كيف يواجه العالم ارتفاع معدلات الانتحار؟

884 2016-12-24

إذا علمنا بأن معظم حالات الانتحار سببها فقدان الأمل من كل شيء عندها ندرك أهمية الحديث عن الرحمة في هذا الموضع بالذات، في كل 40 ثانية هناك شخص ينتحر في مكان ما من هذا العالم! وفي كل عام هنالك مئات الآلاف من الأشخاص يموتون منتحرين في العالم. وفي كل عام يموت 873 ألف إنسان بعمليات انتحار مختلفة.

وفي السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة التهديد أو محاولة الانتحار، سواء بشكل فردي أو جماعي، او ما بات يعرف بالانتحار عبر البث المباشر، مسببات هذا القتل المتعد للنفس كثيرة ومتعددة منها اقتصادي واجتماعي ونفسي كفقدان الأمل وغيرها من الأسباب والمسببات، وينجم الانتحار دائما عن تراكم عوامل، ويأتي في الغالب إثر الإصابة بأمراض نفسية مثل الاكتئاب والشعور بالاقصاء وتكرر الفشل.

وقد تكون هناك أسباب أخرى مثل ضعف الضمير وعدم القدرة على التكيف مع المجتمع وهنا تظهر فكرة إريك فروم حول الانتحار حيث الصراع بين الداخل والخارج وعدم الالتفات للعوامل الحضارية الاجتماعية. قد تباينت الردود على الانتحار ففي الهند واليابان يكون الانتحار مصدر شرف عندما تحترق الزوجة بجانب زوجه الميت أو مثل طياري الكاميكازي الانتحاريين وبعض المجتمعات تجعل الانتحار كجريمة وخطيئة لا تغتفر، وعادة ما يشعر أقرباء المنتحر بالذنب والعار والهجر.

على الصعيد نفسه يحذر مختصون من أن تطرق وسائل الإعلام إلى الانتحار بشكل مفرط وبأسلوب "إثارة" يمكن أن تكون له آثار مدمرة، بعض الشعوب لديها رمزية خاصة للانتحار كما هو عند اليابانين، فيما يحرم في البدان الاسلامية قتل النفس بأي حال من الأحوال ويشير إلى أن حياة الإنسان ليست ملكا له وبالتالي لا يجوز التحكم بها من قبله.

الانتحار من الكبائِر التي تُدخل صاحِبها النار وتخلِّده فيها، قال تعالى في سورة النِّساء ((وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً))، وقال النبي محمد صلى الله عليه واله: ((من قتل نفسه بشيءٍ، عذِّب به يوم القيامة))، وهذا دليلٌ واضِح على أن المنتحر يبقى يتعذّب بالجريمة التي أقدم عليها إلى يوم القيامة وبأنه يبعث عليها.

ويبدو أن تضيق الوعي والفكر والنظر يسبق محاولات الانتحار حيث نجد أن الفرد لم يعد يرى أمامه إلا الموت وقتل نفسه .. ويتضيق مجال رؤيته وتفكيره ويصبح محدوداً وناقصاً غير منتبه لتفاصيل كثيرة واحتمالات أخرى ممكنة .. وهذا الضيق في النظر والتفكير والانفعال يمكن تعديله بشكل إيجابي في عدد من الحالات .. من خلال الحوار ومن خلال فتح إمكانيات أخرى للعمل والفعل غير قتل النفس.

تونس

ارتفعت نسبة حالات الانتحار في تونس بشكل مضطرد خاصة في الفترة التي أعقبت الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وتعكس هذه الظاهرة ارتفاع نسب الإصابة بالاكتئاب نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلاد.

يثير ارتفاع عدد حالات الانتحار قلقا في تونس حيث تفجرت ثورة إثر إقدام بائع متجول على إحراق نفسه، في حين تعكس هذه الظاهرة تنامي مشاعر الضيق من تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

وإذا كان انتحار محمد البوعزيزي أثار صدمة في المجتمع والعالم، إلا أن الظاهرة بدأت "منذ أكثر من عشر سنوات"، بحسب ما تقول الدكتورة فاطمة الشرفي الأخصائية في الطب النفسي، وترأس الشرفي لجنة لمكافحة الانتحار أسستها وزارة الصحة في 2015 بعدما دق اختصاصيون "جرس الإنذار" في هذا الشأن. وتتمثل مهام اللجنة في وضع استراتيجية وقائية وسجل وطني يتضمن إحصاءات حول الانتحار، وذلك للمرة الأولى في تاريخ البلاد.

في 2015، انتحر في تونس التي يقطنها نحو 11 مليون نسمة، 365 شخصا أي ما يعادل 3،27 حالة انتحار لكل 100 ألف نسمة، وفق اللجنة، وحوالى نصف المنتحرين شباب تتراوح أعمارهم بين 30 و39 عاما. بحسب فرانس برس.

وعلى الرغم من أن حالات الانتحار في تونس بعيدة عن النسب المرتفعة المسجلة في بلدان أخرى، إلا أن فاطمة الشرفي ترى في ارتفاعها "المستمر" أمرا "خطيرا جدا". وبما أن السجل الوطني لمعدلات الانتحار ليس موجودا بعد، من الصعب قياس هذا الارتفاع، إلا أن الشرفي تقول "عندما نقارن بيانات بعض مصالح الطب الشرعي للسنوات 1990 و2000 وبعد سنة 2010، نلمس هذا الارتفاع".

بريطانيا

أفاد تقرير لجنة صحية بريطانية بأن معدل إقدام الأشخاص على الانتحار في انجلترا سجل زيادة على نحو "غير مقبول"، وتفرض اللجنة المؤلفة من برلمانيين ضغوطا على الحكومة قبل طرح خطتها الجديدة المتوقعة في السنة المقبلة بشأن مكافحة الإقدام على الانتحار، وشهد عام 2015 انتحار 4820 شخصا في انجلترا، وهو جزء من إجمالي العدد الذي شهدته بريطانيا والذي سجل 6188 حالة انتحار، وأشارت اللجنة إلى ضرورة تقديم دعم لمساعدة أولئك المعرضين لخطر الإقدام على الانتحار، وقالت أم ثكلى مبرهنة على ذلك للجنة : "لم يستطع ابني الاستفادة من الدعم، إنها خدمات يصعب الوصول إليها".

وكان مارك شريك أنغيلا ساماتا قد انتحر قبل 13 عاما، وتقول إنه لم يكن هناك أي إشارة بما كان سيقدم على فعله، وقالت :"يمكن أن تتكلم معهم على الهاتف في دقيقة، ولا تستطيع في الدقيقة التالية الحديث معهم مرة أخرى. وتصاب بصدمة تجعلك تعتقد كأن ما يحدث ليس حقيقيا"، وترأس ساماتا حاليا جمعية خيرية وطنية لدعم ومساعدة المتضررين من الانتحار.

وقالت :"إذا كان هناك شيئا تعلمته من ذلك، فهو ضرورة الحديث عن الأمر، من المهم أن نتحدث عن الأمر".

ترأس أنغيلا ساماتا حاليا جمعية خيرية وطنية لدعم ومساعدة المتضررين من الانتحار

ودعت اللجنة التأمين الصحي البريطاني إلى "تعزيز طرق (دعم) مبتكرة" مثل الاستفادة من خدمات الإنترنت، وأضاف التقرير أن الأطباء يحتاجون إلى تدريبات إضافية تكفل لهم رصد أولئك المعرضين لخطر الإقدام على الانتحار.

وقالت سارة وولاستون، رئيسة اللجنة : "سجلت انجلترا انتحار 4820 شخصا العام الماضي، غير أن العدد الحقيقي ربما يكون أعلى من ذلك"، وأضافت :"الانتحار ممنوع، ولابد من بذل المزيد من الجهود لدعم أولئك المعرضين للخطر"، وانتقدت اللجنة ما تروجه التقارير الإعلامية وصفته بسلوك "غير مسؤول" تجاه حوادث الانتحار يدفع أولئك المعرضين لخطر الإقدام على الانتحار إلى اتخاذ "مسلك مشابه"، وكانت الحكومة البريطانية قد راجعت استراتيجية مكافحة الانتحار المقرر نشرها في يناير/كانون الثاني المقبل.

وقالت متحدثة باسم وزارة الصحة البريطانية: "نعتبر كل حادث انتحار مأساة ودمار للأسرة والأصدقاء والمجتمع"، وأضافت : "نستثمر نحو مليار جنيه استرليني في دعم خدمات الصحة العقلية وعلاج الأزمة، كما نجري حاليا تحديثا لاستراتيجية مكافحة الانتحار، التي نثق بأنها ستعالج الكثير من القضايا التي أثارتها اللجنة"، وقالت روث سوزرلاند، المدير التنفيذي لمؤسسة السامريون لخدمات الصحة العقلية : "سيستمر موت الناس ومازالت مكافحة الانتحار لا تحظى بأولوية"، وأضافت : " يتصل شخص كل ست ثواني بمؤسسة (السامريون) طلبا للمساعدة"، وقالت : "لابد أن يعتبر هذا التقرير دعوة لإيقاظ الحكومة، ونرحب بأن يتضمن طلبنا لبرنامج تطبيق واضح هذا التقرير". بحسب البي بي سي.

ودعت الكلية الملكية للأطباء النفسيين في بريطانيا إلى تعزيز الاستثمار في تطوير فرق العمل وقالت : "إذا توافر ربط بين خدمة الطب النفسي في كل إدارات الطوارئ على مدار 24 ساعة، سبعة أيام في الأسبوع، فسوف يقلل ذلك بالتأكيد من الوقت المستغرق لتقييم درجة الخطر وسيفضي إلى انقاذ حياة الأشخاص، لكننا نحتاج إلى فرق عمل من أجل تحقيق ذلك".

أمريكا

كشف تقرير اتحادي صدر أن معدل الانتحار بين طلبة المرحلة المتوسطة في الولايات المتحدة تضاعف بين عامي 2007 و2014 ليتخطى للمرة الأولى عدد الوفيات بين المراهقين بسبب حوادث السيارات، ووفقا لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أتلانتا بالولايات المتحدة زاد المعدل السنوي، للانتحار بين المراهقين من 0.9 إلى 2.1 من بين كل مئة ألف في حين تراجع معدل الوفيات بسبب حوادث الطرق في نفس المرحلة العمرية إلى 1.9 من بين كل مئة ألف، وبحسب التقرير انتحر 425 شخصا تتراوح أعمارهم بين عشرة أعوام و14 عاما خلال عام 2014 بينما قتل في حوادث سيارات خلال نفس العام 384 فقط في المرحلة العمرية ذاتها، وفي مقابلة هاتفية قال مارك كابلان الأستاذ بجامعة كاليفورنيا معلقا على التقرير "إن أي زيادة (في انتحار الشباب) ينبغي أن تكون مثيرة للقلق بلا شك"، وأضاف أنه "ربما نكشف عن بعض الأسباب في الوقت المناسب لكن لابد من توخي الحذر (الآن) قبل القفز إلى أي استنتاجات"، وتابع أن الأسباب الكامنة وراء الانتحار معقدة للغاية مما يجعل من الصعب شرح النتائج الواردة في التقرير.

فرنسا

انتحرت شابة فرنسية في التاسعة عشرة من العمر ملقية نفسها على خط السكة الحديدية أثناء مرور القطار في إحدى ضواحي باريس، ومصورة فعلتها كاملة مع نشر المقطع مباشرة على تطبيق "بيريسكوب"، بحسب ما أعلنت مصادر قضائية.

وفتح القضاء تحقيقا لكشف ملابسات الانتحار، وقال مصدر قضائي "نعمل على تفحص الهاتف واستعادة مقطع الفيديو"، ووفقا للعناصر الأولية للتحقيق، فإن الشابة أشارت إلى تعرضها للاغتصاب وذكرت اسم من اتهمته بالاعتداء عليها، بحسب المصدر الذي دعا إلى الحذر في التعامل مع هذه المعلومات، وقالت الشرطة إن أحد مستخدمي تطبيق "بيريسكوب" أبلغها بالحادث، ويتيح هذا التطبيق بث مقاطع مصورة مباشرة على الإنترنت، ولا يتطلب ذلك سوى هاتف ذكي وخدمة إنترنت سريعة وحساب على شبكة "تويتر"، ويبقى المقطع المصور متاحا على الإنترنت 24 ساعة ثم يختفي.

غويانا

حديث ودي بين مجموعة من الطلاب وهم منهمكون في التعامل مع مقابس وأسلاك، وحماس واضح يسيطر على الأجواء في دورة تعليمية في التركيبات الكهربية في مكان تحيط به حقول الأرز يرسم صورة الريف الذي يسوده الاطمئنان والرضا والقناعة، لكن خلف هذا المشهد تكمن حقيقة مزعجة.

شُيد هذا المركز للتصدي لظاهرة الأعداد التي توصف بالمروعة لحالات الانتحار في منطقة "ساحل اسكويبو" وأيضا في غويانا في أمريكا اللاتينية نفسها التي تشتهر بأنها صاحبة أعلى معدلات انتحار في العالم.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن 44.2 من بين 100 ألف مواطن في غويانا يقدمون على الانتحار مقارنة مع متوسط عالمي يبلغ 16 شخصا.

لعبت مؤسسة غويانا الخيرية التي أسست مركز "صن رايز" في منطقة "زورك اون فلايت" دورا رئيسيا في تسليط الضوء على ظاهرة الانتحار في بلد أعاقت فيه الوصمة التي تحيط بقضايا الصحة النفسية الجهود للتخفيف منها.

ويقول انتوني اوتار المدير العام للمركز إن غياب المرافق الرئيسية والتشريعات التى عفا عليها الزمن، التي مازلت تصف المرضى بأنهم "بلهاء" يعانون من "اختلال عقلي"، تمثلان بعضا من هذه العراقيل.

ويجرم القانون في غويانا الانتحار، وتصل عقوبته إلى السجن لمدة عامين، لكن ثمة إجراءات لإلغاء ذلك، وقال أوتار لبي بي سي: "حينما ننظر في قضايا الصحة النفسية، فإننا ندرس أيضا قدرة الناس على المساهمة في المجتمع."

وأضاف: "تعلم مهارات مثل تنسيق الأزهار أو تقديم الطعام، يمكنها أن تحسن من إحساسهم (الطلاب) بقيمتهم ونظرتهم للمستقبل"، هناك من يعتقد أن الإقلال من التعرض للمبيدات الحشرية يساعد على خفض معدل الانتحار، وتشمل الدروس المجانية المتاحة لأفراد الجمهور في المركز الذي بدأ العمل في يونيو/حزيران الماضي صناعة الملابس وصباغتها وكذلك اليوغا. ومن المقرر أن يتم افتتاح المركز رسميا في 29 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

وتابع أوتار قائلا "نجد في أغلب الأحيان أشخاصا معزولين ولا توجد لديهم أي علاقات قوية مع الآخرين. إننا نشجع الطلاب على بناء صداقات مع بعضهمم البعض، وهذه العلاقات يمكن أن تساهم في إنقاذ حياة الشخص إذا شعر بالرغبة في الانتحار."

وتوجه الدعوة للمشاركين في هذه الدورات بالمركز إلى ملأ استبيانات لتقييم سلامتهم النفسية ثم يتم بعد ذلك تعريفهم على خدمات الاستشارات النفسية المجانية المتاحة بالمركز، ويقول هايمراج هامانديو المستشار بالمركز إن هذا الجهد يمثل جزءا من نهج متبع لمعالجة الاكتئاب والتوتر وقلة تقدير الذات، والتخلص من هذه الوصمة من خلال تعريف الأشخاص بأن مثل هذه المشاعر "هي أمر شائع مثل مرض السكري".

وتتراوح أعمار أغلب المشاركين في المركز بين 25 و45 عاما، ويمثل النساء 75 في المئة منهم، ويوضح هامانديو بأن "النساء أكثر انفتاحا لتقبل المساعدة. إنهن أيضا أكثر عرضة لمحاولة الانتحار، لكن الرجال لديهم فرصة أكبر للنجاح في ذلك (في محاولات الانتحار).

وتنقسم الآراء بشأن الأسباب التي تجعل غويانا على قائمة الدول من حيث معدلات الانتحار في العالم. وأشارت حلقة نقاشية نظمتها جامعة غويانا بمناسبة "اليوم العالمي لمكافحة الانتحار" في سبتمبر/أيلول الماضي إلى مشاكل العلاقات والاضطرابات السياسية والفقر وارتفاع معدلات الجريمة كعوامل رئيسية تساهم في ذلك.

ويمثل مواطنو غويانا، الذين ينتمون لأصول هندية، 80 في المئة من حالات الانتحار، بالرغم من أنهم لا يشكلون سوى 40 في المئة فقط من السكان في هذا البلد، وينتمي سكان غويانا إلى ستة أعراق، وتتراوح أعمار معظم السكان بين 15 و34عاما، ويمثل الرجال بالنسبة للنساء تقريبا أربعة إلى واحد من السكان.

ويشكل الانتحار نتيجة التسمم جراء استخدام مبيدات زراعية 65 في المئة من الحالات، بينما يمثل الانتحار شنقا واحد من بين كل خمس حالات، ويقول الدكتور بهيرو هاري، رئيس قسم الطب النفسي في مستشفى "جورج تاون" العام إن مقابل كل "حالة انتحار ناجحة" هناك نحو 25 محاولة انتحار أخرى لا تتم.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مجتمع)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك