كيف أصبح صندوق النقد الدولي لاعبا أساسيا في إدارة الازمات؟

ازمة الديون في امريكا اللاتينية نموذجا

1189 2017-10-09

على خلفية التوسع الهائل في عرض البترودولار في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وبناءاً على الاسلوب الذي اتجهته المصارف الدولية في عمليات الاقراض، سجلت ديون كل من البلدان النامية ارتفاعاً بلغ 600%، خلال العامين 1971- 1972 وزيادة في خدمة ديونها (اي اقساط تسديد الديون واقساط الفوائد على هذا الدين) بلغت 1.100% وكان اجمالي الديون في ذمة امريكا اللاتينية قد سجل بين العامين 1975- 1983 نمواً بلغ معدله السنوي 20.4%، ففيما كان اجمالي ما في ذمة دول امريكا اللاتينية من ديون اجنبية، لايزيد عن 75 مليار دولار، ارتفع اجمالي هذه الديون في العام 1983 ليصل الى مايزيد على 314 مليار دولار امريكي، وعلى الصعيد نفسه، وفيما كانت خدمة الدين السنوية لاتزيد على 12 مليار دولار امريكي في العام 1975 غير انها ارتفعت في ظل معدلات فائدة تتراوح بين 15% و16% ، الى 66 مليار دولار في العام 1982 مسجل ارتفاعاً سنوياً بلغ 10%، وهكذا كانت قد لاحت في الافق وقتذاك ازمة لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية.

فقد كانت المكسيك، البلد الذي تحظى صادراته البترولية اهمية كبيرة في حياته الاقتصادية اول دولة تتعرض لهذه الازمة في امريكا اللاتينية، وان تدهور اسعار البترول بفعل انتشار الكساد على المستوى العالمي، والارتفاع السريع بمعدلات الفائدة الامريكية كانا قد تركا بصمتهما على المكسيك على النحو الشديد في قسوته، على صعيد اخر سحب مستثمرون اجانب 55 مليار دولار بين العامين 1979 – 1982 وخسر البيزو العملة المكسيكية حتى فبراير 1979 مايساوي 67% من قيمتها وحينما امتنعت مصارف اجنبية في صيف العام 1982 عن منح قروض جديدة كانت البلاد خائرة القوى وعلى وشك السقوط في الهاوية المالية.

لقد اجتمع وفد من المكسيك مع كل من رئيس المصرف الامريكي ووزير الخزانة الامريكية ورئيس صندوق النقد الدولي، وفي هذا الاجتماع اكد الوفد المكسيكي ان المكسيك ماعادت قادرة على سداد ما في ذمتها من التزامات مالية، وانه لهذا السبب يناشدوهم الموافقة على تعليق تسديد اقساط خدمة الدين في الاشهر الثلاثة القادمة، ومن خلال الجرد الفوري للخزينة الحكومية الذي اوصى به المجتمعون بين ان الوضع اكثر وخامة مما كان يتوقعون، اذ اظهر الجرد ان اجمالي ما في ذمة المكسيك من ديون مقابل مصارف العالم التجارية يبلغ 80 مليار دولار امريكي، وكانت الاطراف الرسمية في واشنطن وقيادات الــــ ((وول ستريت)) وصندوق النقد الدولي على علم اكيد بحقيقة مفادها :ان التوقف عن تسديد ديون بهذه القيمة الكبيرة يمكن ان يؤدي الى انهيار مصارف امريكية واوربية ويابانية متعددة، والى تعرض النظام المالي العالمي لنتائج وخيمة، غير محسوبة.

حقيقة دور الوسيط

استدعى رئيس صندوق النقد الدولي جاك لاروزبير في الحال، ممثلي 800 مصرف للمشاركة في اجتماع طارئ في نيويورك، وكان هذا الاجتماع من اجل كيفية الحيلولة دون اعلان المكسيك افلاسها؟ ومن اجل اجتياز بضعة اسابيع على الاقل، من دون اعلان الافلاس، وافقت المصارف المركزية التابعة لعشرة بلدان غربية، وبنك التسويات في مدينة باز السويسرية، على تنفيذ "حزمة اجراءات مالية" قصيرة المدى، ومارس الصندوق، من ثم وبشكل رسمي دور"الوسيط" بين المكسيك والمصارف التجارية.

اكد صندوق النقد الدولي في وقت لاحق انه نجح في "انتزاع" قروض قيمتها 5 مليارات دولار من المصارف التجارية بغية توظيفها في استقرار المكسيك، وانه هو نفسه، على اتم الاستعداد "لمساعدة" المكسيك من خلال تقديمه ماقيمته 3.3 مليار دولار، ان الحقيقة التي تخفت خلف هذه الصياغات الزائفة، كانت على النحو التالي: من اجل ضمان قدرة المكسيك على تسديد اقساط خدمة الدين، ماكان لدى المقرضين غير خيار واحد لاغير هو منح البلاد قروضاً جديدة، بيد ان هذه القروض لم تمنح من اجل انقاذ المكسيك، بل تلبية لتحقيق مصالح المصارف التجارية نفسها، كما انها ارتبطت، وبمساعدة من قبل صندوق النقد الدولي، بشروط عززت، على نحو قوي، سلطان هذه المصارف، وساعدتها على تحصيل مستحقاتها من الشركات المكسيكية بيسر مقارنة بما كان ممكنا في سابق الزمن.

وكان الصندوق من ناحيته قد اعد العدة ليس لتقديم قرض بمقدار 3.3 مليار دولار فقط، بل بربط تقديم هذا المبلغ بتنفيذ صارم لبرنامج تكيف هيكلي لاقتصاد المكسيك تمخضت عنه سلبيات كثيرة من خلال التكيف الهيكلي الذي فرض على المكسيك من قبل صندوق النقد الدولي منها، الغاء دعم اسعار سلع غذائية اساسية، دأبت الحكومة على تقديمه سابقاً، الخفض الكبير في مستوى الاجور الحقيقية، على خلفية هذه الاجراءات ، وبناءاً على استمرار التضخم بمعدلات عالية، طوال الاعوام الاربعة التالية، تراوحت بين 60 و90% سنوياً، انخفض المستوى المعيشي لفئات عريضة من سكان المكسيك، وصار عدد كبير منهم فقراء معدمين، يقاسو ابشع ظروف العوز. انهيار اقتصاد البرازيل وتدخل الصندوق

وفي ديسمبر من العام 1982 اعلنت البرازيل، ايضاً تعليق تسديد اقساط خدمة ديونها الدولية، وكما كانت الحال في مجمل امريكا اللاتينية، كانت البرازيل تعاني وطأة تزامن ارتفاعات كبيرة في معدلات الفوائد الامريكية، مع تراجع مفاجئ في حجم الصادرات، وذلك على خلفية الكساد الذي خيم على النشاط الاقتصادي عالمياً، وبسبب تصاعد معدلات التضخم، وهناك ايضاً، تدخل الصندوق بلا تأخير، واجبر الحكومة على تنفيذ برامج تقشف مالي صارم، وذي اثار سلبية، بالنسبة الى الموطنين العاديين ، وانتهز في غضون ذلك فرصة ضعف الحكومة، فراح يطالبها بالغاء الضرائب المفروضة على البضائع المستوردة، علماً ان الحكومة كانت تسعى من خلال هذه الضرائب، لحماية المشاريع البرازيلية المتوسطة الحجم في المقام الاول، من سلطان مالدى المشاريع الدولية العملاقة من قوة تنافسية عظيمة.

اهداف الصندوق

وخلافاً لكل التأكيدات المعلنة، لم يكن هدف الصندوق في المقام الاول، مساعدة الاقتصاد المكسيكي او البرازيلي، على تخطي الازمة والتعافي من ويلتها، بل كان يتركز على تمكين الصندوق نفسه، بغير مبالاة، وبلا رحمة، من جني الثمار الناشئة على خلفية الازمة الاقتصادية والمالية، المخيمة على البلدين ان هدفه الوحيد كان يكمن على اعادة قابلية البلدين لتسديد مافي ذمتهما من قروض والاستفادة من الازمة لتحسين شروط الاستثمار وفرض جني الارباح امام المشاريع والمصارف الاجنبية العملاقة.

ولما كانت اسباب الازمة ذات طبيعة عالمية اصلاً، لذا فأنها ازدادت تفاقماً وتعاظمت اتساعاً على نحو مطرد، فحتى اكتوبر من العام 1983، اضطرت 16 دولة من دول امريكا اللاتينية الى اعادة هيكلية ديونها، علماً ان اكبر الدول في هذه المجموعة ( المكسيك والبرازيل والارجنتين) كانت ديونها مقابل قطاع المصارف التجارية قد بلغت 176 مليار دولار امريكي، وان 37 مليار دولار من هذا المبلغ كانت ديوناً في ذمة البلدان لمصلحة اكبر اربعة مصارف امريكية، وعلى المستوى العالمي ارتفعت ديون الدول النامية مقابل المصارف التجارية الى 239 مليار دولار امريكي.

وفي كل الحالات، تدخل الصندوق كأنه فرقة مطافئ تمارس عملها على مستوى العالم اجمع، واخذ يكره بلداً بعد اخر على الانصياع لبرنامج التكيف الهيكلي المعد من قبله، وجرى تبادل الاراء واقرار الخطوات الفعلية لتفيذ الاجراءات المطلوبة في رحاب نادي باريس، هذا النادي الذي اخذ دوره يزداد اهمية عاماً بعد اخر، ففيما عدد الاتفاقيات التي ابرمها النادي مع الدول المدينة اربع اتفاقات لاغير في المتوسط بين العامين 1956 و1980، ارتفع هذا العدد ابتداء من العام 1982 الى عشر اتفاقيات في العالم وبلغ عدد الاتفاقيات الذروة في العم 1989، اذ بلغ عددها اربعا وعشرين اتفاقية.

ان صندوق النقد الدولي الذي يؤكد ممثلوه رسمياً، وفي كل مناسبة، انهم يبذلون قصارى جهدهم من اجل استقرار اقتصاديات الدول النامية، نعم ان هذا الصندوق نفسه قد ساهم الان في اشاعة الاضطرابات في هذه الاقتصاديات، وذلك من خلال الاجراءات التي نفذها على نحو فعال وبكل وعي وارادة، وخلال العامين 1980 و 1993 جرى في 70 بلد نامياً تنفيذ 566 برنامجا من برامج التكيف الهيكلي وبرامج التثبيت الاقتصادي، وحتى مايو 1998 اقدم 18 بلد على الدخول في مغامرة السندات برادي، بقيمة بلغت 190 مليار دولار وفي كل الصفقات التي تمت في رحاب نادي باريس، كان الصندوق يقف عوناً يقدم خدماته لنفس الشركاء النخبة الاقتصادية التي يحابيها رأس المال الدولي تلبية لمصالحة الخاصة، والحكومات.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات اقتصادية)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك