الحرية الفردية والنظام القانوني

889 2017-11-20

هل ان الحرية الفردية منسجمة من حيث المبدأ مع النظام الحالي المرتكز كليا على سن القوانين؟ قد تبدو هذه رؤية راديكالية لكننا بالطبع، لايمكننا انكار هذه الرؤية. ربما تكون الرؤى الراديكالية احيانا أكثر فائدة من التسويات التوافقية التي تعمل على إخفاء المشكلة بدلا من حلها.

الباحث القانوني برونو لينوي عرض نقده الثوري لمؤسسة التشريع في سلسلة من المحاضرات عام 1958، نشرها عام 1961 في (الحرية والقانون)(1).

اطروحته هي ان العمليات القانونية التراكمية السابقة، او القانون العرفي، هي كافية لتزويد المواطنين بقواعد قانونية. وفق رؤية لينوي، ان القوانين التي يسنّها المشرع هي غير ضرورية وهي في الحقيقة مؤذية. انتقاداته للعملية القانونية تنطبق بقوة أكبر على البيئة الحالية التي تُخصّص فيها الكثير من سلطات المشرّع في كتابة القواعد القانونية الى الوكالات التنظيمية.

محتويات الكتاب

يتألف الكتاب من قسمين:

الحرية والقانون

يبدأ بمقدمة ثم ثمانية فصول كالتالي:

الفصل الاول اي حرية؟

الفصل الثاني الحرية والقيد

الفصل الثالث الحرية وحكم القانون

الفصل الرابع الحرية ويقين القانون

الفصل الخامس الحرية والتشريع

الفصل السادس الحرية والتمثيل

الفصل السابع الحرية والرغبة العامة

الفصل الثامن تحليل بعض الصعوبات.

استنتاج

القسم الثاني: القانون والسياسة ويتألف من:

1- القانون كإدّعاء فردي

2- القانون والاقتصاد اثناء العمل

3- الاتجاه الاقتصادي للسياسي

4- التصويت مقابل السوق

يجادل الكاتب ان القانون يمكن ان ينشأ على اساس التعامل مع كل موقف بشكل منفصل اعتمادا على الظروف الخاصة. في كل حالة تتخذ فيها المحكمة قرارا، تكون مهمتها ايجاد المحصلة التي تنسجم الى ابعد حد مع القيم الاجتماعية. هذه العملية كما يرى المؤلف هي عملية اكتشاف.

كل من الرومان والانجليز اتفقوا على فكرة ان القانون هو شيء ما يُكتشف اكثر مما يُشرّع وانه لا احد لديه من القوة الكافية لتجسيد ارادته بقانون ملكية الارض (لينوي ص11).

الكاتب فحص قيمة اضافة القانون العرفي الى التشريعات. استبدال التشريعات بتطبيق طوعي لقواعد غير قانونية للسلوك امر لايمكن الدفاع عنه مالم يثبت ان الاخيرة هي غير مؤكدة او غير كافية ام انها تخلق بعض الشرور التي يمكن للتشريع تجنبها مع الاحتفاظ بمزايا النظام السابق(ص14).

ومع تضخم السياسة، أصبح من الصعب قبول فكرة ان المشرعين يمثلون الناس ككل. كتب لينوي:

.... كلما تضاعف عدد الناس الذين يحاول أحد تمثيلهم في العملية القانونية، وكلما زاد عدد القضايا التي يسعى لتمثيلها، كلما تضاءل معنى كلمة \"تمثيل\" في الاشارة للرغبة الحقيقية للناس(ص10).

يدّعي لينوي ان مشكلة الحسابات الاشتراكية تنطبق على التشريع. فكما يفتقر المخطط المركزي الى المعلومات التي تبرز في السوق، يفتقر المشرع ايضا الى المعلومات التي تبرز في القضية القانونية.

.... لا احد من المشرعين يستطيع بذاته دون تعاون مستمر من جميع الاطراف ذات العلاقة تأسيس قواعد تحكم السلوك الحقيقي لكل شخص ضمن العلاقات اللامتناهية بين جميع الافراد.

لايمكن لأصوات الرأي العام، ولا الاستشارات ان تضع المشرعين في موقع تقرير هذه القواعد اكثر مما يستطيع خبراء الاقتصاد المخطط حين تُناط بهم مهمة اكتشاف الطلب الكلي والعرض الكلي لجميع السلع والخدمات. باختصار،.... النظام القانوني المرتكز على التشريع يشبه بدوره الاقتصاد المركزي الذي تُصنع فيه جميع القرارات الملائمة بواسطة عدد محدود من الخبراء، تكون معرفتهم بكامل الموقف محدودة جدا و احترامهم لرغبات الناس يكون محدود ايضا.

بداهتنا تخبرنا ان التشريع الذي يتم عبر كتابة القواعد القانونية، يزود المواطنين بحالة من التأكد. نظريا، التشريع يرسم لنا حدودا دقيقة حول ما هو قانوني وما هو غير قانوني. مقابل هذا، يرى ليوني انه في التطبيق، يخلق التشريع عدم التأكد لأن القوانين يمكن ان تتغير بسرعة وبدون سابق انذار. الشركة التي تخطط في ظل مجموعة واحدة من القواعد ستصبح بلاربحية في ظل تشريعات جديدة.

يقين القوانين، او الصيغ المكتوبة، يشير الى الظروف المشروطة بإمكانية استبدال القوانين الجديدة في اي لحظة بقانون لاحق. كلما كانت عملية صنع القوانين اكثر حدة وتسارعا، كلما اصبحت امكانية استمرار التشريعات الحالية أقل احتمالا. كذلك، لاشيء يمنع قانون مؤكد – بالمعنى المذكور اعلاه، من ان يُستبدل بشكل لامتوقع بقانون اخر اقل يقينا من القانون السابق(ص80).

بالطبع، في الولايات المتحدة اليوم، ومع وجود الوكالات التنظيمية المنفذة للوظيفة التشريعية، اصبحت عملية صنع القوانين اكثر كثافة وسرعة مما في ايام ليوني. شركات تمويل العقار السكني او شركات التامين الصحي يمكنها القول ما اذا كانت تعمل في بيئة من اليقين اليوم.

لازلنا في شك من امكانية عمل النظام القانوني بكفاءة اليوم بدون التشريع والوكالات المنظمة. المجتمع اليوم معقد جدا من حيث كمية وانواع التفاعلات التي تحدث بين الناس.

يختلف النظام القانوني عن نظام السوق لأن النظام القانوني هو ميدان للخلافات. لو كنت بحاجة لشخص ما لتصليح السيارة، سادخل ميدان السوق. ثم نتفق انا والميكانيك على السعر وكلانا نذهب سعداء: سيارتي تُصلّح والميكانيك يستلم اجره. الاجراء يستلزم قناعة متبادلة. ولكن افرض ان سيارتي لاتزال لا تعمل جيدا عندما اذهب للميكانيك لإلتقاطها، هنا الميكانيك يدّعي انه يستحق الدفع، بينما انا ادّعي غير ذلك. الان سنكون في حالة من الخلاف. النظام القانوني يأتي هنا لتوفير طريقة عادلة لحل مثل هذا الخلاف.

في العصور الوسطى كان عدد التغيرات في التفاعلات الانسانية قليل جدا. حجم السلع والخدمات كان قليلا مقارنا بما نراه اليوم. التخصص لم يتطور بعد والجزء الاكبر من الانتاج يتم داخل المنزل. في هذه البيئة البسيطة نسبيا كانت عدد الخلافات قليلة وتطبيق السوابق كان واضحا جدا.

اليوم وبسبب الزيادة السريعة في التخصص والتجارة، برز عدد كبير من مصادر الخلاف. حل كل واحد من هذه الخلافات عبر المحاكم وتفسير السوابق يكون مكلفا ومحبطا ومستهلكا لكثير من الوقت. ربما بدون قوانين رسمية وقواعد منظمة سننفق موارد مفرطة تستلزمها الدعاوي. عندما تكون اليوم نسبة النفقات القانونية من الاقتصاد كبيرة، فستكون تلك النفقات اكبر لو اعتمدنا فقط على القانون المبني على اساس دراسة كل حالة على الانفراد.

تحدّي آخر هو ان العديد من تفاعلاتنا اليوم تستلزم اكثر من طرفين. فمثلا، وجود عيب في تصميم السيارة سيؤثر عل عشرات الآلاف من المشترين وليس فقط على مشتري واحد. هذا بدوره يخلق مشكلة المساومة الكوسية (نسبة الى الاقتصادي كوس) المتعلقة بالزبائن ذوي العلاقة، الذين لا تشكل لهم القضية القانونية حلا مقبولا. تعليمات تصميم السيارة قد تمنع هذه الحالات من الظهور، هذه التعليمات يمكنها تقليل كلفة الاجراءات في الاقتصاد.

بالطبع، حتى لو كان هدف المشرعين والوكالات التنظيمية هو تقليل الخلافات الاجتماعيىة والاقتصادية المتعلقة بالدعاوي، فان المحصلة تشير الى شيء مختلف تماما. السؤال العملي هو ما اذا كان ليوني صائبا في اننا سنكون احسن حالا عند الاعتماد فقط على الدعاوي الطارئة.

..............................
الهوامش
(1) كتاب (الحرية والقانون) هو أهم عمل للفيلسوف الايطالي برونو ليوني، صدر اول مرة عام 1961 في 249 صفحة.ثم طُبع عدة مرات، في عام 1991 و2011. ولد الكاتب عام 1913 حيث عاش حياة ديناميكية معقدة ومكثفة كباحث ومحامي وتاجر وموسيقي وكمدافع قوي عن مبادئ الحرية الفردية. كان بروفيسورا في النظرية القانونية ونظرية الدولة في جامعة بافيا، توفي عام 1967 وهو في ذروة عطاءه.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك