مرجعيات المعرفة


(أن الشيء كما يبدو لنا، يختلف عن الشيء في حد ذاته). وهذا هو ما ذهب إليه كانط، وهذه المقولة قد يكون المقصود بها: ذلك المفهوم الذي يرتضيه النسبيون الهِرمينوطيقيون أي أن (الشيء في ذاته، لا تناله عقولنا كما هو هو، بل إنه في مسيرته ليتحول إلى "معلومة" في أذهاننا، فإنه يتشكل ويتلون، بلون مسبقاتنا الفكرية وخلفياتنا النفسية). وبعبارة أدق: لا يتطابق (الشيء كما يبدو لنا مع الشيء في ذاته).

وهذه بعض المناقشات في هذا المفهوم:

أولاً: هذه الثنائية استقراء ناقص

ثانياً: الثنائية تنقض نفسها بنفسها

ثالثاً: ليس تأثير القبليات قسرياً

رابعاً: الوجه الآخر: التأثير الايجابي للخلفيات

خامساً: هناك حقائق تتحدى التلوّن

سادسا: تطور العلوم يتجاوز (الثنائية) تدريجياً

سابعاً: بدائل العلم الاكتسابي

وفيما يلي المناقشة الثامنة:

ثامناً: مرجعيات (المعرفة)(1)

لا ريب في أن الشيء كما نفهمه أو كما يبدو لنا، قد يعكس في بعض الاحيان، صورة مغايرة عن الواقع، فلا يكشف (الإدراك) بأمانة وصدق عن واقع الشيء أو الشيء في حد ذاته وكما هو.

لكن (الخالق) جل اسمه، كما خلق (مرشِّحات) في عالم التكوين، كذلك خلق (مرشحات) في عالم المعرفة، أو إن شئت فقل: خلق (مرجعيات)(2) ـ أحدها نور العقل ـ مهمتها تصفية الشوائب، وتصحيح مسار (المعلومة)، وصقل مرآة الفكر، لكي يتطابق (الإدراك) مع (المدرَك) ولكي يكون الشيء ـ المتلون والمتلوث بالقبليات ـ كما بدا لنا أولاً، مطابقاً للشيء كما هو هو بعد مروره بمصفاة العقل، ثانياً.

فكما أن (العقل) ـ وهو إحدى المرجعيات ـ قادر على تصحيح أخطاء الحواس (كرؤية الجسم البعيد، صغيراً، ومشاهدة إلتقاء الخطين المتوازيين في إمتداد البصر، وتصور الجسم المنطلق بسرعة كبيرة، ذا امتداد كخطٍ طويل، أو الجسم المتحرك في دائرة، كدائرة متصلة).

كذلك فإن العقل قادر على تصحيح أخطاء (التفكير) و(الإدراك) و(المعرفة) وإذا كان (العلم) أو الذهن غير قادر ـ على حد زعم كانط ـ على الوصول إلى حقائق الأشياء وبواطنها، فإن ذلك لا ينفي وجود قوى أخرى، ستأتي الإشارة إليها ـ قادرة على ذلك، وبعبارة أخرى: إن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.

ومن المرجعيات:

أ: مرجعية الفطرة والوجدان

(الفطرة) و(الوجدان)، ولذا نجد أن الإنسان كلما انحرف عن (الحقائق الفطرية)، صرخ به صارخ الفطرة، ووخزه الضمير والوجدان، فأعاده إلى (أحضان الحقيقة).

ولذا نجد أن (المصالح) و(الشياطين) و(العادات والتقاليد) قد تزين للضالين (قتل الأبرياء) فيتحول (ما هو قبيح في حد ذاته) إلى (حسن كما يبدو له) (أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً)(3)، إلا أنه، وبعد فترة تطول أو تقصر، تنقشع عن عينية حجب الظلام ويبدأ وجدانه يعنِّفُه، وضميره يوخزه، وفطرته تؤنبه، وهذا مثال واضح على مرجعية (الوجدان).

ومن أوضح الأمثلة على (مرجعية الفطرة): الردّ الفطري البديهي الواضح على (السوفسطائي) الذي ينكر وجود العالم، ووجود ذاته، ووجود أي شيء، ويقول: كل هذه أوهام وأحلام وأساطير.

إن (الفطرة) تشكل (مرجعية) أكيدة لكل البديهيات، ولولاها لإنهار النظام المعرفي كله، ولم تبق هنالك (أشياء) حتى نقول أن لها ظواهر (فنومن) وبواطن (نومن) وأنها كما تبدو لنا تختلف عنها كما هي في حد ذاتها)؟! فلا التفاحة موجودة، ولا حمرتها أو رائحتها ولا غير ذلك!

ب: مرجعية العقل

(العقل) فإن العقل (نور)، وما أكثر ما كان (العقل) مرجعاً لتصحيح أخطاء الحواس الظاهرة أو الباطنة، وما أكثر ما كان مرجعاً لتصحيح أخطاء ما توهمه الناس (علماً)، وقد فصلنا الحديث عنه في كتاب (الضوابط الكلية لضمان الإصابة في الأحكام العقلية).

ج: مرجعية الأنبياء والأوصياء

ومن المرجعيات (الأنبياء والرسل والأوصياء). وبذلك نكتشف برهاناً جديداً ـ أو طريقة عرض جديدة ـ على ضرورة بعثة الأنبياء ووجود الأئمة من بعدهم والأوصياء، وعنوان البرهان: أنه لابد للخالق الذي خلق الكون والبشرية، لغاية، وهي:

1- التكامل بالعبادة.

2- والرحمة.

3- والعلم(4).

ولذلك وضع لهم قوانين، ونهج لهم مناهج، وعرفهم النافع لدينهم ودنياهم، وحذرهم من الضار(5)، وأراد منهم العلم والمعرفة بالكثير من الحقائق الغيبية والمادية، ويسَّر ذلك لهم، قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)(6)، و: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ)(7) وفي الحديث: (وسِر في ديارهم وآثارهم، فانظر فيما فعلوا..)(8)، وما أكثر أوامر التعلم والعلم والمعرفة في القرآن الكريم والروايات الشريفة، خاصة مع إحاطته تعالى بأن (الخلفيات النفسية) و(القبليات الفكرية والمعرفية) كثيراً ما تؤثر في تشويه المعرفة، وتقطيع الحقيقة أو تلويثها، أو تغيير الواقع؛ لابد له ـ بالنظر لحكمته، ورحمته، ولطفه، وجوده وكرمه ـ من أن يخلق (مرجعية) فكرية ـ عقدية ـ علمية، عملية شاملة، وقد فَعَلَ، ولذلك قال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها)(9) والتفصيل يطلب من (علم العقائد والكلام والفلسفة).(10)

ولنكتف ههنا بإشارة واحدة فقط في هذه الآية الشريفة، وهي:

إن (عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) قد يستظهر منها أن لها بعدين: بعداً كمياً وبعداً كيفياً، ففي بعد الكم يستظهر أنه تعالى علّمه أسماء كافة الأشياء من مجردات وماديات، ومن جواهر وأعراض، ومن أفكار ومفاهيم وعلوم وغيرها.

وفي البعد الكيفي يستظهر أن تعليمه لم يكن تعليماً سطحياً، كمعلوماتنا، أي لم يكن علماً ظاهرياً بمظاهر الأشياء وظواهرها و(ما يبدو لنا منها) بل كان أيضاً علماً واقعياً ببواطن الأشياء وأعماقها و(الشيء كما هو في حد نفسه)، أي كان علمه مما يحيط بالشيء كماً وكيفاً وجهة.

والحاصل أن (عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) له عموم أفرادي، وإطلاق أحوالي وأزماني.

بل قد يقال: إن علمه بالأسماء كان على نحو أسمى من العلم الذي يوجد لدينا بأسماء الأشياء، ولعله كان نوعاً من العلم الحضوري، والله العالم.

والحاصل: أن علم آدم بالأسماء، كان علماً مطلقاً، لا ترتقي إليه النسبية بوجه أبداً، فكان:

(أ) شاملاً كاملاً.

(ب) قطعياً يقينياً لا ظنياً.

(ج) مصيباً مائة بالمائة لا مخطئاً في أصل القضية أو في جهة من جهاتها.

(د) غير متغير بتغير الظروف والأحوال أو حدوث الطواري أو تغير الأزمان.

(هـ) وكان ذا معايير موضوعية تضمن له مطابقة الواقع، وذا منهجية واقعية علمية ربانية.

(و) وكانت الأسماء ـ أو اللغة الحاملة لتلك المعاني إن كان ثمت لغة ـ لغة مطلقة غير نسبية.

(ز) وكانت مما تتناول ظواهر الوجود وبواطنه، فقد تطابق لديه (الشيء كما يبدو له) مع (الشيء في حد ذاته).

وقد جاء في تفسير العياشي عن أبي عبد الله سلام الله عليه، في الجواب عن سؤال أبي العباس قال:

سألته عن قول الله: (عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا)(11) ماذا علّمه؟ قال: (الأرضين والجبال والشعاب والأودية ـ ثم نظر إلى بساط تحته وقال: ـ وهذا البساط مما علمه)(12) وظاهر الرواية (الأرضين و..) إنه تعالى علّم آدم حقائقها وظواهرها وبواطنها وقوانينها إلى غير ذلك، أي كافة شؤونها وما يرتبط بها، وقال: (إن الله تبارك وتعالى علم آدم عليه السلام أسماء حجج الله كلها ثم عرضهم وهم أرواح على الملائكة...) (13) كما في المعاني.

د: مرجعية قواعد من المنطق

ومن المرجعيات (الكثير من قواعد المنطق). فمثلاً قواعد إنتاج القضايا المسماة بـ(الإشكال الأربعة)، تعد مرجعية لا تقبل الجدل.

فإن إيجاب (الصغرى) مع كلية (الكبرى) ويرمز إليه بـ(مغكب)، لا ريب أنه ينتج كبرى كلية، كلما كان القياس من (الشكل الأول): الأوسط محمول في الصغرى وموضوع في الكبرى.

وكذلك فإن اختلاف المقدمتين بالسلب والإيجاب، مع كلية الكبرى، ويرمز إليه بـ(خينكب)، لابد أن ينتج قضية دائمية في (الشكل الثاني للقياس): وهو ما كان الأوسط محمولاً في المقدمتين معاً.

وكذلك فإن كون الصغرى، موجبةً، مع كلية إحدى المقدمتين ويرمز إليه بـ(مغكاين)، لابد أن ينتج كبرى كلية، في الشكل الثالث: ما كان الأوسط موضوعاً في المقدمتين.

كذلك فإن شرط إنتاج الشكل الرابع هو أن لا يتألف من سالبتين أو جزئيتين أو من سالبة صغرى وجزئية كبرى، وأن لا تكون إحدى مقدماته سالبة جزئية، وأن تكون الصغرى كلية إذا كانت المقدمتان موجبتين، وهو ما يرمز إليه بـ(مينكغ) أو (خينكاين).

وكذلك من القواعد المسلَّمة في الإنتاج: قواعد (العكس المستوي) فإن:

(1) الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية.(14)

(2) الموجبة الجزئية تنعكس موجبة جزئية.(15)

(3) السالبة الكلية تنعكس سالبة كلية.(16)

(4) السالبة الجزئية لا عكس لها.(17)

ولا يتوهم أن العلم الموجبة الكلية قد تنعكس كلية؛ إذ نجيب أن ذلك صحيح مع توفر العلم الخارجي بالتساوي، والكلام هو في (الإطِّراد) وأن الموجبة الكلية يصدق أبداً عكسها إلى موجبة جزئية، فتتخذ قاعدة لاستنباط المجهول، ولا تصدق إلا أحياناً بعكسها إلى كلية، فلا تتخذ قاعدة لاقتناص المجهول.

وبذلك تتضح الإجابة أيضاً عن شبهة أن السالبة الجزئية لا تنعكس.

وكذلك الحال في قواعد (عكس النقيض) وهو (تبديل كل من الموضوع والمحمول بنقيض الآخر مع بقاء الكيف، وفرض صدق الأصل) ـ وهي طريقة القدماءـ.(18)

أو (تبديل الموضوع بنفسه إلى محمول، وتبديل نقيض المحمول إلى موضوع، مع فرض صدق الأصل) وهي طريقة المتأخرين.(19)

هـ: مرجعية العلم الحضوري

ومن المرجعيات (العلم الحضوري) فإن (العلم(20) الحصولي) يحتمل فيه الخطأ، أما (العلم الحضوري) فإنه لا يحتمل فيه الخطأ، بل لا يعقل الخطأ فيه؛ لأنه حضور المعلوم بنفسه لدى العالم، ولا معنى محصَّل له (الخطأ) في عالم الثبوت نفسه، بل الخطأ ينشأ من توهم تطابق عالم الإثبات مع عالم الثبوت.

وعلى أي؛ فإن (العلم الحضوري) متى حصل يعد (المرجعية) لتصحيح أخطاء العلوم الحصولية، أي كل علم نتج عن الخطأ في الفكر، أو الحواس، أو عن إكتناف القضية بالمسبقات والخلفيات.

ويتضح ذلك عبر تبسيطه بالمثال الآتي، فإن معلومات الشخص، عن القوة الغضبية، تخضع للتصحيح، كلما تأجج غضب الشخص فحضر لدى ذاته نفس المصداق الحقيقي لـ(الغضب) أي إذا ثار غاضباً، فإنه عندئذٍ وبمراقبة هذه القوة الغضبية وقتَ تأججها وحضورها لديه بذاتها، يستطيع أن يعرض صوره الذهنية المسبقة عن الغضب، ليكتشف الصواب من الخطأ، والمثال التقريبي(21): رقابة الأطباء للمريض في حالة تقلباته النفسية والصحية.

والأمر كذلك، في كل من (قطع بعدم وجود الخالق)، فإنه وفي مواجهة أي خطر عظيم وفي أي منعطف خطير مصيري، كإرتجاج شديد للطائرة، وسقوطها السريع، أو تلاعب الأمواج العاتية بالسفينة وكأنها ريشة في مهب الأعاصير؛ فإنه عندئذٍ تتلاشى (صوره الذهنية، وعلومه الخاطئة، ورفضه لوجود الله، ليحل محله الإحساس الوجداني الفطري، بوجوده جل وعلا).

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ& فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا...).(22)

وذلك كله، على مسلك مشهور الفلاسفة والمتكلمين، الذين أذعنوا بتحقق العلم الحضوري، للإنسان.

لكننا ارتأينا غير ذلك، وارتضينا أن العلم (نور يقذفه الله في قلب من يشاء)(23) وأنه ليس بالحصول ولا بالحضور، وقد فصلنا الحديث عن ذلك في (الحجة، معانيها ومصاديقها) وفي (مباحث الأصول ـ القطع) بالمناسبة، فلا ضرورة للتكرار.

وعلى أي، فإن (المرجعية) على مسلكنا هذا تكون لذلك (النور) بدل (العلم الحضوري)، وذلك ما يشهده كل إنسان عندما يتنبه فجأة من غَفلةٍ مُرة طويلة، تحكمت فيه؛ ولذا نجد كثيراً من العلماء (يؤمنون بالله تعالى) إثر صدمة معينة.

ومثاله العرفي (النور) الذي ينقدح فجأة في ذهن المرء، فيكشف له خيانة صديق له والتي استمرت ـ لربما ـ لعشرات السنين.

و: مرجعية الطبيعة

كما أن من (المرجعيات)، (الطبيعة) بنفسها، وذلك عبر نظام ردود الأفعال والآثار الوضعية والانعكاسات التكوينية.

تاسعاً: الحقائق الشفافة

إن (الحقائق) إنما يتعقل فيها ثنائية (الشيء في حد ذاته والشيء كما يبدو لنا) لو كانت ذات بعدين: ظاهري شكلي (يتكون من لون وحجم وشكل مما يحس بالحواس الخمس) وداخلي باطني خفي مستتر، أما الحقائق (الشفافة) فلا، ونعني بالحقائق الشفافة الحقائق التي يكون ظاهرها عين (أو كاشف عن) باطنها من غير أن تتركب من أجزاء خارجية ظاهرية أو باطنية، أو تلك البسيطة التي لا شكل أو لون أو حجم أو طعم أو ملمس لها، وذلك مثل: (الحقائق المنطقية)(24) و(الأحكام العقلية)(25) و(المستقلات العقلية)(26) ومثل المجردات، فتأمل.

أو نقول: إن ثنائيته ترتد عليه حينما يكون الحديث عن (الظاهر) نفسه، دون الباطن، أي عندما نتحدث عن ما يناله الحس مباشرة، أي عندما يكون الحديث عن (الشكل) و(الحجم) مثلاً، فهل يعتبر إدراكنا لها أيضاً (ثنائياً) أم واقعياً؟ أم يراها مثل أو من (قبلياته الاثني عشر)؟

ولا يخفى أن هذا الاعتراض وارد على التفسير الثاني لتلك الثنائية.

عاشراً: مصنوعات البشر

إن مما يستدل به على نسف تلك الثنائية ورفض التغاير الحتمي بين (الشيء في ذاته) وبين (الشيء كما يبدو لنا) هو: أن من الممكن للبشر والمقدور لهم ـ بل قد فعلوا ذلك ـ صنع أدوات وأجهزة وأشياء ذات جواهر وأعراض، أو ذات حقيقة واحدة وخواص متشابهة.

ويظهر ذلك في الحقائق التركيبية ذات الوحدة العرفية والاعتبارية.

ألَم يصنع البشر: الكمبيوتر؟ وجهاز التلفاز والإذاعة؟ بل ألم يستنسخ البشر النعجة (دولّي) بل والإنسان أيضاً؟ وألم يحوّل مادة إلى مادة أخرى، أو إلى طاقة؟

إن (الشيء في حد ذاته) إذا لم يكن مما يمكن للبشر أن يناله، بأي وجه من الوجوه، فكيف صنعه؟ وكيف صنع مثله؟

وهذا الإعتراض مما يسجل على كلا تفسيري تلك الثنائية(27)؛ إذ إذا كان (الباطن والجوهر) علة (الظاهر) كما يعترف به كانط، فكيف يصنع البشر جهازاً متكاملاً يضم الجوهر والظاهر، ويحظى بنسبة نجاح 100% وهو لا يدرك الباطن والجوهر بوجه من الوجوه؟ وهل يعقل أن تكون العلة ـ أو ما هو بمنزلتها ـ جاهلاً تمام الجهل بالمعلول؟

وكيف للبشر أن يصنع ذلك الجهاز، والحال أن ما حضر لديه من انعكاسات الشيء (أي صورته العلمية الإدراكية عنه) مختلف عن الشيء في حد نفسه وكما هو هو؟ كيف ينتج ذلك الجهاز ويوصل للأهداف المتوخاة بالضبط، دون أن تصح وتتطابق معلومات صانعه عن الشيء، مع الشيء في حد ذاته؟

لكن لعله يمكن التصدي لهذا الإعتراض عبر التمسك بأن البشر ههنا ليس إلا علة معدة، ثم إنه الفاعل للعلة الصورية لا للعلة المادية والجوهر، فتأمل.

هذا وسنعود في آخر الكتاب، للتوقف عند مقولة (الشيء في ذاته) مرة أخرى بإذن الله تعالى.

* من الفصل الثالث لـ كتاب (نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة)
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/arabic/author/10

..........................
(1) هذا الجواب أيضاً يصلح جواباً عن كلا المعنيين.
(2) المرجعيات، إحدى مهامها (التصفية) و(الترشيح) فـ(المرجعيات) فكرة أشمل من (المرشحات).
(3) سورة فاطر، 8.
(4) فصلنا الحديث عن ذلك في كتاب (بحوث في العقيدة والسلوك) ومن الآيات الدالة: قوله تعالى (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) سورة الذاريات: 56، و (اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً) سورة الطلاق: 12، و(وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ& إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) سورة هود: 118-119.
(5) كقوله تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ) سورة الأعراف: 157.
(6) سورة فصلت: 53.
(7) سورة آل عمران: 191.
(8) نهج البلاغة: ج3، كتاب 31، من وصية له للحسن بن علي سلام الله عليهما، ص39.
(9) سورة البقرة: 31.
(10) ليراجع (حق اليقين) للسيد عبد الله شبر، و(شرح التجريد) للعلامة الحلي وغيرهما.
(11)سورة البقرة: 31 .
(12) تفسير العياشي: ج1، ص32، ح11.
(13) كمال الدين: ج1 السر في أمره تعالى الملائكة السجود لآدم ص13.
(14) مثل: كل حديد يتمدد بالحرارة، لا يصح عكسه الكلي إلى: كل ما يتمدد بالحرارة فهو حديد، بل الجزئية صحيحة فقط: بعض ما يتمدد بالحرارة حديد.
(15) كـ: بعض الإنسان أبيض، تنعكس إلى: بعض الأبيض إنسان، وبعض الأطباء مفكرون، تنعكس إلى: بعض المفكرين أطباء.
(16) مثل: لا شيء من الواجب الوجود بالذات، بحادث، وعكسه: لا شيء من الحادث بواجب الوجود بالذات.
(17) فـ(بعض الطاقة ليست بنور) لا يصح عكسها إلى (بعض النور ليس بطاقة) ـ مع إلتزامنا بأن النور من أنواع الطاقة لا المادة.
(18) فلو صح (كل مادي فهو زمكاني، أي في زمان ومكان) صح (كل لا زمكاني فهو لا مادي).
(19) وصح (لا شيء من اللا زمكاني بمادي).
(20) والمراد (القطع) فإنه أعم من العلم والجهل المركب، أما (العلم) فلا يطلق إلا لدى الإصابة، كما فصلنا ذلك في كتاب (مباحث الأصول ـ القطع).
(21) هذا المثال تقريبي، لأن علم الأطباء الحاصل مع الملاحظة والمراقبة، هو علم حصولي كما لا يخفى.
(22) سورة يونس: 22ـ23.
(23) انظر مصباح الشريعة: ص16 الباب السادس.
(24) الحقائق المنطقية مثل الأشكال الأربعة وشروط إنتاجها، القياس الاستثنائي، عكس النقيض، العكس المستوي، الموجهات البسيطة، الموجهات المركبة... الخ.
(25) كحكمه بامتناع اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، أو الدور والتسلسل أو كون الجزء أعظم من الكل.
(26) هذا من باب ذكر العام بعد الخاص، مثل (حسن العدل وقبح الظلم) و(حسن الاحسان) وغير ذلك.
(27) أي التفسيرين الثاني والثالث، الذين ذكرناهما أول البحث.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (عقائد)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك