رحيل الملاك المخلص

بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لرحيل السيد محمد جواد الشيرازي

2305 2016-12-28

الإخلاص يتجدد مع إشراقة الصباح في كل يوم، ولا يغيب مثلما تغيب الشمس، الإخلاص لا يموت بل هو خالد في ثنايا هذه الحياة الفانية، الإخلاص لا ينسى حتى وان أنكره بعض الناس، والمخلص لا يموت أبدا بل هو معلَّق كالنجوم في سماء العظمة.

بينما كنت أتصفح في سجل العظماء رأيت الصور المعلقة على جدران المدينة، الأسماء المكتوبة على قبور العلماء والأولياء الصالحين والشهداء، هناك أشخاص تميزوا عن غيرهم، أدهشني أمرهم، ذلك العظيم الذي يجلس في حضرته آلاف الناس وهم يستمعون شريط صوته المبارك (يا شهر عاشور) وهو مودع الحياة !

الأحياء يقفون إجلالا له ولا احد الى الآن استطاع أن يصل الى مستواه...

أو ذلك العالم الجليل الفقيه المقدس السيد محمد رضا الشيرازي الذي ودع الدنيا في منطقة بعيدة عن كربلاء، ولكن لحسن عاقبته دُفن في أرض سيد الشهداء بل في جنة الحسين عليه السلام في الحرم الحسيني الشريف، كيف يصل البعض الى هذه الدرجة أو ماذا فعل هذا العالم الجليل كي تكون هذه النهاية السعيدة عاقبةً له؟.

إنه يزور سيدنا الحسين بن علي مع الزائرين في كل يوم، بل في كل لحظة، أي مقام هذا وأي شرف قد يحظى البعض به، ماذا فعلوا ليصلوا الى هذه الدرجة من القرب المادي والمعنوي كما كانوا في حياتهم وبعد مماتهم من الناحية الروحية والجسدية؟.

عندما بحثت عن السبب تبيّن لي أنّ أهم عمل في حياة الانسان المؤمن، هو الإخلاص فهو ربما يكون سببا بحسن عاقبة الإنسان وقربه من الله تعالى كما قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : (الإخلاص أشرف نهاية).

كذلك نجد كلما كان العبد مخلصا في عمله، كانت حياته أفضل وأسعد من الآخرين حتى وان لم يقدره أحد لأنه عمل لأجل الله تعالى، وزرع لأجل الله، ومن المؤكد أن يحصد ثمر طيبته وحسن نيته حتى وإن غدر به البعض.

الانسان المخلص سيجد صعوبات كثيرة في هذا المجال ولكن يتحمل لأجل الله تعالى، ربما يسأل البعض عن معنى العمل الخالص؟ العمل الخالص هو الذي لا تريد أن يمدحك أحد لأجله، سأل الحواريّون نبينا عيسى (عليه السلام): (يا روح الله ، من المخلص لله؟

‎قال : الذي يعمل لله لا يحبّ أن يحمده أحد على شيء من عمل الله عزّ وجلّ).

مضىت سنة على رحيل ذلك الملاك السماوي، وقد سكن الحزن في قلوبنا بعد رحيله وكأن الحزن لا نية له في مغادرة قلوبنا وكيف يرحل عن قلوبنا؟ اذا الاسلام بعظمته يثلم كما ورد في الأحاديث (اذا مات العالم ثلم في الاسلام ثلمة).. فكيف لقلوبنا الرقيقة أن تبقى سالمة بعد فقدان هكذا نماذج عظيمة ومخلصة؟.

مضت سنة من الحزن والألم، من الجروح والشجون عند رؤية مكانه الفارغ بين الكتب وحلقات الدراسة، ذلك الملاك الذي ربما لم يعمر طويلا لكنه عمّرَ الحياة بمجرد عبوره منها خلال هذه السنوات القليلة، حيث بيَّن للعالم بأسره إن الإخلاص في العمل هو الملاذ الوحيد للنجاة والخلود كما قال المسيح (عليه السلام) عندما أشار الى حلاوة الإخلاص في العمل: (يا عبيد السوء، نقّوا القمح وطيّبوه وأدقّوا طحنه تجدوا طعمه ويهنئكم أكله، كذلك فأخلصوا الإيمان وأكملوه، تجدوا حلاوته وينفعكم غبّه).

إذاً فأعمالنا ستُصدر أصواتا تملأ العالم إما بجودتها أو بعكس ذلك، فإنْ أردنا أن نترك صوتا جميلا في أذن الدهر علينا أن نعمل مخلصين لوجه الله أينما كنّا، وفي أي مجال عملنا، كي نحظى بعاقبة حسنة، لنتذكر دائما أن للكلمة المخلصة رنين لنهدي أجمل ما لدينا لخالقنا .

هناك قلوب تهمس في صمت وتدعوا لمن تحب حتى وان رحل إخلاصا منها الى أولئك الأحبة ...

أيها الملاك ربما غابت شمس وجودك عن دنيانا، واكتسى عالمنا بالسواد، ولكن نحن على يقين بشروق شمس ذريتك قريبا في سماء العلم والمعرفة، نم قرير العين فأنت أمانة بين يدي جارك ومولاك الحسين (ع)، سيكبر ويتعلم ويكون كما كنت تريد، إن الله لا يضيع عمل عامل منكم...

نبذة عن حياته المباركة

* ولد في قم المقدسة عام ١٤٠٨هـ .

* هو النجل الثاني لآية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي دامت بركاته.

* بدأ بالدراسات الحوزوية منذ نعومة اظفاره في عام ١٤٢٠هـ.

* درس المقدمات والسطوح العالية في قم المقدسة على كبار اساتذتها، منهم: عمه العلامة السيد جعفر والعلامة السيد مهدي وآية الله السيد حسن النبوي وآية الله السيد الموسوي الطهراني والعلامة الشيخ محمد رضا النائيني وغيرهم.

* درس بحث الخارج في قم المقدسة في الفقه والاصول على آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي وآية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني وآية الله السيد محمد رضا الشيرازي.

* في النجف الاشرف على آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم وآية الله العظمى الشيخ بشير النجفي وآية الله السيد محمد باقر الحكيم وآية الله السيد مرتضى الشيرازي.

* درس المعارف والكلام على آية الله الشيخ باقر علم الهدى في مشهد الامام الرضا -عليه السلام- وعلى العلامة السيد قاسم الأحمدي صاحب كتاب تنزيه المعبود.

* قام بتدريس العلوم الحوزوية في المقدمات والسطوح العالية: كاللمعة ورسائل الشيخ الاعظم ومكاسبه.

* ربى مجموعة من طلبة العلوم الدينية الافاضل.

* تميز بحسن الخلق والتواضع والجد والمثابرة في تحصيل العلم والورع والتقوى والالتزام بالشعائر الحسينة المقدسة.

* توفي الجمعة ليلاً ٢٧ ربيع الاول ١٤٣٧هـ عند رجوعه من زيارة الامام الحسين عليه السلام بين النجف وكربلاء في حادث سير مؤسف.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات الكتاب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك