الإرهاب وجه الاستعمار الاقتصادي الجديد في المنطقة


إن مفهوم الإرهاب ليس مفهوما حديثا كما يعتقد البعض، بل إن جذوره تعود إلى أزمنة قديمة في التاريخ، وكما إن للإرهاب أسباب سياسية واجتماعية ومذهبية فان له إبعاد اقتصادية أيضا، وهي المحرك الأساس للإرهاب في العالم.

فقد لوحظ إن الإرهاب قد شدد على أعماله في الدول العربية والإسلامية، وهي الدول التي تحتوي على أكبر محزونات من النفط والغاز (العراق، الجزائر، ليبيا، نيجيريا). كذلك الموقع الاستراتيجي (سوريا، واليمن، أفغانستان، الصومال).

ويتحدث معظم مفكري الغرب عن ظاهرة الإرهاب على أنها ظاهرة جديدة أبصرت النور في الستينيات من القرن الماضي، وقبل هذا التأريخ كانت المجتمعات البشرية كافة تعيش في سلام ووئام، علاقاتها لا تقوم إلا على حسن الجوار وعلى احترام سيادة الدول وحقوقها وسلامة أراضيها، ومعظم الدول وخصوصا الغربية الاستعمارية التقليدية منها انكفأت داخل أقاليمها لاتبغي التوسع على حساب الآخرين.

ولكن ألم تستعمل هذه الدول الحروب كأداة مشروعة وعنصرا من سيادة الدولة وأداة سياسية لها ووسيلة اكتساب ملكية أراضي الشعوب الفقيرة وسلب خيراتها ومص دماء شعوبها؟ لقد غاب عن بال مفكري الغرب أن دولهم صدرت الإرهاب بشكل خاص والعنف بشكل عام، وإن المجتمعات كافة قد عرفته، ومارسته جميع الأنظمة عبر التأريخ. وقد مورس على الصعيد الداخلي ضمن المجتمع الواحد من السلطة الحاكمة ضد الطبقات المحكومة، أو من فئة كبيرة ضد فئة قليلة أو العكس، أو من فئة تسعى إلى مقاومة ظلم السلطة الحاكمة. وقد مورس على الصعيد الخارجي باعتداء الدول القوية على الشعوب الضعيفة. ناهيك عن تدخل الدول الأجنبية (في الصراعات المحلية التي تنشب ضمن المجتمع الواحد).

فقد ابتلت الثورة الفرنسية بالأساليب الإرهابية، إذ قام قادة الثورة الفرنسية عام 1790 بعمليات إرهابية ضد بعضهم البعض، حتى أطلق المثل الشائع (الثورة تأكل أبناءها)، كذلك الإرهاب النازي والإرهاب الفاشي في أوربا إبان في بداية القرن العشرين، إلا إن سياسيي ومفكري الغرب لا ينفكون في اتهام المسلمين وبعض الدول الإسلامية بأنها مجموعات إرهابية وتساعد الإرهاب.

وقد كانت هناك تعاريف للإرهاب مختلفة المضمون والمحتوى مع تقدم الوقت واختلاف الرؤى من حين إلى آخر في عالم مترامي الأطراف ومتشعب المضامين، لم يتم الاتفاق على تعريف موحد من قبل المجتمع الدولي والدول كافة يحدد ما الذي يقصد بظاهرة الإرهاب.

ومع ذلك، فقد استقر في الفقه اتجاهان : الأول موضوعي وهو الذي يركز على الجوانب المادية للإرهاب أي على النشاط المادي الذي تتحقق به الجريمة الإرهابية، بمعنى أن الإرهاب يمكن أن يعرف بحصر أو تحديد مجموعة من الجرائم أو الأفعال التي تعد إرهابية وحصرها بنطاق معين دون الالتفات إلى الغايات أو البواعث أو الأهداف التي تكمن وراءها، بمعنى ذكر أعمال معينة وإسباغ الطابع الإرهابي عليها مثل خطف الطائرات وأخذ الرهائن والاغتيال والتهجير السكاني واستخدام الأسلحة النارية والمتفجرات ضد الجيش أو الشرطة أو المدنيين أو قيادة عصابات مسلحة إرهابية. وعلى هذا فقد عرف الإرهاب بأنه المجموعة من الأفعال تتسم بالعنف تصدر من جماعة غير قانونية ضد الأفراد أو سلطات الدولة لحملهم على سلوك معين، أو تغيير الأنظمة الدستورية والقانونية في الدولة.

وأما الثاني فهو الاتجاه الغائي أو المعنوي وهو الذي يتطلب في العمل الإرهابي غايات أو أغراض سياسية كهدف نهائي للنشاط الإجرامي.

ولذلك فإن ما يميز العمل الإرهابي هو غاية الإرهاب ذاته أي توظيف الرعب والخوف لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية مهما كان نوعها، ولهذا فقد عُرف الإرهاب بأنه (أعمال إجرامية هدفها الأساسي نشر الرعب والفزع باستخدام وسائل تستطيع خلق صلة من الخطر العام ).

إن الكشف عن جذور التطرف، والعنف والإرهاب ومعرفة أسبابه هو موضوع الساعة وهو في نظرنا من أشد الموضوعات خطورة وأثرًا وأجدرها بالدرس المتأني ذي النفس الطويل؛ ذلك لأن المسلمين اليوم وهم يواجهون مشكلات الحضارة وتحديات العصر ومعركة البقاء لا يواجهون ذلك كله وهم على منهج واحد كما تواجهه الأمم الأخرى، بل هناك مناهج لدينا نشأت أو نبتت من الابتعاد عن المنهج الأمثل الحق الذي ارتضاه لنا رب العالمين عز وجل في رسالة الإسلام وهي القرآن الكريم.

وهنا لابد أن نشير إلى أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 م، في الولايات المتحدة الأمريكية هي التي أثارت حفيظة دول الغرب على ما يسمى (بالإرهاب)، وقد استطاعت الولايات المتحدة تسويق مفهوم الإرهاب بشكل واسع حيث حشدت له إمكانيات مبالغا فيها إلا أنه عندما كانت دول العالم النامي في التحديد تعاني من هذه الآفة لم يحرك الغرب ساكنا، فقد تعالت صرخات الدول المسماة بالديمقراطية الغربية التي أصبحت هدفا لبعض الأعمال التي أطلق عليها قادتها ومفكريها (الإرهاب)، في حين أن ردود تلك الدول على الأعمال الموصوفة بالإرهاب كانت أشد عنفا وأكثر ضرار بالحريات وبالديمقراطية، وخير مثالنا على ذلك ما يتعرض لهما الشعبين العراقي والأفغاني من قبل القوات الأمريكية والدول المتحالفة معها من قتل وتشريد وتدمير الأخضر واليابس وقتل الأبرياء دون وجه حق.

إن الإرهاب والتطرف والعنف لم يأتِ اعتباطًا ولم ينشأ جزافًا بل له أسبابه ودوافعه ومعرفة السبب غاية في الأهمية ذلك لأن معرفة السبب تحدد نوع العلاج وصفة الدواء فلا علاج إلا بعد تشخيص، ولا تشخيص إلا ببيان السبب أو الأسباب.

فقد دخل الإرهاب إلى العراق من خلال الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وركز عملياته على المحافظات النفطية والإستراتيجية (نينوى والانبار وصلاح الدين وكركوك وديالى) والتي تعتبر مفتاح الحل للولايات المتحدة والغرب وإسرائيل، وذلك لأسباب عديدة منها وجود تذمر شعبي في هذه المحافظات، كذلك وجود حواضن للإرهاب فيها، فلو تم تحليل احتلال داعش لمحافظة نينوى وتقدمه في الأنبار وصلاح الدين وكركوك لرأينا حجم المؤامرة التي تحاك ضد الدول الغنية، فمحافظة نينوى تحتوي على مخزونات هائلة من النفط والغاز كحقول عين زالة وبطمة والقيارة، وحقول الكبريت في المشراق، كذلك الأنبار وما تحويه من ثروات غازية هائلة والفوسفات والزجاج وغيره، وكركوك وحقولها الغنية بالنفط (باي حسن وبابا كرر)، وديالى بحقولها المهمة ومنها نفط خانة وغيرها أما صلاح الدين فهي أيضا غنية بمواردها الزراعية كذلك هي حلقة الوصل بين كركوك وديالى والانبار والموصل.

إضافة إلى العراق نرى تركز الإرهاب في سوريا التي تحوي أراضيها مخزونات من النفط، إضافة إلى اعتبارها ممر مهم لنفط العراق عبر البحر الأبيض المتوسط ثم إلى الدول الغربية.

فقد تم استخراج النفط من حقول العراق الشمالية والحقول السورية من قبل عصابات داعش وتهريبه إلى دول الغرب عن طريق شمال العراق وتركيا، وبأسعار زهيدة جدا تقدر (10) دولار للبرميل الواحد، هذا مما قاد إلى هبوط أسعار النفط المتزامن مع زيادة كميات التصدير من قبل الدول الداعمة للإرهاب مثل العربية السعودية والإمارات وقطر، وهو بالمحصلة النهائية يصب في مصلحة الدول الغربية الباحثة عن موارد رخيصة الثمن كما كان أيام الاستعمار عندما كانت الدول الغربية تنهب خيرات الشعوب باسم الانتداب وتطوير الشعوب.

وفي اليمن تعمل أمريكا والغرب على تقسيم البلاد على أساس طائفي وقبلي وذلك للسيطرة على أهم الممرات المائية والمتمثلة بباب المندب والذي يمر منه اغلب النفط المصدر من الخليج إلى الغرب، لذلك تحاول أمريكا والغرب بكل الوسائل دعم المجموعات المسلحة في اليمن رغم ما تتظاهر به من مواجهات الإرهاب.

وفي دول أفريقيا نرى تركز الإرهاب في الدول النفطية (مثل ليبيا الجزائر ونيجيريا ) أو القريبة من النفط، مثل ( مصر، تونس، مالي، والنيجر)، إذ تقوم العصابات المسلحة بعمليات سيطرة على المنشئات النفطية وحقول المعادن ثم الاتفاق مع الشركات الغربية على بيعها النفط وغيره بأسعار زهيدة، لتمويل عملياتها التخريبية، فقد حثت الحكومة الليبية دول العالم أكثر من مرة على منع تهريب النفط الليبي وشراءه، كذلك على منع السفن من التحميل من الموانئ الليبية ولكن دون جدوى، إذ لا زال التهريب إلى الدول الغربية مستمرا وبعلم الأمم المتحدة والدول الغربية التي تشتري النفط، كذلك دعوة الحكومة العراقية على اعتبار النفط المستخرج من كردستان العراق والنفط المهرب من الموصل بأنه عمليات قرصنة دولية ومحاسبة الشركات التي تتعامل معهم ومقاضاتها إلا إن الولايات المتحدة والدول الغربية لازالت تتعامل وتشتري النفط من إقليم كردستان والمجموعات المسلحة والذي يصدر عن طريق تركيا، إذ إن سماح الولايات المتحدة لتركيا بلعب هذا الدور في الوقت الحاضر هو للحاجة الأمريكية لتركيا للمساعدة بتقسيم المنطقة ( العراق وسوريا وإيران)، وعند الانتهاء من هذا العمل تتجه الولايات المتحد إلى تركيا نفسها لتنفيذ هذا التقسيم أيضا بعد إن تضمن السيطرة على موارد الشرق الأوسط واسيا الوسطى بشكل كامل، إذ إن سيناريو التقسيم للمنطقة لا يستثني أحدا حتى حلفاء أمريكا مثل السعودية وتركيا.

هنا تكون المعادلة الأهم وهي قيام الدول الغربية بدعم المجموعات المسلحة بالسلاح والدعم اللوجستي، بحجج واهية مثل الديمقراطية وتغيير الأنظمة الدكتاتورية، ثم بعد ذلك تقوم بعمليات تصفية لهذه المجموعات بحجة مكافحة الإرهاب، حتى تبقى فقط المجموعات المسلحة غير المشكوك بولائها للغرب ( على غرار الحكومات في عهد الاستعمار)، أو تشكيل أقاليم طائفية وقومية متصارعة جديدة تكون تحت نفوذها ( كما في إقليم كردستان العراق)، وبهذا يضمن الغرب تدفق النفط إليه وبأسعار زهيدة، كذلك يقومون بإجبار دول العالم الأخرى على الخضوع لهم وتنفيذ سياساتهم من خلال السيطرة على منابع النفط واحتكار إنتاجه وتصديره، وبهذا تكون قد ضمنت الحصول على الطاقة بسهولة ويسر ومن ثم السيطرة على سياسات الدول الأخرى من جهة أخرى.

وإذا تركنا موضوع النفط جانبا واتجهنا إلى الحدود لرأينا إن المجموعات المسلحة بكل مسمياتها قد سيطرت على المنافذ الحدودية الغربية العراقية من منفذ ربيعة في الشمال إلى منفذ الوليد في الوسط مع سوريا وحاولت السيطرة على منفذ طريبيل مع الأردن لأكثر من مرة والمنافذ الحدودية في ليبيا مع بعض الدول الإفريقية وقيام هذه المجموعات بأخذ الإتاوات من الشاحنات والتجار الذين يتعاملون مع دول الجوار، وبهذا فهذه المجموعات المسلحة وان تظاهرت بان لها أفكار سياسية وعقائدية تريد تنفيذها، إلا إن الواقع يدلل على إن هدفها هو جمع الأموال والثروات من خلال الإتاوات التي تفرضها على المارين من هذه المنافذ والتهريب، كذلك هي أداة بيد أمريكا والغرب في حماية حقول النفط والغاز والسيطرة عليها أكثر من سعيها إلى تحقيق أهدافها السياسية والعقائدية المعلنة.

وبهذا فان من كان يعتقد إن جذور الإرهاب سياسية وعقائدية واجتماعية، هي وان كانت تحمل بعض هذه الأوجه، إلا إن الاقتصاد والسيطرة على الثروات هو المحرك الأساس للإرهاب في العالم، بعد انتهاء عصر الاستعمار المباشر من خلال نشر القوات والاحتلال، لذلك اتجهت الدول الغربية إلى السيطرة غير المباشرة من خلال دعم المجموعات المسلحة الموالية لها، والتي لا تحتاج سوى للسلاح، مقابل الحفاظ على المصالح الغربية والمتمثلة بالسيطرة على الموارد النفطية وغيرها.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات الكتاب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك