مدارس الهِرمينوطيقا والحقائق الست

من كتاب: نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة


ولكي تتضح أكثر فأكثر، مواطن النفي والإثبات والأخذ والرد في المباحث الهِرمينوطيقية، بين المؤيد والمعارض، ولكي تفرز بوضوح مفاصل البحث، لابد من أن نشير إلى هذه الحقيقة، وهي أنه لدى التحليل الدقيق لكل نص أو رمز أو علامة أو لكل عمل وفعل وحركة، فإننا نجد أنه توجد هنالك محاور وحقائق ستة:

أ: نفس النص أو الرمز أو الفعل والحركة أو الحادث والظاهرة، ومداليلها أو محتوياتها ومضامينها الثبوتية أو النفس أمرية، الأعم من المطابقية والتضمنية والإلتزامية، والأعم من دلالة الاقتضاء ودلالة الإيماء والإشارة وغيرها، وهذا ما يتكفل به علم اللغة، وعلم فقه اللغة، وعلم الأصول والعلوم الأدبية وشبهها، وهذا هو ما يعبر عنه البعض بـ (الموضوعية).

ب: كاتب ذلك النص أو منتجه أو صانع تلك الأحداث والأفعال أو خالقها: ما هو قصده من هذا (النص)، وما هي العوامل التي تتحكم في بناء شخصيته أو تشكل منظومته المعرفية؟

وهذا هو ما يشكل مفارقة كبيرة بين من يؤمن بنظرية "موت المؤلف" وعزله كلياً عن مداليل النصوص، وبين من يؤمن بالحضور الجوهري للمؤلف في مفادات النص ومداليله، وأنه لا يمكن تفسير النصوص إلا عبر دراسة شخصية المؤلف وخصوصياته.

ج: الدارس لذلك النص والمتأمل فيه والمطالع له والمتبحر فيه أو المفسر له، بما يمتلكه من فهم وذكاء وبما يتميز به من خلفيات نفسية وقبليات فكرية، ومسبقات معرفية (وهذا هو ما تحاول بعض مدارس الهِرمينوطيقا إثبات تلاحمه جوهرياً مع الحقيقة الأولى وأنه لا يوجد معنى للنص إلا وهو متمازج في عمقه مع شخصية دارسه)، وهذا هو ما يعبر عنه البعض بـ(الذاتية) كما يصح إطلاق الذاتية على الحقيقة الثانية السابقة.

د: الأدوات والمناهج التي يستخدمها (المفسر) في تفكيك النص وتحليله ودراسته وبالتالي (فهمه)، وكذلك (الضوابط) التي تضمن الوصول إلى حقيقة النصي، وهذا هو ما يتطرق له علم التفسير والتأويل وعلم المنطق والأصول، كما أن بعض الهِرمينوطيقيين حاول نقل بحوثها إلى هذا الحقل بالذات.

هـ: الجهة الأخرى (المحايدة) التي تقوم بتقييم موضوعي لتفسير أي مفسر لأي نص من النصوص واستنتاجاته، ومدى مطابقة النص للواقع، وكاشفيته عما في ضمير المؤلف أو مرآتية للقارئ والمفسر.

و: الواقع العيني، وعالم الثبوت، ونفس الأمر، الذي يعد (النص) جسراً له، ومرآة، وكاشفاً عنه.

وهذا ما نرى أنه قد أغفله الهِرمينوطيقيون، عند تناولهم الحقائق الخمس الأولى أو بعضها بالدراسة!؛ إذ يحق للباحث مثلاً أن يناقش هرمينوطيقا مثل (غادامير) بأن نظريته الهِرمينوطيقية ترتد عليه وتحاكمه، عند دراسته لشخصية المؤلف وعند تأسيسه لقاعدة (أن الأهواء والنوازع ـ بالمعنى الحرفي ـ...)(1)، فلا تعود لدراسته هذه ونصوصه قيمة علمية خالصة ومطلقة بل ستكون نسبية، ولا تدل إلا على أن أهواءه ونوازعه ـ حسب قناعاته هو ـ هي التي تحكمت في صياغة نصوصه وهي التي كانت وراء إنتاجاته العلمية ودراساته الفكرية وغيرها.

تفسيرات قاصرة:

وعلى ضوء ذلك كله، ندرك مدى النقص والقصور الذي تعانيه التفسيرات التالية:(2)

1. من مختصات الأساطير

(بُول ريكورد الذي جعل الهِرمينوطيقا من مختصات المعاني الكامنة في الأساطير والرموز).(3)

2. تجاوز المناهج

يؤكد غادامير على ضرورة تجاوز المناهج، لتحليل عملية الفهم نفسها، في فعالياتها وملابساتها التاريخية، مادامت كل المناهج ـ بما في ذلك العلمية ـ تتأسس في العمق على التفكير التأويلي).(4)

وسيظهر لنا في مطاوي الكتاب عدم صحة تجاوز المناهج، وأن عملية الفهم نفسها ستصاب بالتعثر والقصور والخطأ مع تجاوز المناهج العقلائية.

كما أن تحليل عملية الفهم، لا يمتلك ضمانة الصحة مادام غير خاضع لمنهج علمي سليم، وإلا سيكون تحليلاً إرتجالياً وغير علمي، أي أن تحليل عملية الفهم لا يكفي للوصول إلى الحقيقة بدون ضمائم أخرى كسلامة المنهج بنفسه.

كما سيظهر لنا أن المناهج لا تتأسس بأجمعها على التفكير التأويلي، كما سيظهر أن التفكير كاشف عن (المناهج) وأنه إن أصاب، فصحيح، وإلا فخطأ، فالتفكير مرآة عن الواقع وليس صانعاً له وأن التفكير لو (أوجد) منهجاً، فإن إيجاده له واختراعه ليس مقياساً لصحته، بل مطابقته لما يكشف عنه في عالمه.(5)

3. إلغاء الميتافيزيقا

(وقد أكد كونت ـ اوغست كونت ـ بناء على هذه القضية: أن الميتافيزيقيا "أي التعاليم عن جوهر الظواهر" ينبغي أن تلغى)(6)

وقد ناقشنا ذلك في مبحث آخر، ونقتصر هنا على القول بأن إلغاء التعاليم عن جوهر الظواهر يعني إلغاء اللبنات الأولى الأساسية لكل علم ومعرفة؛ إذ ألا يعني ذلك إلغاء قانون (العلية) مثلاً؟

ثم هل يعقل أن تلغى الحقائق والمعارف والعلوم، بقرار؟ وأليس ذلك مثل إلغاء علم الرياضيات، بقرار؟ ومن هو الخاسر عندئذٍ: الجاهل الملغي، أم العالم الباحث؟

نعم، يحق له أن يقول: إنني شخصياً لا تهمني المعارف الماورائية والميتافيزيقية ولا أثق بها، ولا أرى طريقاً إليها، لكن ليس له الحق في أن يلغي حق الآخرين في التعرف على تلك المعارف واكتناه بعض أسرارها.

وأليس مثله كمثل المهندس أو الرياضي الذي لا يهتم أو لا يثق بالعلوم الإنسانية كالاقتصاد والاجتماع والنفس، فيدعو إلى إلغائها بالمرة؟

هذا كله إضافة إلى أن (الميتافيزيقا) ليست (تعاليم) بل هي (معلومات) ثم إنها ليست خاصة بـ(جوهر الظواهر) بل هي أشمل وأعم، بل مجالها الأول هو الحقائق الغيبية، وما وراء الظواهر، بل إن (جوهر الظواهر) ليس بالضرورة أمراً ميتافيزيقاً، بل هو ـ في غالب مفرداته ـ أمر مادي، إلا أن يريد من الجوهر ـ مجازاً ـ الأعم.

4. فهم النص أو فهم الفرد؟

(ومن هنا كان "شلاير ماخر" يرى أن فهم النص هو فهم الفرد، وليس فهم قاعدة أو قانون معين).(7)

لكن هذا النص يعاني من إشكالات عديدة:

أولاً: إن (التأويل) قد يتوقف على فهم الفرد، أما (التفسير) فلا(8)، وبكلمة أخرى: (الإرادة الجدية) قد تتوقف، أما (الإرادة الاستعمالية) فلا.(9)

ثانياً: إن النص قد تكون له، في كثير من الأحيان، شخصية استقلالية، ولذا نجد العقلاء يحكمون على كثير من النصوص، بمفاداتها ومدلولاتها الظاهرة، حتى لو أنكر المؤلف أو المتكلم ذلك وادعى أنه يقصد شيئاً آخر، شعورياً أو لا شعورياً، ولولا ذلك لأمكن لكل دولة في إتفاقياتها الدولية، ولكل شركة في عقودها، ولكل شخص في إلتزاماته الكتبية أو الشفوية، أن يتهرب متسلحاً بسلاح أنك لم تفهمني جيداً وأن (فهم النص هو فهم الفرد) وحيث إنك لم تفهمني جيداً (أنا كفرد أو كشركة أو كدولة) ولم تطلع على كل خلفياتي النفسية ومسبقاتي الفكرية وأفقي المعرفي، لذلك فإنك لم تفهم (النص) الذي كتبته ووقعته وبالتالي ليس هذا النص وهذا الإتفاق ملزماً لي؟

ثالثاً: إن فهم النص لا يعني بالضرورة ـ بل قد لا يرتبط بالمرة بـ ـ فهم الفرد في حقل الكثير من العلوم، كعلوم الرياضيات، والفلك والفيزياء والكيمياء، بل علم الكلام والفلسفة في الكثير من المسائل على الأقل.

رابعاً: إن فهم النص لا يتوقف دائماً، على فهم الفرد حتى في العلوم الأدبية والتاريخية والاجتماعية والنفسية، إذ من الواضح أن الإنسان يفهم الكثير من الكتب والنصوص حتى لو جهل الكاتب تماماً، والتجربة أكبر برهان.

5. تعديل معطيات اللغة

(ولكن المؤلف من جانب آخر ـ يعدّل من معطيات اللغة تعديلاً ما، إنه لا يغير اللغة بكاملها، وإلا صار الفهم مستحيلاً، إنه ـ فحسب ـ يعدل بعض معطياتها التعبيرية ويحتفظ ببعض معطياتها التي يكررها وينقلها، وهذا ما يجعل عملية الفهم ممكنة).(10)

ونجد من مكامن الخلل في هذا النص:

أولاً: إن الاطلاق والشمول في قوله (ولكن المؤلف يعدّل من معطيات اللغة...) غير صحيح؛ إذ أن من البديهي أن أكثر مفردات اللغة، تحمل دلالات ثابتة، واضحة، ومحددة، فالتغيير يتحدد ببعض الألفاظ والمصطلحات فقط.

ثانياً: نتساءل: هل هذا (التغيير) الذي يمارسه المؤلف منهجي ذو ضوابط وأسس، أو غير منهجي؟ فإن كان منهجياً، منضبطاً، فهو علمي، وصحيح، وإلا فإنه غير علمي، وخطأ.

ثالثا: إن هذا التغيير ليس في جوهر المعنى دائماً، بل قد يكون في الأطراف والحواشي والمكتنفات، وقد يهم وقد لا يهم.

رابعاً: إن هذا التغيير في أغلب الأحيان يبقى شأناً خاصاً بالمؤلف، ولا يسري إلى (النص) أبداً، وقد يكون من قبيل التداعي الحر للمعاني، وإذا كان هنالك من يهتم به فهو أمثال علماء النفس والمخ والأعصاب فقط.

خامساً: إن هذا التغيير يقتصر عادة على ذوي الأذهان الحادة الخلاقة، أو ذوي النفسيات المضطربة، أما عامة المؤلفين(11) فإنهم ينقلون المعاني في ضمن قوالبها اللفظية الثابتة من دون أعمال اجتهاد أو تطوير أو تحوير أو أي نوع من التغيير، ثم إن ذوي الأذهان الخلاقة، لابد لهم من وضع علامات ودلالات على نمط التغيير الذي أحدثوه وإلا كان عملهم غير منهجي وغير علمي.

6. تفسيرات ناقصة

كما نجد أن بعض تفسيرات الهِرمينوطيقا لو لاحظنا بمفردها بمعزل عن سائر الإلحاقات بها، هي تفسيرات ناقصة وإن كانت صحيحة، ولنكتف ببعض الأمثلة فقط:

مثلاً يعتبر شلاير ماخر (1768ـ1834) أن (الهِرمينوطيقا هي بمثابة منهج يهدف إلى كبح خطر سوء الفهم) لكن السؤال هو ما هو هذا المنهج؟ ومن وما الذي يحدده؟ وما هي ضمانات سلامته وصحته؟

أو تعريفها بـ(فن إمتلاك كل الشروط الضرورية للفهم)(12)، لكن (فهم النصوص) ليس هو المحور الوحيد، بل (الواقع) هو المحور الموازي، بل الأصيل، أي أنه هو المطلوب بالذات وفهم النص هو المطلوب بالتبع، أو فقل الفهم والنص مرآة، والواقع هو المقصود والهدف في الغالب.

(وعلى يد شلاير ماخر إذن تخلّت الهِرمينوطيقا عن مهمتها الأولى المتمثلة في متابعة المعنى، لتصب جل اهتمامها على وضع القوانين والمعايير التي تضمن الفهم المناسب للنصوص، أياً كانت هذه النصوص في تحققها الملموس)(13)، لكن ذلك ليس بالأمر الجديد، ولا هو من مبتكرات الهِرمينوطيقا الحديثة، فإن وضع المعايير والقوانين هو ما اضطلع به علماء التفسير وعلماء التأويل، حيث وضعوا ضوابط كثيرة لكل منها، كما اضطلع به علماء الأصول، كما ذكر سلسلة كبيرة من القواعد، علماء المنطق، والكلام، وفقه اللغة.

مدارس الهِرمينوطيقا

وقد اتضح لنا أن الهِرمينوطيقا مدارس عديدة:

فبعضها: يرى الأولوية والمحورية المطلقة، لشخصية المفسِّر ومسبقاته الفكرية وخلفياته المعرفية.

وبعضها: يمنح الأولوية المطلقة، للنص متغافلاً عن، أو ملغياً دور المؤلف وقصده.

وبعضها: يعطي الأولوية المطلقة لقصد المؤلف وشخصيته، وبواعث صناعته للنص.

وبعضها: يعطي الأولوية المطلقة للمناهج والأدوات المستخدمة في تفكيك النص وتحليله ودراسته.

وبعضها الآخر: يمزج عاملين أو أكثر، ويعطي درجات فاعلية لأحدها، أكثر أو أقل، من الآخر.

إن ما يعنينا من ذلك كله، ليس دراسة كل ما قيل في كل تلك المدارس، بل سيتركز الحديث حول:

أ: نسبية المعرفة والحقيقة واللغة، بشكل عام.

ب: موقع النص ومحوريته ومرجعيته، والمرجعيات الرديفة، في إطار نصوص القرآن الكريم ونصوص الرسول الأعظم وأهل بيته الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم.

نعم سيتضمن البحث إضاءات حول مختلف تلك المدارس.

* من الفصل الثاني لـ كتاب (نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة)
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/arabic/author/10

......................................
(1) نقلنا نصوص كلامه في فقرة أخرى من هذا البحث.
(2) وتفسيرات أخرى ذكرناها في مطاوي الكتاب، فلاحظ.
(3) معتصم الشيخ أحمد, الهِرمينوطيقا في الواقع الإسلامي: ص26.
(4) من فلسفات التأويل: ص36.
(5) سنناقش هذه النقطة بالذات عند تحليل كلام كانط حول سبب يقنية وصوابية الرياضيات في رأيه.
(6) الموسوعة الفلسفية، أوغست كونت: ص397.
(7) معتصم الشيخ أحمد, الهِرمينوطيقا في الواقع الإسلامي, مصدر سابق, ص29.
(8) في غالب الأحيان، على الأقل.
(9) ويمكن تسمية الإرادة الاستعمالية بـ(الدلالة التصورية) الثانية والإرادة الجدية بـ(الدلالة التصديقية) الثانية.
(10) إشكاليات القراءة وآليات التأويل: ص21.
(11) ممن يعبر عنهم بـ (اوردنلي بيبل) أو (نورمال بيبل).
(12) من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة: ص17 الطبعة الأولى 2007.
(13) المصدر السابق, ص25.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (عقائد)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك