تجربة الحياة كما عاشها المؤلف

آراء هرمينوطيقية محورية


(3)- التطابق مع باطن المؤلف

(إن ما يريده الفهم في نظر (دلثاي) هو تحقيق تطابقه مع باطن المؤلف والتوافق معه، وإعادة إنتاج العملية المبدعة التي ولدت النتاج أو الأثر الإبداعي)(1).

المناقشة

أ‌- لا ضرورة لـ(تحقق التطابق)

نقول بإيجاز: لا ضرورة ـ بل لا فائدة ـ لتحقيق التطابق بين النص وباطن المؤلف، في كافة النصوص، بل إن من (النصوص) ما تكون قيمتها (ذاتية) فمهما قصد المؤلف، ومهما حاول ليّ عنق النص لإفراغه من مضمونه ومحتواه أو لإعطاءه معنى مغايراً(2)، فإن (النص) يبقى هو النص بدلالاته ومعانيه وصحته ودقته (لو كان صحيحاً دقيقاً) أو خطأه ولا صوابيته (لو كان كذلك)، بل إن النص عندئذٍ يُدين المؤلف ويحاكمه بل ويفضحه.

إن معرفة باطن المؤلف وسيكولوجيته، قد تكون نافعة كدراسةٍ مرجعية مكتبية "ببلوغرافية" للمؤلف، وكدراسة نفسية ـ تاريخية، إلا أنها في أكثر الأحيان عارية عن الفائدة بل قد تكون مضرة تماماً إذا كان (المحور) أو كان (المفيد) هو الواقع العيني، وكان المطلوب من النص الإيصال إليه ومعرفة الحقيقة كما هي.

ب‌- لا فائدة لـ(إعادة إنتاج العملية المبدعة)

كما أن إعادة إنتاج العملية المبدعة، ليست مفيدة في كثير من الأحيان، بل إنها ليست بمقدوره أبداً إذ يستحيل توفير كل الشروط الموضوعية التي صقلت شخصية المؤلف والتي كان لها الدور الظاهر أو الخفي (الشعوري واللا شعوري) لإنتاج هذا النص وإبداعه، سواء كان أدبياً أم تاريخياً أم سياسياً أو فلسفياً أم غير ذلك.

وأما النصوص الدينية، فإن هذا الكلام، لا يجد طريقة إليها أبداً، ولا مجال له بل لا مفهوم له، وذلك على كلا نوعي النصوص الدينية.

النوع الأول: النصوص الإلهية (كالقرآن الكريم والحديث القدسي) فإن من البديهي انه يستحيل أن يرقى الإنسان إلى مستوى خالق الكون ليقوم بدراسة (باطنه) و(نفسيته) وعوامل إنتاجه أو خلقه للنص(3) (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(4).

بل نرى أن كافة هذه المصطلحات تنهار عند الاقتراب من ساحة قدسه جل اسمه؛ إذ لا معنى أبداً لاستخدام مفردات مثل (تحقيق تطابقه مع باطن المؤلف) (إعادة إنتاج العملية المبدعة التي ولدت..) (تجربة الحياة كما عاشها المؤلف).

إن هذه التعابير ونظائرها، لا تستخدم إلا في المخلوق، المحدود، المتأثر بالعوامل المختلفة والذي يعيش الحياة ويجرب حلوها ومرها ويخوض المعاناة والألم ويتأثر ويتفاعل وينفعل عن حالات الحزن والفرح والرضا والغضب والقوة والضعف، لينعكس كل ذلك على إنتاجه وتأليفه وآثاره.

ولا مجال لها في الإله، القادر بقول مطلق، المحيط بكل شيء، الأبدي الأزلي السرمدي، غير الزماني وغير المكاني وغير المادي، الخالق لكل شيء، والعلة لكل شيء دون أن يكون معلولاً لأي شيء أو متأثراً بأي شيء ـ وتفصيل الكلام يطلب من علم الكلام.

النوع الثاني: النصوص الشرعية الصادرة عن الرسول الأعظم والأئمة الأطهار عليهم صلوات الله وسلامه، فكذلك عند من يعتقد أنهم رسل الله وأوصياؤه؛ إذ (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى& إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)(5)، و: (جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (6)، و: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) (7).

وأما عند من ينكر رسالة الرسل أو رسالة الرسول ووصاية الأوصياء، أو من ينكر عصمتهم حتى في (الإبلاغ) فإن النقاش معه ينتقل إلى مستوى علم الكلام والعقائد أو الفلسفة وليس من مباحث الهِرمينوطيقا.

(4)- النص يعبر عن تجربة الحياة الشخصية

(في حين أن دلثاي يؤكد على العكس تماماً: أي على أن النص تعبير عن تجربة الحياة كما عاشها المؤلف وليس عن تجربة الحياة الموضوعية).(8)

المناقشة

اولاً: إن كثيراً من النصوص، هي (محصّنة) عن أن تؤثر فيها تجربة الحياة(9).

ثانياً: قد يريد لها المؤلف أن تكون تعبيراً عن مناقض أو مضاد أو مغاير تجربة حياته.

(5)- اللغة محض تجلٍّ لحقيقة العالم

(ومن هذا المنطلق أيضاً كان (هيدغر) يرفض كل أشكال التفسير النفسانية والذاتية، التي تربط اللغة بذاتية الإنسان وبتجربته الداخلية الخاصة، ويرى فيها ـ أي في اللغة ـ محض تجل لحقيقة العالم بما هو كذلك)(10).

المناقشة

ليس هذا الكلام، على اطلاقه، صحيحاً، وإن صح في بعض الحالات والصور، وسيظهر ذلك من مطاوي الكتاب ونشير بكلمةٍ فقط: إلى أن اللغة ليست (محض تجلّ لحقيقة العالم بما هو كذلك)؛ إذ نقول:

أولاً: اللغة تتكون من الحقيقة والمجاز، وما أكثر المجاز، ومن الكناية والاستعارة والتشبية، ومن المبالغة والإغراق وغيرها، وما أكثر ذلك كله، وهل يعقل أن يقال إن الكناية والتشبية والمبالغة و... هي محض تجل لحقيقة العالم بما هو كذلك؟

ثانياً: إن اللغة كثيراً ما يراد لها أن تكشف عالماً آخر هو غير عالم الحقيقة، مثل عالم المتخيلات وعالم المتوهمات، بل حتى عالم المعتقدات، والتي كثيراً ما تكون غير مطابقة للواقع، وعلى ذلك جرى من عرّف (الصدق) بأنه مطابقة القول للمعتقد.

ثالثاً: إن اللغة حتى لو أريد بها أن تكون مرآة لحقيقة العالم ومحض تجل له، إلا أنها قد تخفق في ذلك أو يخفق منتجها ومبدعها في صياغتها وحياكتها بحيث تتكشف عن الواقع، لا عن ضده أو مناقضه، أو عن الواقع بشكل مشوّه أو أبتر.

(وإن قميصاً خِيط من نسج تسعةٍ

وعشرين حرفاً، عن معاليك قاصر)

ولذلك كله، كان لابد من وجود مناهج وضوابط، تكفل تطابق اللغة مع الواقع، أي تضمن مطابقة الوجود اللفظي والوجود الكتبي للوجود العيني أو حتى الذهني، وتضمن تصحيح المسار وتقويم الأخطاء وترميم النواقص.

ومن هنا تظهر أهمية علوم: اللغة وفقه اللغة، والبلاغة، والنحو والصرف، إضافة إلى علوم المنطق والأصول، وهذا ما فصلناه في موضع آخر.

(6)- الكينونة الإنسانية غير مستقرة!

(ولما كان العالم في تبدل مستمر كانت الكينونة الإنسانية غير مستقرة على حال).(11)

المناقشة

إن هذه النظرية مبتنية على وحدة الذات العارفة مع الحقائق الخارجية، وذلك هو ما تطرق لنقده عدد من علماء الكلام والفلسفة في بحث الوجود الذهني ومبحث مناط الصدق في القضايا.

وكإشارة نقول: إن (العلم) إما من مقولة الفعل أو من مقولة الإضافة أو من مقولة الكيف النفساني، أو غير ذلك، ثم هو إما بحضور شبح الشيء وصورته، أو بحضوره بنفسه لدى النفس مع الانقلاب أو بدونه، إلى غير ذلك.(12)

وعلى أي تقدير فإن (العلم) مما (يلامس) الذات الإنسانية، بنحو من الأنحاء، ولا يتداخل معها جوهرياً أو عضوياً، فحتى لو فرض تغير العلم باستمرار فإن ذات الكينونة الإنسانية لا تتغير، اللهم إلا أن لا يريد بالكينونة الإنسانية معناها الدقي الجوهري الذاتي، بل يريد المعنى المجازي وحينئذٍ لا يضيف كلامه على كلامه الآخرين شيئاً؛ إذ يكون مدلوله أن بعض صفات الإنسان غير مستقرة مادام العالم في تبدل مستمر، لكن هذا إنما يصح فقط على تقدير انفعال النفس المتواصل عن تغيرات العالم المتتابعة(13) ثم إنه يصح فقط لو كان بين ما تغيّر من العالم وفي العالم وبين الإنسان، علاقة العلية، دون ما لو كانت العلاقة علاقة التقارن مثلاً، فتأمل.

وحيث إن هذا المبحث (وما الذي يتغير في الإنسان بتغير علومه وبتغير العالم) لا يمس صميم البحث، ولا يؤثر في الأهداف المرسومة للكتاب، لذا سنعرض عنه صفحاً.

* من الفصل الرابع لـ كتاب (نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة)
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/arabic/author/10

.......................
(1) من فلسفات التأويل: ص33 (نقلاً عن الهِرمينوطيقا في الواقع الإسلامي ص37).
(2) والحاصل: أن باطن المؤلف قد يكون مضلِّلاً، وقد يشوش عملية الفهم أو يحرّفها أو يعقدّها.
(3) بل الأمر من باب السالبة بإنتفاء الموضوع؛ إذ لا نفس له تعالى، ولا توجد عوامل تؤثر في خلقه للكلام وإنزاله الوحي، كما سيأتي في المتن، إن شاء الله تعالى.
(4) سورة الزمر : 67.
(5) سورة النجم : 3 ـ 4.
(6) سورة الأنبياء : 73.
(7) بحار الأنوار: ج40 ص200 باب 94 أنه عليه السلام مدينة العلم والحكمة.
(8) من فلسفات التأويل: ص35، بتصرف (نقلاً عن الهِرمينوطيقا في الواقع الإسلامي: ص39).
(9) فصلنا ذلك في مبحث آخر.
(10) من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة: ص111.
(11) إشكالية الوجود والتقنية عند هيدغر: ص77. ولا يخفى أن هذا الرأي يعد من مفردات نظرية (نسبية الحقيقة)، كما أنه قد يكون جسراً للوصول الى القول بـ(نسبية المعرفة) نظراً لأن الكينونة الإنسانية متغيرة.
(12) أشرنا إلى ذلك في موضع آخر من الكتاب، وفصلناه في كتاب (مباحث الأصول ـ القطع) كما أشرنا لأقسام العلم الأخرى كالحضوري وغيره.
(13) أي دون صورة انقطاع النفس عن مشاهدة التغييرات أو إدراكها، وذلك كأكثر بل ككل الناس، بالنسبة لأكثر تغيرات العالم، ودون صورة القول بأن العلم من مقولة الإضافة وشبهها.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (عقائد)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك