فخ التسرع في الحكم على الآخر

2635 2017-05-06

كم من قرار أُخذ بعجالة وغير مصير الآخرين وحملهم أعباء أفعال لم يفعلوها أصلا، وكم من ظنون دمرت حياة الأبرياء وقضت عليهم دون رحمة، وكم من كلام أصبح عائقا أمام زواج بنات بريئات وقضى على أحلامهم الوردية بقسوة، وكم وألف كم...؟.

في يوم ما ربما وقع كثيرون في هذا الفخ وحزن بعد ذلك وتألم كلما تصادم نظره في نظرات ذلك الشخص الذي تسرع في إلقاء اللوم عليه ولم ينتظر ليسمع أعذاره قبل إلصاق التهمة به، أحياناً يقع شخص واحد في شباك الاستعجال وأحياناً تقع جماعة بأكملها في هذا الفخ ويَظلمون في إصدار الحكم قبل أن يعرفوا بواطن الأمور.

كما حدث لتلك الجماعة التي كان أعضاؤها يستقلون حافلة وأعلنوا ضجرهم جهرا لما يحدث، كان الاستياء والضجر يظهران في ملامح الجميع، وفي الجانب الآخر كان الأطفال مستأنسين بألعابهم البريئة ويركضون من بداية الحافلة إلى نهايتها، كثرة الحركة والصراخ تسببت بإزعاج جميع الركاب، وصال كل شخص يتمتم مع نفسه ويخبر من يجلس بجانبه عن سوء تربية هؤلاء الأطفال والملفت للنظر أن ذلك الرجل الثلاثيني الذي بدت على ملامحه آثار التعب والألم كان ينظر إليهم باستغراب كأنه لم يكن باستطاعته التكلم، وقد ظهر عليه إنه يعاني من شيء ما كأنه جثة بلا روح، وكان يكمن وراء وجهه الكئيب ألف لغز وحكاية.

الركاب كانوا منشغلين بالكلام عن هؤلاء الأطفال وعدم اهتمام والدهم بهم، وكان البعض يتكلم عنهم بسوء وآخرون كانوا يتساءلون، هل هؤلاء أطفال أم ماذا؟ وتلك كانت تسأل ما هذه التربية؟؟.

فجأة قال والد الأطفال بصوت هاديء، للشخص الذي يجلس بجانبه، إن والدة الأطفال ودعت الحياة قبل قليل لذلك لا أستطيع أن أقسو عليهم، بعد ذلك انتقل الخبر من الشخص الذي كان يجلس بقرب الأب إلى باقي ركاب الحافلة إلى أن عرف الجميع حقيقة الأمر وأدركوا سبب سكوت والد الأطفال وأخطئوا في الحكم عليه، إنه لم يهمل تربية أطفاله، بل كان يتعاطف معهم لأن الدنيا قست عليهم بموت أمهم، لذلك لم يكن الأب يردعهم كي لا يقسو عليهم، ويملأ الفراغ في داخلهم ويعوضهم بالحنان الذي حُرموا منه قبل لحظات بعد الرحيل المفاجئ لأمهم.

فجأة تغيرت النظرات والكلمات الموبَّخة إلى أخرى جميلة، فذاك بدأ يقبّل الأطفال والآخر قدم لهم الحلوى وتلك سألتهم عن أسمائهم وبدأت تلاعبهم، وهكذا تغير جميع الركاب في تعاملهم ونظرتهم للأطفال، وأدركوا إنهم أخطأوا في الحكم عليهم، ربما يجعل هذا الموقف كثيرا من الأشخاص يستغربون أي تصرف خاطئ يحدث أمامهم قبل أن يعرفوا ما هو سبب ذلك التصرف.

لذلك لا يمكن للإنسان أن يحكم على الآخرين مما يراه بالعين المجردة أو حسب ظنه لأنه ربما يكون أبعد كل البعد مما أراد ذلك الشخص، وكان يخطط له، لذا يجب أن يدرك حقيقة الموقف ومدى حساسيته اذ أن الإنسان يكون في هذه الحالة أمام طريق منحدر لا يمكن معرفة الى أين ينتهي؟.

ومن الصعب حقا الحكم على الآخرين لأنك لا تستطيع أن تميز بين الناس وأفعالهم، كما هو الحال بين الملح والسكر، لكنك ستعرف الفرق بعد الاستعمال، كذلك ربما تبدو كثير من التصرفات في ظاهرها بطريقة معينة، لكنها تحمل في باطنها أشياء أخرى.

كما حدث لذلك الشاب العشريني الذي انزعج الجميع من تصرفاته الغريبة، فقد كان يتأمل المناظر الخلابة في الطبيعة من نافذة القطار بسعادة وكان يصرخ بشغف، أبي أنظر تلك السحابة إنها تلاحقنا، فيبتسم الأب وينظر إلى الشاب ذو التصرف الطفولي ويقول: نعم إنني أراها ما أجملها. ومن ثم يصرخ الابن مرة أخرى ويقول: أبي إن الأشجار تسير معنا. لم يستطع الرجل مقاومة فضوله بعد أن ظهرت ملامح الاستغراب على وجهه فقال للوالد ربما من الأفضل أن تذهب به إلى الطبيب حينئذ، إبتسم الوالد وأجاب نحن عائدون إلى المنزل من المستشفى لأن ولدي كان مصاباً بالعمى لفترة طويلة وهذا أول يوم يعود فيه البصر إليه.

يقول أوسكار وايلد: السطحيون وحدهم هم من يحكمون على الناس من مظهرهم الخارجي وربما من أصعب المعارك هي المعركة التي تدفعك لتحكم على قرارات لم تعرف ماذا كانت اختياراتهم عند خوضها، لذلك دائما الشخصية المتسرعة في الحكم تقع في حرج اذ إنها تخطئ في الظن ومن ثم يجب أن تعتذر وتصبح من كثيري الاعتذار للآخرين وقد نهت الأحاديث الشريفة عن هذا (إياك وما يُعتذر منه).

جدير بالذكر إن ضعف تطبيق التوجيه الشرعي من قبل ناقل الخبر، قد يؤدي إلى التسرع في الحكم على الاخرين، فقد نهى الله - عز وجل - في كتابه العزيز عن التسرع في الحكم دون التدقيق فيه لذلك يجب أن تكون حذراً جدا عند الحكم على الآخرين ولا تحكم على موقف ما من خلال الاستماع لطرف واحد في قضية ما، إن جاءك متذمراً بل استمع إلى الطرفين لأن كل شخص يرى الأمور من منظاره وتبقى أنت وحدك تجر أعباء حكمك المتسرع على عاتقك.

أقوال في التسرع

التسرع عدو التمعن كما يعتقد غالب الناس، فماذا قال عنه العظماء:

كَمْ مِن مُستَعجِل بِما اِن اَدرَكَهُ وَدَّ اَنَّهُ لَمْ يُدرِكه.. الإمام علي عليه السلام.

‎ستتضح وتتجلى كل الأمور للرجل الذي لا يتسرع، فالتسرع أعمى.. تيتوس ليفيوس.

‎خذ وقتك في كل شيء، فالتسرع يؤدي إلى الضياع.. بنيامين فرانكلين.

‎تنبع كل الخطايا من خطيئتين أساسيتين، التسرع والكسل.. فرانتس كافكا.

الآثار السلبية للتسرع

‎1- إتلاف الوقت والطاقات.

‎2- اليأس والندم.

‎2- الحزن والغم.

‎5- زيادة الأخطاء.

ولكي لا تقع في فخ المظاهر لا تتسرع، تمهل وتمعن وادرس المواقف جيداً كي تتضح لك الأمور، فالعجلة في الحكم تعكس طريقة تفكير صاحبها ونفسيته، وكم من حبيب ظلم بسبب القرار الخطأ وكم من خائن تربع على كرسي السياسة بسبب القرار الخطأ وكم قرار أخذ دون تدقيق وأصبح عامل دمار للعلاقات والأسس، لذلك رفقاً بالقرارات إذن، ولا تتسرع في الحكم على الآخرين، فقد تظلم بريئا وتبرئ ظالماً كما قيل سابقا: (الفراشة رغم جمالها حشرة والصبار رغم قسوته زهرة) فلا تحكم على الناس من أشكالهم وأسمائهم بل بما تحتويه قلوبهم.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مجتمع)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك