصادية عملية هيكلية تعنى بتغيير الهيكل الاقتصادي، بينما يهمل النمو الاقتصادي الهيكلية الاقتصادية و يعنى بالزيادة الكمية في الناتج القومي فقط.

- التنمية الاقتصادية تستهدف عدالة توزيع الدخل وتحسين مستوى المعيشة، بينما يهمل النمو الاقتصادي قضية عدالة توزيع الدخول.

- التنمية الاقتصادية تستهدف خفض معدلات الفقر، بينما يعتمد نموذج النمو الاقتصادي على مجرد ارتفاع متوسط نصيب الفرد من الدخل.

- التنمية الاقتصادية تستهدف إعادة توزيع عوامل الإنتاج بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، بينما يعتمد النمو الاقتصادي وبشكل مطلق على الزيادة الكمية في الانتاج دون اعادة توزيع لعوامل الانتاج.

آليات تحقيق النمو الاحتوائي

تنص آلية تحقيق النمو الاحتوائي على ضرورة اعتماد الأتي :

1 - يعتبر النمو الاحتوائى "Inclusive Growth" نموا قائما على مبدأ مشاركة كافة أطياف المجتمع فى جهود التنمية وفى جنى ثمارها بحيث يشعر به الجميع، وهو نمو احتوائى يدمج ما بين معدلات النمو المرتفعة والبعد الاجتماعى الذى يرتبط بعدالة توزيع الفرص بين المواطنين والأقاليم الجغرافية.

2- تتمثل سياسات النمو الاحتوائى فى شبكات الضمان الاجتماعى بحيث تلبى احتياجات الأطراف الخاسرة، وتوفر لها قدر من الأمان.

3- ويعتمد تحقيق النمو على التدريب التحويلى ومساعدة العمالة على التعافى من فقدان العمل، إذ تساعدهم على التكيف بصورة أسرع عند وقوع الصدمات الاقتصادية، وتجعل فترات البطالة الطويلة أقصر .

4- يمكن للحكومة تقديم تأمين على الأجور للعمالة التى يتم تسريحها وتعمل فى وظائف بديلة أقل أجرا، كما يمكنها إمداد أصحاب الأعمال بدعم على الأجور لتعيين العمالة المسرحة.

5- انتهاج سياسات تتوسع فى إتاحة التمويل للفقراء والطبقة الوسطى بما يساعدهم على جنى ثمار التدفقات الرأسمالية الأجنبية، مع جمع الضرائب بشكل فعال.

6- يركز على اعتماد سياسات تعزز فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية لجميع طبقات المجتمع، من أجل تحقيق مزيد من المساواة فى الفرص.

ومن أجل تحقيق ذلك يجب تعميم الاستفادة من منافع القطاع المالي والعولمة المالية: نحن نحتاج إلى "نظام مالي أكثر أخلاقية وأكثر توجها لاحتياجات الاقتصاد العيني ــ أي نظام مالي يخدم المجتمع وليس العكس. ينبغي انتهاج سياسات تتوسع في إتاحة التمويل للفقراء والطبقة الوسطى بما يساعدهم على جني ثمار التدفقات الرأسمالية الأجنبية. وكثيرا ما أدت زيادة حركية رأس المال عبر الحدود إلى إشعال المنافسة الضريبية على المستوى الدولي وحرمان الحكومات من الإيرادات، ومع انخفاض الإيرادات تواجه الحكومات صعوبة أكبر في تمويل السياسات النشطة وشبكات الأمان الاجتماعي دون فرض ضرائب بالغة الارتفاع على العمل أو ضرائب تنازلية على الاستهلاك. ومن ثم نحتاج إلى التنسيق الدولي لمحاربة التحايل الضريبي والحيلولة دون استحواذ رأس المال على معظم مكاسب العولمة بشكل غير متكافئ. التوزيع المسبق و"إعادة التوزيع": وعلى المدى الطويل، ينبغي اعتماد سياسات تعزز فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية لجميع طبقات المجتمع من أجل تحقيق مزيد من المساواة في الفرص. لكن انتهاج هذه السياسات ليست مهمة سهلة ولا علاجا سريعا يؤتي ثماره بين عشية وضحاها. ومن ثم يتعين اللجوء إلى إعادة التوزيع على المدى القصير لتكون عنصرا مكملا لسياسات "التوزيع المسبق".


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات اقتصادية)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك