نساء زرعن الثقة فحصدن القوة

صاحبة الصرح الممرد مثالا


من منا لا تُحب أن يُقال عنها قوية وواثقة من نفسها، سعيدة من توصف بهذه الصفات، فتكون عزيزة في عين نفسها وغيرها على حدٍ سواء، ومحط تقدير واهتمام الآخرين، لكن في الطرف الآخر هناك من لا تعرف قيمة نفسها كضوء في وسط النهار، وتكون ضعيفة الشخصية، فتجهل قوة الشخصية والوثوق في كونها امرأة عظيمة، فمعظم النساء لا تعرف معنى الثقة في النفس، فتكون مهزوزة أمام الاخرين، تخبئ ضعفها وراء مواد التجميل والماركات، لا تملك القدرة على إبراز حقيقة وجهها وشخصيتها، من دون رتوش.

في حقبة من التاريخ نساء زرعن الثقة في نفوسهن فحصدن القوة والشخصية بشكل يجلب إليهن الطمأنينة والتقدم والازدهار في المجتمع، فبين الصفتين الثقة والقوة لا تنتظر اشارة الانطلاق من أحد، بل هي من تنطلق، ولا اقصد هنا القوية التي تكون قاسية ومتعجرفة ومتمردة على الدين والقوانين، لا يا عزيزتي القوة ان تصليِن الى هدفكِ، وتذكري ثمة خيط يفصل بين الثقة بالنفس والغرور، ولا تترك الآخرين يتحكمون بأمورها الخاصة ويقررون نيابة عنها، المرأة الذكية تفاجئ الرجل بالأفكار، ولا تجعله يشعر بالضجر منها، ولا تجعله يشعر بالخجل أمام عائلته، كما أنها تستطيع أن تعبر عن حبها ومشاعرها بذكاء وتكتفي بالتلميح لا التصريح بحيث تبقي الرجل في حالة ترقب وتحفز، فتستمد قوتها من الثقة بالنفس، بينما تضعف في الغرور.

سمات شخصية المرأة القوية

من سمات المرأة القوية أن تعرف قيمة الوقت والمكان، وتحاول أن تستثمر الوقت لما هو مفيد وناجح، فتكون سيدة حكيمة تعرف كيف تدير أعمالها، وأن تكون ذات ثقافة وعلم، وتحسن المعاملة مع الآخرين، قادرة على المواجهة‏ والتحدي، عقلانية وذكية‏، لا تلتفت لكلمات الآخرين، لا تخشى في ايصال الحق، المرأة القوية تضع لنفسها أهداف وخطط لمستقبلها، ولا تستسلم للفشل واليأس، متخطية كل المعرقلات! ولديها قدرة هائلة على التحدي كما قالوا "وراء كل رجل عظيم امرأة" وليس رجل..

نساء حكمن العالم: "بلقيس ملكة سبأ"

من ضمن القصص القرآنية قصة الملكة بلقيس والنبي سليمان (عليه السلام) في سورة النمل، الملكة بلقيس، سليلة الحسب والنسب، ابنة الملك، وقد ورثت الملوكية بولاية منه، لأنه على ما يبدو لم يرزق بذكور.

نسبهــــا: تُنسب الملكة بلقيس إلى الهدهاد بن شرحبيل من بني يعفر، وهناك اختلاف كبير بين المراجع التاريخية في تحديد اسم ونسب هذه الملكة الحِمْيَرية اليمانية، كما أنه لا يوجد تأريخ لسنة ولادتها، وخلصت بذلك بلقيس أهل سبأ من شر ذي الإذعار وفساده، وازدهرت مملكة سبأ، واستقرت البلاد أيمّا استقرار، وتمتّع أهل اليمن بالخير و العطاء، و الحضارة والعمران والتقدم والتطور، فكانت بلقيس هي أول ملكة اتخذت من سبأ مقراً لحُكمها.

الملكة بلقيس وقيادة المملكة

ملكة جميلة وعادلة، وقد ورثت الملوكية من ابيها، لأنه لم يرزق بأبناء غيرها، تتفقد رعيتها وتوفر لهم كل ما يحتاجونه، لذلك نالت مكانة خاصة في قلوبهم، يعبدون الشمس، حتى جاء ذلك اليوم الذي وصل إليها كتاب من نبي الله سليمان عن طريق الهدهد يتضمن دعوتهم إلى عبادة الله وطاعته وترك عبادة الشمس، وأن يأتوه مسلمين فقد كتب فيه "إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم"، ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين" كانت الملكة بلقيس حينها جالسة على سرير مملكتها المزخرف بأنواع من الياقوت الأخضر والزمرد والذهب، طلبت من وزراءها ورؤساء قومها الحضور، و شاورتهم في الأمر، أما الملكة بلقيس فكان جوابها مخالفاً لرأيهم، فطلبت أن ترسل إلى النبي سليمان بهديةٍ لعله يَلين أو يُغير دعوته، رد النبي سليمان على هدية الملكة بلقيس فكان “أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ”، أحضرت حرسها وجنود قصرها واتجهت نحو نبي الله سليمان (عليه السلام)، بينما كان النبي ووزيره آصف بن برخيا (قال الذي عنده علمٌ من الكتاب) أي يعرف اسم الله الأعظم، فقال لسليمان إنه قادراً على جلب عرش بلقيس قبل أن يرتد الى سليمان الطرف، (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) بمقدار لمح البصر، استحسن سليمان كلام وزيره، وطلب منه إحضار العرش، فدعا الله سبحانه (آصف)، وذكر الاسم الأعظم، وإذا بالعرش العظيم حاضرٌ عند سليمان، الملكة بلقيس كانت في طريقها إلى سليمان (عليه السلام) فقد أمر جنوده بأن يجلبوا له عرشها، (نكّروا لها عرشها) أي غيّروا العرش تغييراً إلى حال تنكره بلقيس، وقد أراد سليمان بذلك معرفة بداهة و رجاحة عقل بلقيس، هل تعرف أنه عرشها أم لا؟.

اقترب وقت لقاء الملكة وقومها بنبي الله سليمان (عليه السلام)، والملكة لا تعرف عن جلب عرشها بعد، مشت الملكة على الصرح الممرد من الزجاج والذي كان ممتداً على عرشها، إلا أنها حسبته لجةً فكشفت عن ساقيها، فرفعت ثوبها، لئلا يبتلّ بالماء (قال) لها سليمان (إنه) ليس ماء بل هو (صرحٌ ممرّدٌ) مملّس (من قوارير) جمع قارورة، وهي الزجاجة، فدخلت، و(قالت) ضارعةً إلى الله سبحانه، مستغفرة عمّا كانت عليه سابقاً من الكفر وعبادة الشمس (رب إني ظلمت نفسي وأسلمت) الآن (مع سليمان) فإني مسلمّة معه، معترفة (لله رب العالمين). أي قصراً من الزجاج، وكان ما تحت الزجاج فارغاً، فأمر بملئه ماء، وجعل فيه الأسماك والضفادع، وما أشبه، وجعل سريره في أعلى القصر، حتى إذا رآه الإنسان غير العارف بحقيقة الأمر، تخيّل أن ساحة القصر مملوءة بالماء والأسماك، وأن سرير سليمان موضوع على الماء، انتهت الملكة وقومها من خطواتها، إلى محل العرش (فلمّا جاءت قيل) لها، والقائل بعض من حضر (أهكذا عرشك)؟ وكانت بلقيس حصيفة، ففكّرت في نفسها: هل هو عرشها أم غيره؟ إن كان هو فكيف جيء به؟ واحتملت قدرة سليمان على مثل هذا الأمر؟ (قالت كأنه هو) فلم تجب لا بالإيجاب التام، ولا بالسّلب الكامل، وإنما قالت كلمة تحتمل الأمرين، لئلا تكذّب، إذا خالف كلامه، عندها عرفت أنها وقومها كانوا ظالمين لأنفسهم بعبادتهم لغير الله وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.

والدليل على ما تقدم ذكره في الموضوع هو اظهار مكانة المرأة وقوتها في التاريخ فقد خلد القرآن الكريم اسم سيدة تقود مدينة برجاحة عقلها وقوة افعالها، ويكفيها شرفاً أن ورد ذكرها في القران الكريم مع بقية النساء الصالحات، وقد ورد حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (أن سبأ كان اسم رجل ولد له عشر أولاد، وصاروا آباء قبائل، نحا نحو الشام منهم أربعة، وهم: لخم، وجذام، وغسّان، وعاملة. ونحا نحو اليمن منهم ستةٌ، وهم: كندة، والأشعرون، والأزد، وحمير، ومذحج، وإنمار، ومن انمار صارت: (خثعم، وبجيلة) فسمّى تلك البلدة، باسم أبي هؤلاء الأولاد: رؤوس القبائل العربية.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
احلام عبد الجليل
الكويت
2016-12-25
من اجمل ما قدمت السيدة مروة حسن في عالم المرأة اليوم ، والاجمل انها ضربت مثال من القران الكريم قصة الملكة بلقيس، حيث جعلت القارئ أسير بين الوصف والكلمات وعند النهاية تطلق سراحه بتلك المعلومات والموعظة والقوة، وهذا ما يدل على ذكاء الكاتبة وقدرتها على الكتابة..مشكورة على هذه الجهود الطيبة.
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات الكتاب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك