الشعبوية بين الفهم الاقتصادي والتسويق السياسي


تُعرف الشعبوبة بأنها الفلسفة السياسية التي تدعم حقوق الشعب ونفوذه، وعادة مايكون ذلك في مواجهة النخبة صاحبة الامتيازات، اما الآن جرنيسبان رئيس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي فيرى في الشعبوية الاقتصادية، بأنها رد من الشعب الذي جرى إفقاره على المجتمع المقصّر، وهو ذلك المجتمع الذي يتميز بوجود نخبة اقتصادية ينظر الى افرادها على أنهم قامعون. وفي ظل الشعبوية الاقتصادية تخضع الحكومة لمطالب الشعب، مع قليل من الاهتمام بالحقوق الفردية أو الواقع الاقتصادي الخاص بكيفية زيادة ثروة البلاد أو حتى الحفاظ عليها.

بعبارة أخرى، يكون هناك تجاهل تام للنتائج الاقتصادية العكسية للسياسات، عمداً أو بدون قصد، وكما هو متوقع فأوضح ماتكون الشعبوية في الاقتصادات ذات المستويات العالية من تفاوت الدخول، كما في أمريكا اللاتينية، والواقع أن التفاوت في اقتصادات أمريكا اللاتينية كافةً من بين أعلى المستويات في العالم، فهي أعلى بكثير من أية دولة صناعية، وأعلى بشكل خاص من أي من اقتصادات شرق آسيا.

تسعى الشعبوية الاقتصادية الى الاصلاح، وليس الثورة، وموقف ممارسيها واضح بشأن المظالم الواجب معالجتها، غير أن وصفات علاجهم تتسم بالغموض، فعلى عكس الرأسمالية أو الاشتراكية، لاتأتي الشعبوية الاقتصادية معها بتحليل محدد الشكل للشروط الواجب توافرها لخلق الثروة ورفع مستوى المعيشة، كما أنها ليست وليدة فكر، بل هي بالاحرى صرخة ألم، اذ يقدم الزعماء الشعبويون وعوداً لا لبس فيها لعلاجالمظالم المتصورة، واعادة توزيع الاراضي ومحاكمة النخبة الفاسدة التي يزعمون أنها سرقت الفقراء، اذ يعد الزعماء بالارض والمسكن والمأكل للجميع، كما أن العدالة مرغوبة بشدة وقابلة لاعادة التوزيع.

وبالطبع فإن الشعبوية الاقتصادية بأشكالها المختلفة رأسمالية السوق الحرة، ولكن هذا الموقف خاطىء من أساسه، ويقوم على أساس فهم للرأسمالية، اذ إن الاقتصاديين الشعبويين تكون فرصتهم أفضل لتحقيق أهدافهم من خلال المزيد من الرأسمالية وليس الأقل منها، مثال ذلك (النموذج الشعبوبي الامريكي بقيادة دونالد ترامب والنموذج الشعبوي الفرنسي مارين لوبان)، فحيثما كان هناك نجاح، أي حيثما ترتفع مستويات معيشة الاغلبية يكون لمزيد من الاسواق المفتوحة والقدر الأكبر من الملكية الخاصة دور مهم.

تتخيل الشعبوية الاقتصادية عالماً أكثر استقامة يبدو الاطار المفاهيمي صرفاً عن الحاجة الواضحة والملحة، ومبادؤها بسيطة، فاذا كانت هناك بطالة، فحينئذ ينبغي على الحكومة توظيف العاطلين، واذا كان النقد شحيحاً وكانت أسعار الفائدة مرتفعة نتيجة لذلك، ينبغي على الحكومة وضع حد أقصى لأسعار الفائدة أو طبع المزيد من النقود، واذا كانت السلع المستوردة تهدد فرص العمل، فعلى الاستيراد أن يتوقف.

تقدم الشعبوية وعوداً كبيرة بدون أن تاخذ في الاعتبار كيفية تمويلها، وفي كثير من الاحيان تؤدي الوعود الى نقص في العائدات المالية وتجعل من المستحيل الاقتراض من القطاع الخاص او المستثمرين الأجانب، ويؤدي هذا في الغالب تقريباً الى اعتماد يائس على بنك مركزي يقوم بدور الصراف، وباستمرار يطلق تزايد مطالبة البنك بطبع النقود لزيادة القدرة الشرائية للحكومة شرارة عاصفة التضخم المفرط النارية، وكانت النتيجة على مر التاريخ هي الاطاحة بالحكومات والتهديدات الشديدة للاستقرار المجتمعي، وقد ميز هذا النمط واقعة تضخم البرازيل في عام 1994، والارجنتين عام 1998 وغيرها، وكان تأثير ذلك على مجتمعات تلك البلدان مدمراً، ويؤكد الاقتصاديان الدوليان رودجر دورنبوش وسيباستيان ادواردز أنه (في نهاية كل تجربة شعبوية تكون الاجور الحقيقية أدنى مما كانت عليه عند بدايتها).

الشعبوية المرتبطة بالحقوق الفردية، هي مايسميه معظم الناس الديمقراطية الليبرالية، ومع ذلك يشير اصطلاح الشعبوية الاقتصادية كما يستخدمه معظم الاقتصاديين ضمناً الى ديمقراطية فيها نعت الحقوق الفردية مفقود الى حد كبير، وعندما يمكن لـ 51% من المجتمع تجاهل حقوق الـ 49% المتبقية بشكل قانوني، فأن الديمقراطية المطلقة تؤدي الى الطغيان، وبعد ذلك أصبح المصطلح مستهجناً عندما طُبق على أشخاص مثل الرئيس الارجنتيني خوان بيرون الذي يعد مسؤولاً في نظر العديد من المؤرخين عن تدني الوضع الاقتصادي في الارجنتين.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات اقتصادية)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك