الغدير: الشاهد الأزلي

465 2017-09-11

ماذا يُمكن أن يُضاف إلى الغدير؟

وهل بعد أن استوفى علماؤنا الأعلام موضوع الغدير حقه وأفاضوا فيه وبيّنوا غايته وحقيقته ومقاصده ما يمكن أن يقال؟

وهل بعد ما كُتب عنه من المؤلفات طوال عدّة قرون، وتناقلت الأحاديثَ والرواياتِ عنه المصادرُ المعتبرة والتواريخ الصحيحة وأجمعت عليه كتب السير ما يمكن أن نضيفه إليه؟

هذا السؤال بادرني وأنا أتصفّح بعض الكتب التي أُلّفت بخصوص هذا الموضوع أو خصصت له جانباً منها للشروع بتناول جانب من جوانبه تاريخياً أو أدبياً لما لهذا الموضوع من أهمية كونه توّج مسيرة الإسلام بتنصيب الخليفة الشرعي بعد النبي (صلى الله عليه وآله).

ولكنني أحسستُ وأنا أتنقّل بين صفحات الكتب التي ألفت عنه أن هذا الموضوع قد تناولني هو إلى عالمه الواسع والرحب، وأخذني في سياحة فكرية وعلمية وتاريخية وأدبية، فنسيتُ ما كنت عازماً عليه من الكتابة حوله، وتخيلتُ أنني أتحدّث مع المؤرخين والمؤلفين والكتّاب عن حيثيات الأحداث في ذلك اليوم، والذين لم يتركوا باباً من أبواب هذا الموضوع إلّا طرقوه وسلّطوا الضوء على أحداثه الكثيرة، حتى أنهم بيّنوا موقف كل شخصية حضرت في ذلك اليوم تجاه هذه الحادثة ! فكدتُ أن أترك الكتابة عنه فلا أحب أن تكون كتابتي مرآة لما كُتب، لولا أن لفت انتباهي فقرات متفرقة من موسوعة الغدير للشيخ عبد الحسين الأميني جعلتني أعيد النظر في تفكيري فأدركت أنني كنت مخطئاً!!

الأحقاد تتوارث

لم يكن الخطأ في سؤالي أنني وجدتُ في موضوع الغدير باباً لم يُطرق أو اكتشاف ما يمكن أن يُضيف شيئاً إليه ـ ولو كان ضئيلاً ـ فقد أولاه علماؤنا الأعلام غاية الأهمية، وتناولوه بالدراسة والبحث، واستوفوا حقه من العناية والاهتمام ولم يتركوا مجالاً للشك فيه، أو ثغرة للطعن به.

ولكن الخطأ في سؤالي والذي لم أحسب له حساباً هو أن تلك القلوب التي أضمرت الحقد والبغضاء في ذلك اليوم، ثم حاكت المؤامرات والدسائس في الظلام وزوّرت وأنكرت هذا الحديث قد توارثتها ذلك الحقد الأقلام المأجورة والأبواق الناعقة التي لا زالت تنفث سمها الناقع من جوف الأحقاد الأموية، ولازالت أيادي أحفاد أبي هريرة وسمرة بن جندب وكعب الأحبار تلوّث التاريخ الإسلامي وتدسّ فيه الموضوعات والأكاذيب والأباطيل.

أدركتُ أن الصراع باقٍ بين جبهتي الغدير والسقيفة، بين القلوب التي ابتهجت في ذلك اليوم من السابقين الأولين إلى الإسلام وبين القلوب التي امتلأت غيظاً وحسداً من الذين دخلوا إلى الإسلام كرهاً ومن الطلقاء وأبنائهم.

أليس من العجيب أن تتلاقف هذه الرؤوس والأذهان ملفقات أجدادهم في الفضائل المزيفة من الأحاديث الموضوعة على لسان النبي للخلفاء الثلاثة ومعاوية ويعمدوا إلى الحديث الذي هو جزء من رسالة الإسلام وبه أتم الله دينه فيتناولوه بالتشويه والتزوير والإنكار ؟

أليس من العجيب أن تتصدر دراسة التاريخ الإسلامي عقليات مريضة فاسدة انجرفت وراء تحيّزها المذهبي وساعدها على ذلك (مباركة) السلطات المنحرفة التي اتبعت سياسة (التدجين) لهؤلاء الذين تصدّروا قائمة طمس الحقائق وتحريف المعالم الإسلامية وتزييف سيرة شخصياته فشوّهوا صورة الإسلام الحقيقي ؟

ولم تقف الكارثة التي أصابت تاريخنا وأمتنا عند هذا الحد فقد تفشّى ذلك الداء العضال في جسد الأمة، فسخّرت السلطات المعادية للشيعة وللإسلام والمنضوية تحت لوائه في نفس الوقت كل طاقاتها وإمكانياتها لترويج هذا التحريف والتزييف لأغراض سياسية ومذهبية، وأعدت لكل ذلك عدته من الإعلام الكاذب فانتشرت الفضائيات المأجورة التي عملت بكل جهدها على نشر هذه الترهات والسفاسف ونقلها إلى الناس على أنها حقائق لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها فكان لذلك التحريف والتدليس أثره السلبي الكبير على المجتمع الإسلامي ليس على نطاق محدود, بل إن تأثيراته امتدت إلى رقعة جغرافية كبيرة وتغلغلت في أذهان البسطاء وشكّلت حافزاً عدوانياً على الشيعة وصل إلى القتل والسبي وإباحة الأعراض والممتلكات.

الغدير سيبقى متدفقا

أليس من العجيب أن حديثاً رواه أكثر من مائة صحابي، وأكثر من ثلاثمائة وستين تابعياً، وما لا يحصى من الرواة والمحدثين والمؤرخين والمصنفين وأرباب السير والفتوح والبلدان، ودوّنه المؤلفون والكتاب والدارسون والباحثون، وضمّنه أكثر من مائة شاعر من أعلام الشعر العربي طوال أربعة عشر قرناً في عيون الشعر العربي ثم يأتي من يحرف هذا الحديث تحريفاً كلياً عن وجهته ؟

ولا نغالي إذا قلنا إن سبب كل المآسي التي حلت بالأمة الإسلامية جاءت من جرّاء التحريف في مسألة الخلافة والتي بدأت في السقيفة وامتدت جذورها إلى وضع الأحاديث المزورة من قبل معاوية بهذا الخصوص واستمرت هذه المهزلة في زمن الأمويين والعباسيين وإلى الآن، وترتبت عليها ما لا يحصى من الويلات والمآسي التي حلت بالمسلمين نتيجة المغالطات والإلتباس والنزاع حول حقائق التاريخ.

ولكن كل المحاولات التي أرادت تغييب أو تحريف هذا الحديث قد باءت بالفشل وذهب كل من أراد ذلك يجر أذيال الخيبة فقد نسي أو تناسى أولئك الذين باعوا ضمائرهم ودينهم وأتبعوا حقدهم الأعمى أن (الغدير) هو جزء لا يتجزأ من الإسلام وإن الله قد حفظه كما حفظ القرآن فقال تعالى: (أنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

وماذا نقمتم من (الغدير) ؟ ألأنه دعوة صريحة من النبي (صلى الله عليه وآله) وأمام جميع المسلمين إلى تنصيب الخليفة الشرعي من بعده والدعوة إلى مبايعته بيعة تحفظ للإسلام خطه في بناء دولة متماسكة رصينة أساسها العدل والحق وترسم له منهجه القويم وتضمن نجاة الأمة من الإختلاف والتنازع والإنشقاق ؟

ألأنه كان الدعوة إلى توحيد المسلمين تحت راية الإسلام الصحيح ونبذ الجاهلية وبيعة القائد الكفؤ لها لمواصلة قيادة الدعوة إلى الإسلام بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ؟

وهل كان (الغدير) فلتة ـ والعياذ بالله ـ وقى الله المسلمين شرها كما روى الطبري في تاريخه(ج3ص20) عن عمر قوله : (إن بيعة أبي بكر كانت فلتة غير أن الله وقى شرها) ؟ لكي تنقموا منه ؟

سيبقى الغدير متدفقا بالعطاء وسيبقى المعين الثر الذي يرفد الأمة بآيات الولاء والوفاء لصاحب البيعة المحمدية، سيبقى خالداً لا لأنه قد رواه أكثر من مائة صحابي، وأكثر من ثلاثمائة وستين تابعياً، وما لا يحصى من الرواة والمحدثين والمؤرخين والمصنفين وأرباب السير والفتوح والبلدان، ولا لأنه قد دوّنه المؤلفون والكتاب والدارسون والباحثون، وضمّنه أكثر من مائة شاعر من أعلام الشعر العربي طوال أربعة عشر قرناً في عيون الشعر العربي، بل سيبقى خالدا لأنه اقترن بكتاب الله تعالى الذي يتلى آناء الليل وأطراف النهار في أرجاء العالم ستبقى آياته الشريفة ترتلها الأجيال جيلا بعد جيل وهي تستنشق عبير الولاية وشذى الإمامة الحقة سيبقى خالدا خلود الدهر لأن الله به أكل دينه وفيه أتم نعمته ورضاه لنا دينا: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).

الأميني .. دليل الغدير

أعتقد أن من يريد أن يغترف من (الغدير) العذب الصافي دون أن يتكبّد عناء البحث والتنقيب في المنابع الأخرى فإنه سيجد ما يروي ظمأه الفكري والعلمي والعقائدي عند حوض الشيخ عبد الحسين الأميني الذي ربما تتخيّله وأنتَ تجوبُ عوالم موسوعته الساحرة (الغدير) إنه كان واقفاً مع ذلك الجمع الغفير من الصحابة وهو يستمع في تلك الظهيرة الغديرية إلى خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) التي علّق فيها وصيته في عنق كل مسلم بقوله: (من كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)، فيقومُ الأميني مع جملة من بايع من الصحابة ليبايع أمير المؤمنين (عليه السلام) بيده وقلبه، ولكن بيعة الأميني تختلف عن بقية من بايعه ليس في مضمون وصية النبي ولكن في امتدادها الزماني والمكاني عبر أربعة عشر قرناً، فقد بايعه بهذه الصيغة: (يا أمير المؤمنين: إني أعاهد الله أن أنذر عمري لهذا العيد، وسأكون شاهداً مع الشمس والغدير، وسأنثر من عبق هذه الكلمات نسائم البشرى في أرباض البلاد، وأيقظ من نداها السنابل في صلاة الفجر، وأناجي الغدير بما ترقرق من كوثره على فم الشعراء، وسأجعل منه واحة غنّاء يُستنشق منها رياحين الولاء).

نهلَ الأميني من الغدير، وآثر أن يجعل تلك الصحراء اللاهبة خصبة بماء الولاء وأن يفعمها بأجوائه، وكان أميناً وحريصاً على لمِّ كل ما تناثر من أصدائه، فاكتنفه وتآلف معه وتماهى فيه فانطق به التاريخ والزمان والمكان والأبعاد رغم صعوبة الوسائل ..

فالمخزون التراثي الهائل الذي استقاه من الغدير يدل على مدى انصهاره في تجسيد ذلك اليوم، وتفاعله في لمِّ حيثيات أحداثه، ورسم شخوصه حتى كأنَّ الحياة قد دبَّت فيه، واختلجت أمامنا تلك الظهيرة الساطعة قبل أكثر من أربعة عشر قرناً.

لقد ألهمه الغدير منابع الحب فحملها رسالة تعبِّر عن أن الغدير باقٍ ما بقي الليل والنهار، وهذا الشرف لا يتأتى لكل أحد، فكان يتنقّلُ بين القرون انتقال النحلة من زهرة الى أخرى، يجمع منها رحيق الغدير ليصبَّه عسلاً مصفّى في خليته (موسوعة الغدير) فدخل بتأليفه هذا عالم الخلود من أوسع أبوابه لأنه أبقى بعده شعلة وقّادة تنير للأجيال طريق الحق المتمثل بقوله (صلى الله عليه وآله): (من كنت مولاه فهذا علي مولاه).

أمة في رجل

ربما يكون هذا الوصف أقل مما يوصف به هذا الرجل الفذ، فالجهود الجبارة التي بذلها في تتبع المصادر وجمع الكتب والمادة التاريخية الضخمة والمتنوّعة حتى أخرج كتابه كنزاً من كنوز المكتبة الإسلامية والعربية جعلت ممثل اليونسكو في الشرق الأوسط يقف مذهولا أمام هذه المكتبة الضخمة الذي بذل عقدا كاملا للحصول عليها وازدادت دهشته عندما علم إن هذه المكتبة جمعها شخص واحد هو العلامة الأميني فقال: (إن شعبا يؤسس مثل هذه المكتبة بجهود فردية هو شعب حي ولا يمكن أن يموت)

يقول كمال السيد في كتابه: (دراسة في موسوعة الغدير) (ص11): (إن الأميني سوف يمسك بأثره الخالد متحديا مدونات التأريخ الكبرى التي أهملت عن عمد الإشارة إلى حادثة الغدير لأنها سوف ترسم علامة استفهام كبرى على التأريخ الذي انطلق من سقيفة بني ساعدة.

وسيبقى الضمير المسلم غارقا في الظلمات ما لم يرن ببصره ليتأمل مرة أخرى بقعة على مفترق طرق قوافل الحج القادمة من مكة لينصت إلى جبريل وهو يوحي عن رب العالمين إلى قلب رسول البشرية محمد الأمين: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس).

جوانب من رحلته

أفنى الشيخ الأميني نصف قرن من عمره جهداً وجهاداً في تأليف (الغدير)، وعن سعيه الحثيث في البحث والتدقيق العلمي ومعاناته في الحصول على المصادر نذكر بعضاً من المواقف التي اعترضت طريقه في رحلته الغديرية، ولكنه كافح وجاهد في تذليل عقباتها ورغم هذا الكفاح المُضني إلا أن القارئ ليشعر من خلال تلك المواقف أن هناك تسديداً إلهياً كان يضيء له طريق رحلته.

يذكر الاميني في بعض هذه المواقف: (إنه وصل يوماً إلى طريق مسدود في أحد أبحاثه عن الغدير لأن الكتاب الذي يوصله إلى مخرج من هذا الطريق كان مفقوداً وبدونه تبقى حلقة مفقودة لابد من إيجادها لإتمام بحثه حتى قيل له: إن الكتاب بحوزة رجل من أهل السنة يسكن منطقة الأعظمية. فقصده الأميني، فدهش ذلك الرجل من هذه الزيارة غير المتوقعة لرجل مثل الأميني)، يقول الشيخ الاميني:

قلت له: (علمت أن في مكتبتك الكتاب الفلاني، وقد جئت من النجف لأطالعه وأعيده اليك)، فدعا الرجل الشيخ الأميني للصعود إلى المكتبة، ويواصل الشيخ الاميني حديثه قائلاً (دخلت المكتبة وشاهدت الغبار على جميع أجزائها والكتب مبعثرة هنا وهناك وكأنها مهجورة ولم يمسها أحد منذ زمن فتركني صاحب المنزل وحدي ونزل، وعند ذلك فتحت حزامي، ووضعت عمامتي وقبائي فيها، وغطيتها من الغبار، وابتدأت بتنظيف الكتب وإزالة الغبار عنها، وكان الجو شديد الحرارة وكنت أتصبب عرقاً، وحيث لا مروحة ولا ماء ولا طعام، وأختلط الغبار بالعرق، وغطى المزيج وجهي وأطرافي وأنا مشغول بمطالعاتي واستنساخي حتى العصر، في تلك اللحظة طُرقت الباب وجاء صاحب الدار والنعاس في عينيه، فاستحى حين رآني في تلك الحالة، ثم تعجّب إني ما زلت هنا كيف وبلا ماء ولا وضوء ولا طعام ؟ وعندها جيء للشيخ بالماء وبعض الطعام فتوضّأ وصلى وراح يستنسخ ويقرأ وأخذ ما يريد).

وهناك حكاية أخرى تدلنا على مدى حرص الشيخ الاميني على استقصاء الحقائق من المصادر والسعي لاستحصال الكتب المعتبرة التي تدعم بحثه عن (الغدير) وخلاصة هذه الحكاية انه بكى يوماً لأنه لم يستطيع العثور على مصدر مهم من مصادر بحثه الذي نذر عمره له فطرق باب أمير المؤمنين (ع) قائلاً له: (إن الكتاب كتابك والغدير لك وأسألك بحقك ومقامك عند الله ان تساعدني في العثور عليه).

ويواصل الاميني حديثه: (بعد أن نمت قليلاً نهضت واذا بطارق يطرق الباب وهو جارنا الذي كان يعمل بناءً يقول: شيخنا انني اشتريت داراً جديدة أوسع من هذه ونقلت معظم الأثاث فوجدت هذا الكتاب القديم في زاوية من زوايا البيت، فقالت لي زوجتي: أن هذا الكتاب لا ينفعك فلماذا لا تهديه إلى جارنا الشيخ الأميني ؟ وعندما قدّم الكتاب إلى الشيخ وإذا به نفس الكتاب الخطي الذي كان الشيخ يبحث عنه منذ شهور)

وهناك قصة ثالثة جرت مع الشيخ الاميني في معاناته في العثور على المصدر الذي يبحث عنه وهو أنه احتاج إلى كتاب (ربيع الأبرار) للزمخشري وكان هذا الكتاب قبل أن يطبع وينشر خطيّاً ونادراً ولا توجد منه سوى ثلاث نسخ خطية: واحدة منها عند الإمام يحيى في اليمن، والثانية في المكتبة الظاهرية بدمشق، والنسخة الثالثة عند أحد المراجع في النجف الأشرف ولما توفي هذا المرجع ورث المكتبة - بما فيها هذا الكتاب - ولده، فقصد العلامة الاميني بيت هذا العالم وطلب من ولده الكتاب استعارة لمدة ثلاثة أيام فقط، ولكنه امتنع فالتمسه الشيخ يومين، ولكنه امتنع أيضاُ... يوم واحد امتنع كذلك يقول الشيخ الأميني: (قلت له أعرنيه ثلاث ساعات، فرفض فقلت له: إسمح لي أن أطالعه عندك في دارك فأمتنع مرة أخرى وهنا يئست منه تماماً).

ولم تنفع توسّطات المرجعين أبي الحسن الأصفهاني والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في إعارة الكتاب وبعد أن أصاب اليأس شيخنا الأميني من الرجل والكتاب قصد كعادته الحرم المطهر لأمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يتوسّل بالله في الحصول على ذلك الكتاب فرأى فيما يرى النائم الإمام (عليه السلام) وهو يقول: أن جواب سؤالك عند ولدي الحسين. فأستيقظ أثر ذلك وكان وقت الفجر وارتدى ملابسه قاصداً حرم سيد الشهداء في كربلاء وبعد إدائه الزيارة جلس في أحد الأواوين فأقبل إليه خطيب كربلاء الشيخ محسن أبو الحَب، وبعد السلام والتحية دعاه أبو الحَب إلى داره القريبة للاستراحة، وبعد استراحة قصيرة قال شيخنا للشيخ أبو الحب: أرني مكتبتك فلما رافقه إلى مكتبته جعل يتجوّل فيها ويتصفّح الكتب وفيما هو كذلك وإذا به يشاهد ضالته المنشودة كتاب (ربيع الأبرار للزمخشري) !!

يقول الشيخ الأميني: ولما مسكته بيدي تأكدت إنه هو لا غيره خنقتني العبرة وأجهشت بالبكاء فجاءني صاحبي مستغرباً ومستفسراً فحدثته عن قصة الكتاب والرؤية وكيف أن الإمام (عليه السلام) حوّلني على ولده الحسين (عليه السلام) الذي قادني إليك وإلى مكتبتك والكتاب. وفيما يسمع الشيخ محسن أبو الحب تلك الحكاية ترقرقت عيناه بالدموع هو الآخر وقال لي: شيخنا الجليل إن هذا الكتاب الخطي يعتبر من النوادر، وإن قاسم محمد الرجب - وهو صاحب أكبر مكتبة في بغداد آنذاك - وهي مكتبة المثنى دفع لي مبلغ ألف دينار لشرائه وطبعه ولكني رفضت ذلك - وكان ذلك المبلغ في حينها يعتبر مبلغاً ضخماً يكفي لشراء دار - بعدها أخرج الشيخ أبو الحب قلمه من جيبه وكتب عليه إهداءه إلى العلامة الأميني قائلاً: هذا جواب حوّالة سيديَّ الإمامين العظيمين علي والحسين (عليهما السلام).

هذه بعض من الحالات التي واجهها الشيخ الأميني في رحلته الطويلة والشاقة والتي جاب بها البلاد وتحمل المشاق وبذل الأموال في سبيل تحقيق حلمه بتأليف موسوعته الخالدة (الغدير) والتي أوضح فيها الصبح لذي عينين على حقيقة الغدير وسطوعه في التاريخ سطوع الشمس ومن تعامى فهو أعمى بصيرة (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلُّ سبيلا).

فقد أفاض في موسوعته دراسة وبحثاً وتحليلاً وبذل في تأليفها جهوداً جبارة تقرب إلى الإعجاز خاصة في ذلك الوقت الذي يتم فيه نسخ الكتب باليد والحصول على المصادر مهمة عسيرة، ولكنه ألمَّ بهذا الموضوع إلماماً تاماً ودعمه من الأدلة والبراهين والشواهد ما يذهل القارئ لكثرتها والتوسّع فيها والتوغّل في تفاصيلها وبما لم يسبقه أحد في ذلك حتى أقترن اسم الأميني بـ (الغدير) فلا يكاد يذكر اسم الغدير إلّا ويذكر الأميني ولا يذكر الأميني إلّا وتذكر هذه الدراسة العلمية الشاملة لحادثة وحديث الغدير، هذا الإنتاج العلمي الهائل والعمل القيم الضخم الذي يعد بحق من الظواهر العلمية الفذة في عالم التأليف.

دفاع عن الغدير

اتبع الأميني منهج التحقيق العلمي الموضوعي في دراسته ورد شبهات المحرفين والمشككين بحديث الغدير بالدلائل العلمية والتاريخية وجابه لغة الحقد الأعمى بلغة البصيرة والحقيقة ومن ردوده المفحمة وأجوبته على من قال بأن عيد الغدير هو من ابتداع معز الدولة البويهي الذي احتفل به عام (352هـ)، فرد عليه الأميني جواب العالم الذي أحاط بالموضوع من كل جوانبه فقال: (أوليس المسعودي المتوفى سنة (346هـ) يقول في التنبيه والأشراف (ص221): (وولدُ علي وشيعته يعظمون هذا اليوم)، أوليس الكليني الراوي لحديث عيد الغدير في الكافي (4/149ح3) توفي سنة (329هـ)، وقبله فرات بن إبراهيم الكوفي المفسر الراوي لحديثه الآخر في تفسيره الذي هو في طبقة مشايخ ثقة الإسلام الكليني المذكور، أوليس الفياض بن محمد الطوسي قد أخبر به سنة (259هـ)، وذكر أنه شاهد الرضا (سلام الله عليه) المتوفى سنة (203) يعيد في اليوم ويذكر فضله وقدمه، ويروي ذلك عن آبائه عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) والإمام الصادق المتوفى سنة (148هـ)، قد علم أصحابه بذلك كله وأخبرهم بما جرت عليه سنن الأنبياء من اتخاذ يوم نصبوا فيه خلفائهم عيدا....)

بهذه الحصافة العلمية والذوق الأدبي الرفيع رد الأميني على كل الشكوك التي تطاولت على حديث الغدير وفضح كل محاولات التزييف والتحريف والإخفاء والتمويه التي مارسها بعض الكتاب والمؤرخين تجاه الغدير فأحصي أكثر من ألف اسم حاولوا تزوير حديث الغدير وحرفه عن معناه الحقيقي فتصدى لهم الأميني وكشف زيف كلامهم وأقوالهم

الغدير أبهر العقول

لا يستطيع المطلع على هذا الكتاب سوى الوقوف إجلالا لمؤلفه بغض النظر عن توجهاته وانتمائه لما احتوى من الحجج البالغة والدلائل الساطعة التي دلت على علمية فذة نادرة وقد أشاد بهذا الكتاب أعلام المفكرين والكتاب والمثقفين والملوك والوزراء والرؤساء الذي نطقوا بضمائرهم الحية فأثنوا على هذا الجهد العظيم نقتطف بعضاً من هذه الأقوال.

يقول الدكتور محمد عبد الغني حسن عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة: (إن العلامة الأستاذ عبد الحسين الأميني لم يكن محبا متعصباً ؟، ولا ذا هوى متطرف جموح، وإنما كان عالماً وضع علمه بجانب محبته لعلي وشيعته, وكان باحثا وضع أمانة العلم ونزاهة البحث فوق اعتبار العاطفة).

ويقول عالم حلب محمد سعيد دحدوح: (فالغدير دعم أموراً، وأزال أوهاماً، وأقر حقائق، وأثبت أشياء كنا نجهلها، ودحض أقوالاً مشينا عليها قرونا عديدة ونحن نقول: أي هكذا خلقت لا نعلم لها مأتىً ولا نفكر بأسرارها)

ويقر الأستاذ صفاء خلوصي على أثر الروايات الكثيرة والقصائد الطوال التي ذكرها الأميني في حديث الغدير بصحة هذا الحديث رغم أنه متضلع في الأدب فيقول: (فوجدت في النهاية أني أستطيع أن أكون لي رأيا في غدير خم. إن قضية الغدير لا شك في صحتها، إذ لا يمكن أن تُبنى هذه الروايات المتواترة والقصائد الطوال على شيء غير واقع)

ويقول محمد سعيد العرفي مفتي محافظة دير الزور وعضو المجمع العلمي العربي: (إن المؤلف قد جمع في هذه الأجزاء الثلاثة من العلوم والآداب ما صير الغدير عيدا شاملا لكل مؤمن)

ويقول آية الله عبد الهادي الشيرازي: (ولئن وقفت على هذه الموسوعة الكريمة تجد نفسك على ساحل عباب متدفق لا ينزف، ولا تنكفئ عنها إلا وملء ذاكرتك معارف إلهية وحشو فاكرتك تعاليم قدسية، وبين عينيك مجالي قوله تعالى: (الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)

ويقول الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود: (هذا جهد يجل عن الطاقة، لم تنؤ به همة المؤلف الجليل ولم يقعد دون شأوه اصطباره، ولقد ظلت أعجب ـ وحق لي ـ كيف وسعه أن يخضع وقته لبحث طوّف بع نيفا وألفا ونصفا من الأعوام، غير آيس ولا ملول، منقبا فيها عن كل هذه التحف الذهنية التي همّ غبار الزمن أن يغيبها عن أعين هذا الجيل !!.. ولكنه صبر ليس ينجبه سوى إيمان للرجل وثيق بقدر عمله وجدواه، وإيمان أيضاً بشخصية الإمام العظيم بلغ أعلى ذراه...)

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك