هل سيأتي يوم ويفنى الدين؟

1186 2016-12-22

راشل نوور-دين اونلاين/ترجمة: زهراء حيدر وحيدي

 

ملايين من الناس حول العالم يؤمنون بأن الموت هو النهاية الحتمية للحياة، ويعيشون تحت إطار الإنكار الوجودي لله ولعالم الآخرة، ومع الأسف نلاحظ بأن هنالك إنتشار متزايد لهذه الأفكار، يقول فيل زاكرمن (phil Zuckerman) أستاذ في علم الإجتماع وباحث في الفكر العلماني في جامعة بيتزر (pitzer collage) كاليفورنيا، ومؤلف كتاب الحياة العلمانية (living the secular life): بأن هنالك تزايد ملحوظ لنسبة الملحدين في العالم، ووفقاً لإحصاءات جالوب الدولية (Gallup international survey) التي جرت في57 دولة شملت آراء 50 الف شخص، على إن عدد المؤمنين كان 77% في سنة 2005، وإنخفضت هذه النسبة الى 68% في عام 2011، وفي المقابل تزايد عدد الملحدين قرابة 3% لتصل نسبتهم الى 13% في العالم.

هذا يعني بأن الإلحاد لا يمثل النسبة الغالبة مقارنة بالإيمان، ولكن ماذا سيحدث اذا استمر هذا العدد بالتزايد؟.

لقد إستمر الباحثون في دراسة العوامل التي من الممكن أن تؤدي الى الإلحاد، ووجدوا بينها قاسم مشترك ضئيل، فالجدير بالملاحظة بان الدين يمنح الشعور بالطمأنينة للناس في ذروة إنعدام الأمن. ومن البديهي ان نلاحظ زيادة نسبة الإلحاد في الدول التي تتمتع بثبات إقتصادي وسياسي.

يقول "زاكرمن" بأن الأمن في المجتمعات من الممكن ان يؤدي الى ضعف العقائد الدينية، ومن الواضح بإن للرأسمالية، والتكنولوجيا، والإستفادة من العلم له علاقة بضعف الدين.

أزمة الدين:

تعد اليابان وتليها بريطانيا، كندا، كوريا الجنوبية، هولندا، التشيك، استونيا، المانيا، فرنسا، اورغواي، من الدول التي كانت قبل قرن من الوقت الحالي تكن أهمية كبيرة للدين، اما الآن فهي من أكثر الدول التي تعاني من الضعف الديني والعقائدي.

تمتلك هذه الدول أنظمة تعليمية عالية، كما إنها تتمتع بأمن إجتماعي قوي ومحكم، وتعد من اغنى الدول في العالم.

ويضيف "زاكرمن" بأن هنالك دول قليلة جدا نلاحظ فيها تزايد نسبة التدين في الأربعين او الخمسين سنة التي مضت، وقد تكون ايران من إحدى هذه الإستثناءات التي أتحدث عنها، ولكن لايمكن أخذ هذا الكلام بعين الإعتبار ولايعتبر دليلاً قاطعاً على ذلك، لأن هنالك مجموعة من العلمانيين الذين لايظهرون عقائدهم وأفكارهم بصورة مباشرة في الساحة.

وتعتبر امريكا ايضا من هذه الاستثناءات، لكونها من أغنى البلدان في العالم، وتمتلك نسبة عالية من المتدينين، ولكنها ايضا لاتخلو من الملحدين الذين باتت أعدادهم في تزايد مستمر.

يقول ارا نورنزايان (Ara Norenzayan) عالم نفس وإجتماع في جامعة بريتيش كلمبيا: تضاؤل الدين ليس دليلاً على زواله، ففي السنوات القادمة ستحدث تغيرات إقليمية وكوارث طبيعية تؤدي الى فقدان العديد من المصادر الطبيعية، ومن الممكن أن يتعرض الإنسان الى معاناة ومشاكل عديدة وهذا بالمقابل سيؤدي الى زيادة نسبة المتدينين وترسيخ العقيدة الإلهية بشكل كبير في نفوسهم.

فالإنسان بطبيعته يريد التخلص من المعاناة والألم بأي طريقة، فلن يجد حينها ملجئاً امناً سوى الدين والرجوع الى الله.

أفكار الملحدين:

حتى وان وصلت معضلات العالم ومشاكلها الى حلول بإعجوبة، وعاش العالم في سلام وصلح أبدي فهذا ليس دليلاً واضحاً على وصول الدين الى النهاية، لأن على ما يبدو بان الله سبحانه وتعالى جعل له منفذاً في جهازنا العصبي.

وهذا يتطلب فهم النظرية العملية المزدوجة (Dual process theory)، فعلى أساس هذه النظرية وعن طريق العلوم النفسية نستنتج بأن العقل يتكون من طريقتين للتفكر، النظام1، والنظام 2. النظام2 هو نفس الصوت الذي يتكلم معنا بشكل دائم (المتكلم الذي لايصمت أبدا) والذي يمنحنا التنظيم والتفكير المنطقي والسليم.

اما النظام1، هو التفكر او الحدس الغريزي الفطري، والذي يتضمن الأفكار التي تأتي للإنسان على حين غرة، ويخلق من الفكر ردود أفعال غريزية كردة الفعل الذي يبدره الإنسان تجاه اللحم الفاسد بصورة تلقائية وغير محسوبة، او التكلم بلغة الأم بصورة فطرية دون أي تفكير حيال موضوع كيفية تعلم هذه اللغة، كما يمنح للطفل القدرة في التعرف على والديه، إضافة الى تميز الكائنات الحية عن غير الحية. وهذا النظام يجعلنا نبحث عن معنى وهدف للأحداث التي تبدو عشوائية مثل الكوارث الطبيعية أو الوفاة.

فبعض المفكرين يعتقدون بأن النظام 1، له الأثر الأكبر في تطوير واستمرار الأديان.

كما ان هذا النظام يخلق في نفوس الأطفال على الرغم من خلفياتهم الثقافية، نوع من الإعتقاد بأن الروح خالدة ولاتفنى، كانت موجودة قبل الولادة وستكون موجودة بعد الموت.

ويعتبر الدين في طور تكامل مستمر، ليتحمل التطورات والظروف التي يمر به البشر على مر العصور والأزمنة.

العادات التي من الصعب تغييرها:

الملحدون يواجهون مرحلة صعبة جداً، إذ ان عليهم مصارعة جميع العوامل الثقافية والتنموية التي تحث الإنسان على الإيمان، لأن الأغلبية يؤمنون بحقيقة ان اي شيء هو جزء من كل، وإن الحياة لم تخلق عبثا، فيقول "نورنزايان" من الممكن أن يحاول الإنسان ان يمحو الحدس عن طريق التعلم والتفكير النقدي، ولكن الحدس غير قابل للتقلص او الفناء.

ومن ناحية أخرى، فالعلم ليس سهلاً كشربة ماء، بل هو طريق صعب ووعر، والأصعب منه تعليمه، أما الدين فهو بسيط ولايحتاج الى التعليم، لأننا نعرفه ونتعلمه بصورة فطرية، فإذا أردنا أو فكرنا في قتل الدين، علينا بتغيير أصول الإنسان، حتى ننجح في إنهاء الدين من العالم.

ومن المحتمل بأن هذا الإرتباط بين العلم والدين هو الذي جعل 20% من العالم في امريكا لاينضمون الى أي كنيسة، 68% منهم يؤمنون بالله و37% منهم روحانيين، إضافة الى إن هنالك بعض من الناس لاينتمون الى اي دين، ولكنهم يعيشون على إعتقاد بأن هنالك قوة عظمى تدير هذا العالم.

إضافة الى ذلك، فإن جزء من الناس الذين لاينتمون الى أي دين يمارسون عادات دينية مثل اليوغا والتي تعتبر من الإشارات المهمة على وجود الميل الداخلي، كما إن الجانب الذي يثير الإهتمام ويعزز علل عدم زوال الدين، هو أن الدين يقوي أواصر التعاون والتضامن بين الناس ويحثهم على ذلك.

أغلب العوائل المتدينة ينجبون أعداد كبيرة من الأطفال، ومن البديهي أن يؤثر تدين الآباء في نفوس اطفالهم، وفي هذه الحالة نلاحظ إحتمال زوال الدين يمثل اللاشيء مقارنة مع وجود هذا الكم الهائل من المتدينين، إضافة إلى وجود الأدلة (النفسية، العلمية، التاريخية، والثقافية)، فالباحثون يعتقدون بأن الدين من المستحيل أن يفنىِ من العالم.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
فيسبوك