قوة التركيز مفتاح لتحقيق النجاح في العمل


اريك بارتون

عندما دخل سائق الفورمولا 1 ديريك بيل إلى سيارته وأدار المحرك، تبخرت كل مشاغل الحياة عن ذهنه.

لا يمكن لبيل، الذي شارك في سباقات السيارات منذ عام 1968 حتى عام 1996 لفرق من بينها فيراري وماكلارين، أن يفكر في شيء طوال الساعات القليلة القادمة سوى ضغط الاطارات وكم تبقى من الوقود في السيارة وكيف كان وضع السيارة عند المنعطف، فلاشيء يشغله سوى المضمار.

ويتذكر بيل، وهو بريطاني الأصل يعيش في "بوكا راتون" بولاية فلوريدا الأمريكية، تلك اللحظات من مشاركته في سباقات الفورمولا، قائلا إنها كانت "تجربة الحرص الكامل والتركيز بالكامل على كل شيء دقيق للقيادة". وأضاف: "لا توجد فرصة أبدا لتفقد التركيز لأن القيادة تشغل كل لحظة منه".

يمكن للتركيز، الذي كان يسيطر على سلوك بيل في سيارة السباق والمتمثل في الحرص على كل لحظة لديه، أن يعادل النجاح في الأعمال التجارية. ويسمى ذلك هذه الأيام "أن تعيش اللحظة" أو أن تكون واعيا بما تفعل تمام الوعي. تظهر الأبحاث أن التركيز الشديد على مهمة بعينها وليس تعدد المهام في الوقت الواحد يمكن أن يجعلك أكثر انتاجية وفاعلية في أداء مهام العمل.

وعلى مستوى المديرين، فإن ذلك يعني خلق الوسائل لمساعدة الموظفين على التركيز بشدة في عملهم، بحسب مايكل تشاسكالسون، وهو كاتب وخبير في مجال التركيز الذهني. يقول تشاسكالسون إن الأمر يتعلق "بإدارة انتباهك وانتباه موظفيك للحظة الحاضرة".

ونظراً لأن انخراط المرء بشدة وتركيز جميع حواسه على اللحظة التي يعيشها ليس شيئاً يدرس في معظم المدارس، يوصي تشاسكالسون ببرامج تدريبية تتعلق بطريقة توظيف الانتباه الكامل.

وعادة ما يكون التدريب لجلسات تمتد لثمانية أسابيع تشمل كل شيء بدءاً من أساليب التنفس القائمة على التأمل إلى الطرق التي تعتمد على علم المخ والأعصاب لتحسين التركيز والانتاجية، ومن الشركات التي تفعل ذلك بالفعل شركة "آبل" ومصرف "دويتشه بنك" وشركتي "جنرال ميلز" و"غوغل".

وتقول تيريزا غلومب، أستاذة السلوك التنظيمي في كلية كارلسون للإدارة بجامعة مينيسوتا: "العمل بتركيز ووعي كاملين بعني التخلي عن فكرة إنجاز مهام عديدة في وقت واحد. وهذا صحيح لأن فكرة إنجاز أكثر من مهمة في وقت واحد هي وصفة رائعة لإنجاز عدة أشياء على نحو سيء مع عدم ايلاء أي منها الاهتمام الذي تستحقه، وهذا يجعل المديرين في حالة من التشتت الذهني طوال الوقت".

ومثال على ذلك سياسة الباب المفتوح التي يسعى العديد من المديرين جاهدين لاتباعها. فبالرغم من أنها تشجع على الإبداع من خلال السماح بالتواصل مع المديرين بصورة أقوى وبشكل مستمر، فإن الجانب السلبي في ذلك يتمثل في توقف مسار العمل من حين لآخر وجعل التركيز في مهام العمل أمرا صعباً.

وتنصح غلومب في المقابل بأن يحدد المديرون ساعات للتواصل معهم والدخول إلى مكاتبهم كما يفعل أساتذة الجامعة. وإذا لم يفلح ذلك، عليك أن تطلب من الموظف أن يأتي إليك في وقت لاحق يناسبك ويناسب عملك.

وعندما يكون من المستحيل تجاهل إعاقة العمل، توصي غلومب بتدوين أحدث المهام التي توقفت عندها، وتدوين ثلاث أفكار عن المهمة وماهو الأمر الذي كنت بصدد القيام به، حتى يتسنى لك بسهولة مواصلة النقطة التي توقفت عندها.

ترى غلومب أن تركيز المرء انتباهه الكامل على اللحظة التي يعيشها يعني كذلك تحديد أنماط روتينية معينة. ابدأ يومك بترتيب الأولويات، وبأيهما تبدأ بالمهمات البسيطة أولا أم المهام الكبيرة عنما يكون الانتباه في درجته القصوى.

وبالنسبة للبريد الالكتروني والاجتماعات الأقل أهمية، اتركها لوقت لاحق من اليوم. وقبل أن تغادر العمل حدد مهام الغد في قائمة او افتح الوثائق التي ستعمل عليها صباح اليوم التالي.

وتقول: "الانتباه الكامل لا يعني أن تجلس على أريكة وتتأمل. بل الأمر قد يتعلق أحياناً فقط بالتوقف مع نفسك والتأمل والتفكير في الاتجاه القادم الذي ستسلكه".

يتذكر بيل، الحائز مرتين على لقب "بطولة العالم للسيارات الرياضية" والفائز خمس مرات ببطولة "لومان"، أنه عندما كان يفكر في الخطوة التالية كان يعتبر ذلك وسيلة للحفاظ على حيويته، وحماسه ونشاطه.

وكان هذا هو الحال أيضا في فرنسا عام 1995 في بطولة "سباق لومان 24 ساعة" التي شهدت سقوط أمطار غزيرة، وهو سباق يعتمد على القدرة على التحمل ويشارك فيه ثلاثة سائقين يتبادلون القيادة. وكان بيل على وشك التوجه إلى مكان تبديل السائقين لكن حينها جاء دور فريقه، وكان البديل متعباً للغاية ولم يستطع أن يحل محله فاضطر بيل إلى مواصلة السباق.

وقال بيل متذكرا هذه اللحظة من السباق الذي حل فيه فريقه في المركز الثالث: "الانتباه كان ضروريا لقيادة السيارة وسط الأمطار التي كانت تهطل طوال الليل، لقد كان الأمر صعبا. كان الوضع يتطلب تركيز كامل، وإلا ستواجه مصاعب كبيرة."

لقد كان الوضع أسهل بالنسبة لبيل، وهو سائق قديم ومحنك، مقارنة بغيره من السائقين الأصغر سنا. ففي البداية ينشغل السائقون بشدة في التعرف على العدادات والمقابض الموجودة في قمرة القيادة، ويراقبون باستمرار مؤشرات الغاز ودائما ماينتابهم القلق بشأن وضع المكابح.

ويضيف بيل "عندما تبدأ يكون كل شيء مصنف إلى أقسام، وعليك دائماً أن تمر بمرحلة مراجعة ذهنية لما يتعين عليك فعله وكل هذه الأمور تأتي طبيعية مع مرور الوقت وكلما كبرت في السن تبدأ عندها التصرف دون التفكير فيها لأنك تكون عادة قد اكتسبت الانتباه اللازم لذلك".

تخيل نفسك اذن كمدير تفعل الشيء نفسه: كل مهمة أمامك تحظى باهتمامك الكامل، ومن ثم تكتسب أنت الثقة الكاملة كذلك.

* صحفي
http://www.bbc.co.uk/arabic

..........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات الكتاب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك