دروس في أصول العقائد: أصول وقواعد تمهيدية


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم.

(1)
دروس في أصول العقائد

قال الله تعالى: (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).([1])

وقال الإمام الرضا عليه السلام كما رواه في الكافي الشريف: (...إن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه وأنى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه والأوهام أن تناله والخطرات أن تحده والأبصار عن الإحاطة به، جل عما وصفه الواصفون وتعالى عما ينعته الناعتون...).([2])

وروى الكليني عن محمد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام في قوله تعالى (وإن إلى ربك المنتهى): (فإذا انتهى الكلام إلى الله فأمسكوا).([3])

قبل أن نبدأ البحث في مسائل أي علم من العلوم لابد أن نبحث عن المبادئ التصديقية والقواعد العامة التمهيدية وعن أصول ذلك العلم ومبادئ استنباطه، وسنشير فيما سيأتي إلى بعض تلك المبادئ والأصول لعلم العقائد إشارةً فيما سوف نفصل الحديث عن بعضها الآخر بشكل أوسع باذن الله تعالى.

أصول وقواعد تمهيدية

الأصل الأول: علم العقائد علم مستقل يختلف عن علم الكلام وعلم الفلسفة في جهات عديدة كالموضوع والمنهجية والهدف والغاية والأدوات المعرفية لكل علم من تلك العلوم، وإن اشترك معهما في جهات أخرى أيضاً، وسيأتي الكلام عن ذلك بإذن الله تعالى.

الأصل الثاني: إن منهجنا في علم العقائد هو أن نبدأ بالآيات والروايات الشريفة معتمدين غالباً على أمهات مصادرنا المعروفة كنهج البلاغة والكافي الشريف ثم مثل الاحتجاج وتحف العقول وغيرها معتبرينها دليلاً تارة ومنبّهاً تارة أخرى، وسيتضح الفرق بينهما ومساحة كل منهما لاحقاً بإذن الله تعالى.

الأصل الثالث: إن هنالك حقائق طبيعية مادية وأخرى غيبية متنوعة، والحقائق الغيبية على نوعين بعضها مندرج في علم أصول العقائد وبعضها أجنبي عنه، وهذه الحقائق هي واقعيات خارجية غير مرتهنة في وجودها ولا في صحتها بالعلم بها وعدمه، فسواء علمنا بها أم لا فإنها حق وصدق على عكس ما يقوله بعض القائلين بالنسبية.([4])

القوى والطرق التسعة لكشف الحقائق

الأصل الرابع: إن هنالك قوى وأدوات لمعرفة تلك الحقائق واستكشافها، وهذه القوى هي:

1- الفطرة.

2- العقل.

3- الحواس.

4 - 5- القوتان المتوهمة والمتخيلة.

كما أن هنالك طرقاً ووسائل أخرى للمعرفة وهي

6- الوحي أو الإلهام.

7- الكشف والشهود.

8- التجربة والاستقراء ونظائرها.

ويمكن أن نصطلح على ما يحصل بها بـ(العلم) وإن كان العلم بالمعنى الأعم هو ما يحصل بأية قوة أو طريق من القوى أو الطرق السابقة.

9- إضافة إلى حضور المعلوم لدى العالم بنفسه – على نقاش وكلام([5]).

وقد أشارت الآيات والروايات إلى هذه القوى والطرق في مواطن شتى كما حدد بعضها مجالات ومساحات ومتعلقات تلك القوى والطرق.

وتشير الآية الكريمة (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)([6]) إلى بعض تلك الآلات والقوى وإلى بعض مساحاتها، كما سيأتي.

الإمام الرضا عليه السلام: الحواس عاجزة عن إدراكه، والأوهام والخطرات كذلك.

الأصل الخامس: ما أشار إليه الإمام الرضا عليه السلام في ضمن ذكره للعديد من تلك القوى والطرق حيث نفى أن تصلح طرقاً لمعرفة الله تعالى وإدراكه أو حدّه أو الاحاطة به، إذ يقول عليه السلام:

1- ((وَأَنَّى يُوصَفُ الَّذِي تَعْجِزُ الْحَوَاسُّ أَنْ تُدْرِكَه‏))([7]) فإن مجال الحواس هو المحسوسات من المواد وكيفياتها، والله تعالى ليس من المحسوسات.

2- ((وَالْأَوْهَامُ أَنْ تَنَالَه)) ومن المحتمل أن يراد بالوهم هنا: 1- القوة المتوهمة التي تدرك المعاني الجزئية، كحب هذا وبغض ذاك، 2- القوة المتخيلة تلك التي تدرك الصور الجزئية، وكيف يتوهم أو يتخيل الإنسان، المجردَّ من الماة والمدة؟ هذا خلف!

3- (والخطرات أن تحده) ولعل المراد بالخطرات ما يخطر بالبال كأنه وميض وما ينقدح في الذهن دفعة واحدة، والخاطر هو الهاجس أو إشراقات العقل أو إلهاماته الابداعية وإن لم تكن ناشئة من الطرق المنطقية التحليلة. وهو تعالى لا متناهي من كل الجهات([8]) فكيف يمكن ان يحده شيء.

4- (والأبصار عن الإحاطة به) والمراد بالأبصار البصائر كما سيأتي والبصائر تعني العقول فلا يمكن للعقل مهما حلّل وجرّد أو فصّل وكوّن من أشكال منطقية وركّب من مقدمات أو معاني وصور أن يحيط به تعالى لأن الاحاطة بالشيء متوقفة على محدوديته وانتهائه في جوانب، والله منزه عن ذلك.

وتلك كانت إشارة إجمالية، أما التفصيل ففي الفصول القادمة بإذن الله تعالى.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

للاستماع الى المحاضرة

* للمزيد من المعلومات:
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/writer10-

....................................
([1]) النحل: 78.
([2]) الكافي: ج1 باب جوامع التوحيد ح3 ص138.
([3]) المصدر باب النهي عن الكلام في الكيفية ح2 ص92.
([4]) فصلنا الحديث عن ذلك في كتاب (نسبية النصوص والمعرفة.. الممكن والممتنع) وكتاب (نقد الهرمنيوطيقا).
([5]) يراجع كتاب (الحجة معانيها ومصاديقها) للمؤلف.
([6]) النحل: 78.
([7]) الكافي (ط – الإسلامية) ج1 ص138.
([8]) قالوا: انه تعالى لا متناهي شدة ومدة وبساطة. فتأمل وسيأتي في مباحث التوحيد وجه التأمل بإذن الله تعالى.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (عقائد)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك