مناقشة النظرية الحسية لـ (جان لوك)

المعقولات الثانية البسيطة والمركبة حقائق مسلّمة لايمكن ان تستكشف بالحواس


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم.

دروس في أصول العقائد
(6)

قال تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).([1])

من ملامح النظرية الحسية

لكي تتضح معالم النظرية الحسية بشكل أكبر لابد أن نستعرض من جديد تحليل الحسيين، وعلى رأسهم جان لوك، للمعرفة ومنشأها وكيفية حصول الإنسان عليها، وننقل أيضاً بعض نصوص أقوالهم، ثم نستمر في المناقشات بإذن الله تعالى، فنقول:

ذهب الحسيون إلى أن الإنسان يولد وهو خالي الذهن من أية معرفة سواءً أكانت تصوراً أم كانت تصديقاً، والتصور مثل: العلية والمعلولية، الإمكان والوجوب والامتناع، والوجود والعدم.

والتصديق مثل: الدور محال، كل شيء هو هو، التناقض محال، الكل أعظم من الجزء.

وهم يرون أن ذهن الإنسان في بداية ولادته كصفحة بيضاء خالية من أية معلومة تصديقية ومن دون أي مفهوم تصوري.

إلا أن الإنسان حيث يمتلك الحواس الخمسة، فإنها هي طريقه إلى المعرفة، أي هي طريقه الوحيد إلى المعرفة فلا توجد معرفة عقلية أو فطرية مستقلة أبداً، بل إن الحواس تقوم بمهمة نقل الصور والمرئيات والمشمومات والمذوقات والمسموعات والملموسات الخمسة إلى الذهن فتنطبع في الذهن شيئاً فشيئاً فتحصل المعرفة بالتصورات ثم بالتصديقات بالتدريج، فليست على مسلكهم مهمة الذهن في المرحلة الأولى إلا كمهمة الكاميرا (آلة التصوير) التي تصور ما يجري في الخارج دون أن تمتلك بنفسها أية معلومة داخلية.

ثم بعد ذلك يبدأ الذهن بالملاحظة والتفكير على ضوء ما أوصلته إليه حواسه الخمسة، ولهذه النقطة تفصيل سنستعرضه في المستقبل.([2])

عبارات وتصريحات مختارة من الحسيين

ولننقل الآن بعض عبارات لوك في كتابه (مقالة عن الفهم البشري) وتلخيصات بعض الباحثين عن أفكاره:

قال جان لوك في (مقالة في الفهم البشري)([3]): (يجزم بعض الناس بأن في الذهن مبادئ فطرية معينة، وعدداً من المفاهيم والحروف قد طبعت، إن صح التعبير، على عقل الإنسان منذ أن وجد وجاء بها معه إلى العالم. ويكفي للتدليل على بطلان هذا الزعم بأن نبين أن الناس يستطيعون باستخدام ملكاتهم الطبيعية فقط أن يحصلوا على المعرفة التي بحوزتهم دون الالتجاء إلى الانطباعات الفطرية، وأن يتوصلوا إلى اليقين بدون مثل هذه المفاهيم أو المبادئ).

وقال لوك أيضاً: (لنفرض أن العقل صفحة بيضاء خالية من أية كتابات ودون أية أفكار.. فمن أين حصل على كل مواد التفكير والمعرفة، والجواب بكلمة واحدة: من التجربة، ففي التجربة تقوم كل معرفتنا ومنها تستمد، وأن الملاحظة التي تنصب إما على الأجسام المحسوسة الخارجية وإما على عمليات العقل الداخلية التي ندركها ونتأملها هي التي تزود أذهاننا بكل مواد التفكير. هذان هما المصدران الوحيدان للمعرفة، منهما تنشأ كل الأفكار التي نحصل عليها والتي يمكن أن نحصل عليها، وعليه فأفكارنا ترجع إلى مصدرين هما الإحساس Sensation والتأمل Reflection).

وجاء في كتاب (الفلسفة موضوعات مفتاحية): (بدء لوك عمله التجريبي العظيم "مقالة عن الفهم عند الإنسان" برفض النظرية الشائعة آنذاك بأن العقل يحوي بعض الأفكار والمفاهيم منذ الولادة، فنحن بصورة واضحة لسنا على وعي بهذه الأفكار المدعوة أفكاراً موروثة منذ الولادة، لكن كان يظن أننا نحتاجها لكي نتمكن من التفكير.

حاول لوك بانتقاده الأفكار الموروثة أن يبين أن العقل "لوحة بيضاء" وأنه يتزود بالأفكار عن طريق الخبرة، من خلال حواسنا الخمس، ولا حاجة بنا إلى افتراض وجود أفكار موروثة لأننا نستطيع تعليل كل فكرة نملكها بوساطة الخبرة)([4]).

وسوف نستمر في الحلقات القادمة في مناقشة بعض بنود نظريته، ثم نستعرض سائر بنودها مثل أن الذهن لا يمكنه القيام إلا بالتركيب والتجزئة والتجريد والتعميم، ونناقشها ثم نستعرض أجوبته الدفاعية عن بعض الإشكالات الواردة عليه كجوابه عن كيفية حصول كثير من الأحكام العقلية في الذهن رغم أنها لا توجد في الخارج، وعدم وجودها منذ الولادة في عقل الإنسان، وذلك عبر الملاحظة والتأمل، ثم نقوم بتقييم أجوبته ونقدها بإذن الله تعالى.

لمحة عن نتائج المذهب الحسي، في تصريحاتهم

تنبيه: يبتنى على نص كلامه (يجزم بعض الناس بأن في الذهن مبادئ فطرية معينة، وعدداً من المفاهيم والحروف قد طبعت، إن صح التعبير، على عقل الإنسان منذ أن وجد وجاء بها معه إلى العالم. ويكفي للتدليل على بطلان هذا الزعم...) إنكار وجود كثير من الأحكام العقلية والفطرية والمنطقية في مرحلة سابقة على الإحساس ومرحلة انتقال صور من الخارج إلى الذهن.

ولذلك لخص بعض الباحثين كلام لوك بقوله:

(وقد كان من الطبيعي أن تبدأ هذه الحركة ضد فلسفات العقل بتقويض الأساس الذي تقوم عليه، ألا وهو الاعتقاد بوجود عدد من المبادئ المنطقية والأخلاقية والدينية والرياضية ـ كقانون الذاتية وقانون التناقض، والقول بأن الله موجود، والقضية بأنه إذا كانت كل من كميتين تساوي كمية أخرى فإنهما متساويتان، وكل إنسان يطلب السعادة، وأن لكل حادثة سبباً ـ التي توجد في العقل البشري منذ نشأته والتي يمكن أن يُستخلص منها كل ما يعرفه الإنسان عن النفس والله والعالم والأخلاق وما إلى ذلك)([5])

وأما تخريج لوك لكيفية وجود هذه الأحكام لاحقاً، فغير مجدٍ أبداً وغير مبرهن أصلاً بل وانه متضاد مع سائر كلماته واقعاً، كما سيأتي فانتظر.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

.....................................
([1]) الروم: 30.
([2]) لعله بعد أربعة دروس بإذن الله تعالى.
([3]) An Essay concerning human understanding
([4]) الفلسفة موضوعات مفتاحية. جوليان باجيني. ترجمة أديب يوسف. دار التكوين. ط2010 ص35.
([5]) الفلسفة الحديثة عرض نقدي – د. كريم متن/دار الكتاب الجديد المتحدة/ ط2/ ص150.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (عقائد)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك