احلام صامتة


للشوق اجنحة لا تتعب ولا تنام، ولحنين صدى بكل نفس، و لنبضة القلب رنين خاص، وللعين سحر في رمشها الذابل، ولروح اهات تسمعها نجوم الليل الهادئ، كعادتي كل يوم اهمس بين ثنايا قلبي، بتراتيل لعله يهدأ وينام، فمن الصعب ان يفضح اشواقه، كعليل يسكن وجعة بدواء، تحاول ان ترسم على ملامحي الاشتياق المفرط، رغم قوتي الا انني لا اقوى على سماع اسمها، تضرب الامواج في ذكرتي، احتضن تلك السنين الراحلة، بعيون القلب الدامعة، اعيد شريط ذكرياتي من الطفولة الى ما انا عليه الان، عندما كنتِ طفلة، تلهو بدمية، تفرح بحلوى، تضحك للمستقبل، تتمنى أن تكبر وتكبر.

مضت السنوات، مضت أيامي معها، سنين ضاحكة، وعمر صغير يتمرجح بين الحلم والخيال، عجيبة تلك السنين جمعت الوان السعادة، يا ليتني احتفظت بالون واحد!! هل نسيت السعادة طريقها، ام غيرت الوانها، لما لم اعد أبتسم كالماضي، هل تخلت عني حبيبتي، لم يعد بـإمكاني التعبير عما يجول بـداخلي، لم يعد بـإمكاني رص الحروف لوصف ما يمر على قلبي عندما اذكر حروف اسمها، تحن روحي لهواها، لياسمين يعطر صباحي، لأيام كانت لي السعادة بحد ذاتها، مؤلم هو الغياب، الى حد كبير من الوجع المستمر الذي لا يتوقف مدام للقلب نبض، وكم قاتل هو الانتظار، يحرق باقي ايامي بحطب الاشواق المتزايدة يوما بعد يوم، فلا سبيل لي غير ذلك، طويلة هي المسافات، وكثيرا ما أشعر باليأس وعدم الوصوم لا نني ثقيلة من الهموم والاحزان، مملة حياتي من بعد احضانك، حزينة هي ايامي, الى حد الاختناق، الذي يزداد كل يوم، بعد مضي سنوات منذ اخر مرة كنت هناك، تحت القبة الصفراء الذهبية، مكاني المعتاد، استمع الى صوت الاذان، صوت الشيخ المؤذن الهادئ بنبره حنجرته.

تعرف كيف يولد الشوق خلسة في شغاف القلب، تنفست الصعداء، اه يا حبيبتي، تذكرت صباحي وانا ارتدي البدلة الزرقاء، والطاقية أيام المقالب والمشاغبة، كانت قمة أحلامي ان يكون حصة فراغ، و حقيبتي الجميلة التي ربما كانت أثقل مني، أقلامي التي اعتادت على خربشة على أي ورقة، ثمة شيء يشدني إلى تلك الأيام وذلك المقعد وتلك السبورة التي لا تزال أحرفها تختبئ في ذاكرتي كلما رأيت طالبا، معلمتي الغالية "الأنسة رنين "ابتسامها الصباحية وهي تردد على مسامعي صباح الخير يا حلوه، والنشيد الوطني حماة الديار عليكم سلام، ترن في إذناي وكأني سمعتها بالأمس، السفرات المدرسية نهر بردى، وتدمر، وارض السعيدة، الاجتماع مع الرفقة عند ساحة المدرسة وسندويش لبنه معي، والاجمل من هذا عند انتهاء الدروس والعودة الى البيت، وتكتمل فرحة اليوم ان كانت الطبخة (ملوخية) ايام أصبحت سراب، ويوم الجمعة كان نزهة العائلة، مشواري يبدا من بين الحارات الدمشقية، وقد ملأها عبق الياسمين، ومر بمنزل شعبي فسمع خرير الماء وصوت العصافير هي تلك الحسناء التي فتنني ببياض يسامينها، وهديل حمامها، يترنح الكباد والليمون والنارنج في أرض الديار نهر بردى وعين الفيجة ،والمأكولات الشعبية من الذرة "العرنوص" وشراب السوس والتوت الشامي، اذرف الشوق بعثرة خواطري، بسيني الضائعة، تهفو نفسي لقبر صغير ما ارتويت من تقبيله، لو علمت بأن القدر يفرقنا، لربطت روحي عند عتبة المقام، ما أحسدت بشر قط ولكنني حسدت الذي زار قبرك واحتضن ضريحك سيدتي يارقيه، هل تصور الجنة لمن لم يراها؟ من يصفها وهي دنيا من أحلام العاشقين، أعددت قهوتي كما كنت، ونثرت حولها الياسمين، نسمة حنونه تحملني الى تلك الارض، ارض فيها السلام والماء والهواء، الجبال والسهول، كتب على ارضها الشمس انت، وانت الضياء، ومن لا يعرف الشمس لا يعرف النهار، حبيبتي انت وهويتي، وحزني، وفرحي، حياتي، انت الام وانت الحب، انت الغاية، وانت الامنية، لا اتمنى شيئا من هذه الدنيا سوى زيارة واحدة، وتنتهي حياتي بين احضانك، هل يعيدني القدر ليك، هل يجمعني معك، وارى تلك القطعة التي خطت بدماء قلبي ((سوريا ترحب بكم )) سقط الفنجان من يدي، ايقظني صوته من الحلم الذي سرحت فيه حتى انتبهت على دماء يدي تتساقط قبل الشظايا علمت وقتها انني حلمت حلم صامت.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
الكاتب جمال الصائغ
العراق
2016-8-3
دمت متألقه اعذب الكلمات واجمل التعبير شعرت وكأني انا الذي عشت في سوريا ، وفنجاني الذي سقط ،لا حرمكم الله من الزيارة فقط وليست الاقامة لاننا نفتخر بوجودكم بينا تحيتي ومودتي .
ياسر الشامي
سوريا
2016-8-3
بحق ومن دون تردد او مجاملة اعجبني السرد جدا انك بحق بحر كبير ملئ بالابداع والتميز وصفه مثيرة في سردك انها تلامس شغف القلوب، انت الق سيدتي
زينب الشكرجي
العراق
2016-8-3
سلمت الانامل التي خطت تلك الحروف الذهبية ولا أروع استاذة مروة دمت نجمة لامعة في سماء الابداع .
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات الكتاب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك