القيمة المعرفية لــــ الشك

على ضوء العقل والنقل والعلم


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (*) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (*) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)[1]

يدور البحث في هذه السلسلة بإذن الله تعالى عن واحدة من أهم البحوث المعرفية وهو مبحث (الشك) ومدى قيمته معرفياً وهل أنه المفتاح للحقائق أو إحدى المقدمات الموصلة لها؟ وأنه هل هو السبيل إلى التقدم والتطور والازدهار؟ أم أنه لا يعدو كونه ورذيلة ومنقصة؟

الشك على مستوى العقل والعلم والنقل

وسيجري البحث على مستويات ثلاثة: 1- مستوى النقل والآيات الكريمة والروايات الشريفة،

والمخاطَب فيه بالأساس هو المتدين المسلِّم المذعن بالله تعالى وبالرسول والأئمة عليهم السلام وبما جاؤوا به من عند الله تعالى.

2-3 مستوى العلم ومستوى العقل أو الفلسفة

والخطاب فيهما موجه لغير المؤمن، وإن كان نافعاً للمؤمن أيضاً حيث ثبت أن هذه الثلاثة (العلم والعقل والدين) متطابقة في جوهرها بل متوافقة مطلقاً في ما كان منها حقيقة.

وعلى مستوى فقه الفرد وفقه المجتمع وفقه الدولة

كما سيجري البحث على ثلاث مستويات أخرى وهي: الفقه الفردي أو الشخصي، فقه المجتمع، وفقه الدولة.

أــ فعلى مستوى الفقه الشخصي: يجري البحث عن الموقف الاسلم لكل فرد من الشك والتشكيك وهل على كل واحد منا أن يفتح أبوابه للشك أو أن عليه يغلق دونه عقله وقلبه ومسامعه؟ خاصة وأن عصرنا تميّز بأنه عصر الشك، بل أصبحت فيه موجات التشكيك المتتالية ظاهرة من أهم ظواهره: فيوماً التشكيك في وجود الله أو عدله، ويوماً التشكيك في التقليد والخمس والزكاة، ويوما آخر التشكيك في بعض أو جميع القيم الأخلاقية وهكذا وهلم جراً.

ب ــ وعلى مستوى فقه المجتمع: يقع البحث عن موقف المجتمع تجاه ظاهرة التشكيك وتجاه (الشك) الذي قد يعصف بحياة أبنائه مثلاً، فما هو موقف الأب والأم إذا رأيا أن أبناءهم وبناتهم في الجامعة مثلاً صاروا مسرحاً ومختبراً لمختلف أنواع الشكوك؟ وما هو موقف المعلم والمربي ورجل الدين والخطيب وأستاذ الجامعة من ذلك؟ فهل عليه أن يواجه موجات التشكيك باعتبارها فايروسات ضارة بل خطرة على المجتمع بأكمله؟ أو عليه أن يشجع بالناس ويدفعهم إلى المزيد من الشك باعتباره ذا قيمة معرفية أو باعتباره طريقاً نحو الكمال وسُلَّماً في طريق الرقي والتحرر والازدهار؟

ج ــ وعلى مستوى فقه الدولة، يجب البحث عن مسؤولية الحكومة والمسؤولين تجاه موجات التشكيك والمشككين.

فلنبدأ ببصيرة قرآنية عن الآية الشريفة ثم نقوم بدراسة أولية عن الشك على ضوء النقل والعلم والعقل تم بدراسة اكثر دقة وتفصيلاً:

البصيرة الأولى: ردود افعال المشركين تجاه الانبياء والمرسلين

إن الآية الشريفة تكشف عن بعض ردود أفعال المشككين تجاه الرسل، وعن طريقة تفاعلهم السلبي مع الآيات البيّنات التي جاءهم بها الرسل، إذ تصرح بـ(فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) والمحتملات في تفسير الآية خمسة بل أكثر:

الأول: إن الضمائر كلها تعود إلى الكفار أي إن الكفار ردّوا أيديهم في أفواههم، بمعنى أنهم عضّوا على أصابعهم ـ مثلاً ـ من الغيظ عندما سمعوا الآيات والبينات التي تخالف مألوفهم والتي ايقظت فيهم الشك المعرفي والقلق والاضطراب، فقد غاظهم أن جاء من يفنّد مسلماتهم، وعلى هذا فاستجابتهم كانت (انفعالية).

الثاني: إن الضمير الأول يعود للكفار بينما يعود الضميران الأخيران للأنبياء، والمعنى: أن الكفار ردوا أيدي الأنبياء في أفواه الأنبياء أي أن الكفار لشدة غيظهم وغضبهم، هاجموا الأنبياء وأخذوا بأيدي الأنبياء ووضعوها على أفواههم كي يسكتونهم بالقوة، وعلى هذا فان استجابتهم كانت (عدوانية)

الثالث: الضميران الأولان يعود للكفار والأخير للأنبياء، أي: إن الكفار ردوا أيديهم باتجاه الأنبياء ويحتمل في هذا وجهان:

أن 1- الكفار أشاروا بأيديهم إلى الأنبياء أن أسكتوا

2- أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء ليسكتوهم بالقوة خوفاً من أن يبتلوا بالشك إذا ما استمعوا إليهم، أو خوفاً من أن يتجذر الشك فيهم، أو خوفاً من أن يسري الشك إلى الآخرين (ولا مانعة جمع بين الثلاثة)

الرابع: الضمائر كلها تعود للكفار، كالوجه الأول ولكن بنحو آخر وهو أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إشارة للسكوت، كما جرى في عرفنا الآن.

الخامس: أن المراد هو المعنى المجازي للأيدي والافواه لا الحقيقي، وله تصويرات لا تهمنا الآن، لوضوح وَهْنِ الانتقال من المعنى الحقيقي إلى المجازي بعد صحة المعنى الحقيقي وحسنه وكونه دارجاً في العرف كثيراً.

ثم إنني لم أجد ــ في استقراء ناقص ــ رواية تحدد المراد من المعاني الأربع السابقة، ولعل الآية لا تأبى عن حملها على جميعها بل أن تكون جميعها مرادة بمعنى أن ردود الأفعال الأربعة أو الخمسة السابقة تكون كلها قد صدرت من الكفار في الحالات المختلفة، نظراً لأن عملية التبليغ كانت عملية طويلة متواصلة ومستمرة أحياناً لعشرات السنين حتى بلغت في قوم نوح إلى (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً)[2] ومن الطبيعي أن تختلف ردود أفعال الناس تبعاً للظروف والحالات بل والأشخاص من استجابة انفعالية كالعض على الأيدي إلى استجابة عدوائية كقسر الأنبياء على السكوت بوضع أيديهم على أفواههم قسراً الى غير ذلك.

والآن لننتقل إلى موقف الآيات والروايات من الشك بشكل عام فنقول:

الآيات تدين (الشك) وترفضه وتذمُّه

إن كافة الآيات الشريفة التي تطرقت إلى مفردة الشك والريب وأشباهها، أدانت الشك واعتبرته منقصة ورذيلة ولم نجد آية واحدة تمتدح الشك وتثني عليه أو تدفع باتجاهه ولو في مورد واحد وكذا الروايات الشريفة، فلاحظ الآيات التالية:

(قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)[3]

(وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ)[4]

(وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ)[5]

(بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ)[6]

(إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُون)[7]

(لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)[8]

(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (*) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (*) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)[9]

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ)[10]

وفي المقابل نجد المدح كل المدح لليقين والإيمان وفي آيات كثيرة[11] ومنها:

(وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ)[12]

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)[13]

(لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا)[14]

وكذلك الروايات: (لا تشكوا فتكفروا)

وأما الروايات فهي كثيرة، وهي على إطلاقها تضع الشك في خانة الرذائل والنواقص والمبغوضات، ولم أجد – في استقراء ناقص – رواية واحدة تمتدح الشك وتعتبر أن له قيمة معرفية، ولنشر ههنا إلى روايتين منها فقط، موكلين بعضها الآخر للدروس القادمة.

قال أمير المؤمنين ومولى الموحدين عليه السلام (لا ترتابوا فتشكّوا، ولا تشكّوا فتكفروا، ولا تكفروا فتندموا)[15] فقد اعتبر عليه السلام الريب مقدمة موصلة للشك والشك مقدمة للكفر والكفر مقدمة للندم، وبذلك جمع الإمام عليه السلام بين مفاسد الشك الدنيوية بإشارته إلى الندم والأخروية بإشارته إلى الكفر، وسيأتي لاحقاُ الكلام عن فقه هذه الرواية باذن الله تعالى.

وقال الإمام الصادق عليه السلام: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتعوّذ في كل يوم من ست: من الشك والشرك والحميّة[16] والغضب والبغي والحسد)[17] والغريب في الحديث الشريف أنه جعل الشك إلى جوار الشرك تماماً، ولا تخفى ما في المقارنة من الدلالة الكبيرة وما في اعتبارهما ثنائياً بغيضاً يتعوذ منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل يوم من التحذير الأكيد من (الشك).

وللبحث عن (الشك) على ضوء الآيات والروايات مجال أرحب سيأتي لاحقاً بإذن الله تعالى.

الشك في حكم العقل وحسب الاستقراء

وأما من الناحية العقلية والعلمية، فيمكن تناول الشك من زوايا عديدة وفي ضمن نقاط مختلفة نشير إلى إحداها، وهي:

الشك النافع والشك الضار

إن الشك يمكن تقسيمه، بلحاظ متعلَّقة تارة وبلحاظ ما يؤدي إليه تارة اخرى، إلى الشك النافع والشك الضار، أو فقل: إلى ما يُعدّ نقطة قوة وما يعدّ نقطة ضعف، وعليه: فليس من الصحيح معرفياً التعميم وإطلاق القول بأن الشك مفتاح التقدم وسر التطور وأن له القيمة المعرفية المطلقة، بل على فلاسفة الشك إن أرادوا أن يكونوا منصفين أن يكونوا مفصِّلين ولا يدفعوا باتجاه الشك كمنهج إلا في حدود وبضوابط وعلى حسب المتعلقات والمضامين والنتائج، وهو ما اسماه بعضهم بالشك المنهجي وهو ما سيأتي بحثه تفصيلاً بإذن الله تعالى.

وهذا كله مع قطع عن تقييم الشك في حد ذاته، وسيأتي ذلك

الشك الضار

ولنضرب عدداً من الأمثلة ونستشهد بعدد من النماذج التي لا يمكن أن ينكر إلا المكابر كون الشك فيها منقصة ورذيلة وانه يعد واحداً من اهم الاسباب في انهيار الأمم أو العوائل أو المؤسسات أو تخلفها وتقهقرها على الأقل:

الشك في القيم الانسانية العليا

1- الشك في القيم الأساسية، كالعدل والإحسان والوفاء وحب الوطن واحترام الوالدين (في الجملة أو بالجملة) فهل ترى فيلسوفاً أو عالماً[18] بإمكانه أن يقنع عقله ووجدانه بأن يسلّم أولاده إلى معلم يشككهم في العدل كقيمة كبرى ويدعوهم إلى الظلم كقيمة حقيقية بديلة؟

وهل ترى عاقلاً يرضى بأن يروِّج فرد أو جهة في وزارات الدولة أو في الشركات والمنظمات أو الأسر والعوائل لــ(الخيانة) و(السرقة) و(الغش) و(الخداع) و(الرشوة) وانها ليست مضرة كما يصورونها بل هي الأصل وهي الأمر النافع وهي القيمة الحقيقية التي لابد من تفعيلها وتجذيرها في كل مكان؟

انه لا ريب في أن الشك والتشكيك في القيم الأساسية يعتبره العقلاء أمراً سلبياً بل خطيراً بل يرونه بالغ الخطورة، نعم قد يجري النقاش في (الحدود) أو في بعض (المصاديق) أو في بعض صور (التزاحم) لكن ذلك غير التشكيك في أصل القيم الانسانية العليا كقيم سامية، كما أنه يستدعي البحث عن الضوابط والحدود والمرجعيات لا التشكيك في الأصل.

شك المريض في وصفته العلاجية

2- وكذا تشكيك المريض، بين يوم وآخر، في العلاج الذي يتلقاه، فهل من الصحيح له أن يقطع علاجه الذي وصفه له الطبيب الماهر، لمجرد أنه شك في صحته؟ نعم إذا عارضه رأي طبيب حاذق آخر أو كانت نتائج العلاج سلبية كان لذلك مجال، وذلك وأشباهه هو ما يستدعي التفصيل بين الحالات والصور كما سيأتي.

شك الزوجة في زوجها أو العكس

3- شك الزوجة المفرط في زوجها وبالعكس؛ وهل ترى الحياة الزوجية، مع الشك المفرط بل كثيراً ما حتى مع الشك بحد ذاته، إلا في مهب الأعاصير؟ وهل يمكن أن تستمر هذه الحياة سعيدة هانئة؟

وهل من الصحيح انتهاج منهج تشكيك الأزواج في زوجاتهم وبالعكس؟ وألا تتحول حياة العوائل كلها حينئذٍ الى جحيم؟

شك الجنود في الخطة العسكرية

4- شك الجنود في الخطة العسكرية وهم في قلب المعمعة، ألا ترى أن أكبر خطر يواجهه الجيش هو خطر الشك والتشكيك في ساعة الهجوم؟ وألا يعد ذلك من أكبر عوامل التثبيط والتخذيل بل قد يكون من أهم أسباب هزيمة الجيش وانكساره؟

ولا شك ان من الصحيح: أن على القادة العسكريين التشاور والتخطيط الشامل عبر منهجية علمية ـ ميدانية متطورة، ولكن هل يصح بعد ذلك أن يفسح المجال لموجات التشكيك بأن تعصف بنفوس الجنود في وسط سوح القتال؟ ألا يعد ذلك من الخيانة ومن أهم مخططات الرتل الخامس؟

رسوم القطط التي هزمت الجيش المصري!

ولنستحضر من عمق التاريخ شاهداً طريفاً على بعض الاثار السلبية العظمى للشك ذلك وعلى دور الشك والتردد في هزيمة جيش كامل، فقد ذكر بعض المؤرخين أن قدامى المصريين في فترة من الزمن كانوا يقدسون القطط (ولعل بعضهم كان يعتبرها الهة أو تجسيداً لها أو لقدراتها) وحدث أن هاجم جيش الأعداء مصرَ او بعض نواحيها إلا أن جيش الأعداء فوجئ بقوة المصريين واستعداداتهم واستماتتهم في الدفاع عن وطنهم، وذلك ما استدعى من قائد جيش العدو أن يعقد، عاجلاً، جلسة استشارية عاجلة للوصول إلى طريقة مبتكرة لهزيمة المصريين بأقل قدر ممكن من الخسائر، وبعد بحث ورد وأخذ، أشار أحدهم إلى ان الحل الامثل يكمن في سلاح التشكيك وأن الشك سلاح ماضٍ فلو أمكننا تشكيك الجيش المصري في سلامة قضيته أو في كيفية قتاله ودفاعه فإن هذا الشك سيكون أكبر نصير لنا في المعركة بل قد تكفي دقائق شك توجب تثبيط الجيش عن قتالنا بكامل قواه بل بشكل متخاذل متردد، لكي نكسب النصر في تلك الدقائق...

وقد عرض ذلك القائد المحنك طريقة مبتكرة سهلة إبداعية لإيقاع ڤايروس الشك في الجنود والطريقة هي: أنه اقترح أن ترسم صور القطط على الدروع والتروس أولاً وأن نصطاد المئات من القطط ثم فجأة ترمى، عند لقاء الجيشين، وسط الجيش المصري ثانياً.

وهكذا كان... فلقد فوجئ الجيش المصري بمئات القطط وسط ساحة المعركة وحيث كانوا يقدسونها احتاطوا في الحركة والهجوم كي لا يسحقونها، كما أنهم فوجؤوا بصور القطط مرسومة على تروس ودروع الجيش المعادي وحيث كانوا يقدسونها ترددوا في رميهم بالنبال أو ضربهم بالسيوف أو الرماح إذ إنها ستصيب التروس وعليها صور القطط المقدسة مما قد يستجلب، في تصورهم الساذج، غضب الآلهة، وكان هذا التردد لدقائق كافياً لجيش العدو لكي يهزم الجيش المصري هزيمة ساحقة...

وليس من المستبعد صدق القضية تاريخياً لما نعهده من بساطة القدماء بل حتى الكثير من المعاصرين، بل ولا يهمنا صدقها إذ المهم الرسالة التي تتضمنها وتحملها، وهي صحيحة وإن كانت لها تجليات مختلفة في كل عصر ومصر.

هذا كله من جهة، ومن جهة اخرى:

الشك النافع

وقد يكون الشك نافعاً، ولذلك امثلة ونماذج عديدة. نشير الى اثنين منها:

الشك في قرارات الحكومات الاستبدادية

أولاً: الشك في قرارات وقوانين الحكومات الظالمة المستبدة؛ فإن الاصل فيها الريبة والشك ولزوم الفحص والتحقيق عما وراء تلك القرارات، فاذا فرضت الدولة الجائرة ضريبة جديدة على البضائع او الاراضي او المساكن أو المحلات أو غيرها وتذرعت بألف دراسة وبأقوال خبراء (مستأجرين لذلك!) فإنه يوجب الفحص ويحرم الاذعان، فانها حكومة غير شرعية، والخروج عن القواعد العامة العقلية الانسانية الاسلامية كـ( الناس مسلطون على أموالهم) لا يصح بقرار حكومة غير منتخبة ولا شرعية، خاصة وان المستبدّ الاصل فيه قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى)[19] و( أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)[20] فان طبيعة الطغاة واحدة وهي المزيد من الجشع للقدرة والطغيان والاستحواذ على الثروة وتركيز القدرة ومحورية الذات والانا والظلم والعدوان.

وكذلك في أي قرار تتخذه الحكومات المستبدة سواء أكان ذلك في حرب أم في معاهدة أم في اجراء عقود اقتصادية مع شركات اجنبية او خطط زراعية او تجارية او صناعية او تسعير للبضائع او رفع او خفض لقيمة العمل او غير ذلك.

وذلك (التشكيك ثم الفحص والبحث) هو واجب مراكز الدراسات المستقلة، والخبراء الاكفاء، وكل من امكنه بوجهٍ ذلك.

الشك لدى الاستثناء من القواعد العامة

ثانياً: الشك في كل ما خالف الاصل العام العقلائي او الشرعي ، فكلما كانت قاعدة عقلائية عامة او شرعية كذلك فاراد شخص ما الخروج عنها بادعاء وجود استثناء لها، فانه يجب الشك والفحص والتحقيق وذلك في مواطن الريبة مما لا ريب فيه، أما في غيرها ففيه تفصيل.

فمثلاً: القاعدة العامة هي: (خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)[21] و(الارض لله ولمن عمرها)[22] و(الناس مسلطون على اموالهم وانفسهم وحقوقهم) و(لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُون)[23] و(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)[24] و(أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[25]) و(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ[26]) و(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [27])و(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ[28]) فاي خروج ومخالفة لهذه القواعد واشباهها لابد ان يواجه بالمطالبة بالدليل والشك في العلة والباعث لذلك والفحص عن السبب فان كان مقنعا فهو والا فلا.

وللبحث تتمات وصلة بإذن الله تعالى

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

قال الامام امير المؤمنين عليه السلام: (الفقيه كل الفقيه من لم يقنِّط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله)[29]

.................................
[1] - سورة إبراهيم: الآيات (9-11).
[2] - سورة العنكبوت: الآية (14).
[3] - سورة هود: الآية (62).
[4] - سورة غافر: الآية (34).
[5] - سورة سبأ: الآية (54).
[6] - سورة الدخان: الآية (9).
[7] - سورة التوبة: الآية (45).
[8] - سورة التوبة: (110).
[9] - سورة إبراهيم: الآيات (9-11).
[10] - سورة الحج: الآية (5).
[11] - وقد سبقت الاشارة الى بعضها في الدرس (220) من دروس التفسير.
[12] - سورة الذاريات: الآية (20).
[13] - سورة الحجرات: الآية (15).
[14] - سورة النساء: الآية (162).
[15] - نهج البلاغة: الخطبة المعروفة بالديباج.
[16] - أي حمية الجاهلية والعصبية للباطل
[17] - بحار الأنوار: (ج69 ، ص191، ح4). المكتبة الشيعية الرقمية.
[18] - الا الشاذ الخارج عن طريقة العقلاء.
[19] - سورة العلق: الآيتان (6 – 7).
[20] - سورة الذاريات: الآية (53).
[21] - سورة البقرة: الآية (29).
[22] - الكافي - الشيخ الكليني: (ج ٥ ، ص ٢٧٩) المكتبة الشيعية الرقمية.
[23] - سورة البقرة: الآية (279).
[24] - سورة النساء: الآية (36)
[25] - سورة الشورى: الآية (38).
[26] - سورة المطففين: الآية (26)
[27] - سورة الحجرات: الآية (10)
[28] - سورة النحل: الآية (90).
[29] - نهج البلاغة - خطب الإمام علي عليه السلام (ج ٤ - ص ٢٠) المكتبة الشيعية الرقمية


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (عقائد)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك