الثقافة الإبداعية: من دائرة الترويج الى دائرة التكوين

2552 2017-11-23

ان مسألة الثقافة في كل بلد هي مسألة أساسية، يتوقف عليه تاريخ البلد في تطوره وانجازاته المادية والمعنوية، وعندما نتحدث عن الإبداع فإننا بلا شك نقصد الفن، إضافة الى الأدب كالشعر والقصة، وانتاج الأفلام والسينما وما شابه ذلك، إضافة الى الاعمال الحرة التي تعرض بهيئة إبداعية كبيرة لغرض الترويج والانتاجية الفاعلة بحلة جديدة.

فالإنسان بطبيعته يحب الابداع والتطور للخروج عن المألوف، ولكن كيفية استغلال هذا الابداع وعرضه بالهيئة التي تخدم الأمة وينتفع من خلاله الشعب تقع على عاتق الجهات التي تبنت خلق هذا الابداع، لأن الغاية الأساسية هي التي تحدد الأهداف المعنوية والمادية التي أخرجت من اجلها الصورة الابداعية.

لكن ما نشاهده الآن من تقدم تكنولوجي وعلمي لا يتوافق مع التطور الثقافي الذي نعيشه، فبصراحة ما نشاهده اليوم هو فراغ كبير وتقصير واضح على الصعيد الثقافي، فالساحة الثقافية أصبحت شبه فارغة مقارنة بالساحة السياسية والاقتصادية.

فالعمل الإبداعي بالوقت الحالي مقترن بالعالم الوهمي المتمثل بالإعلام والدعايات التي يقترن أهدافها بزيادة الوارد المادي والشهرة، وقد تستغل وجوه معروفة وطرق غير اعتيادية في هذا المجال في سبيل الترويج عن منتوج معين.

وفي الحقيقة غالباً ما تكون الخطوات الترويجية في عالم التسويق هي خطوات ناجحة، عدما يقترن المنتوج بطريقة طرح جديدة تميزه عن المنتوجات الباقية.

فأصل الفكرة الإبداعية التي قدم من خلاله المنتوج الإعلاني هو السبب الأول في ان يكون المنتوج ناجح وينال استحسان الناس.

فمع كثرة إعلانات مساحيق التجميل والغسيل والطعام، وتشابه السلع المعروضة في السوق، الا ان منتوج واحد يفرض نفسه أكثر على الساحة الإعلامية من المنتوجات الأخرى، ويستقطب جمهوره حتى قبل ان ينزل الى الأسواق، وهذا ما نشاهده كثيراً في المميزات المغرية التي تعرضه أضخم شركات الموبايل في العالم، حتى قبل نزول الجهاز في الاسواق.

وذلك التأكيد يعود الى الطريقة الذكية في صياغة الإعلان والفكرة القوية التي رافقت انتاج الدعاية الإعلامية للبضاعة.

بعيداُ عن عالم الأسواق والبضائع التي لا تهدف الاّ لزيادة الوارد المادي، والذي غالباً ما تكون محدودة في دائرة الإنتاج فقط، ماذا لو تجاوزنا دائرة الترويج وانتقلنا الى دائرة التكوين، واستخدمنا الأساليب الإبداعية التي تتوافق مع الاذواق العامة في حياتنا الاعتيادية لرفع المستوى الثقافي بين الأمة.

فالثقافة هي لسان العالم واللغة التي توحد الشعوب مع بعضها البعض، وفكرة استخدام الثقافة بأطر إبداعية تجعلنا نتقدم خطوات عالمية كبيرة في نقل الرسالة الإنسانية والإسلامية الى العالم، فكم من أفكار وقصص عظيمة وصلت الى الشعوب عن طريق لوحة فنية، او بيت من الشعر!

ولكن مقارنة بالتطورات التي يشهدها العالم نجزم بأن ما نعيشه الان في العالم الإسلامي هو اوج التردي والتخلف الثقافي، فمع اختراع أعظم التقنيات السمعية والبصرية وتطور المسارح والسينما الاّ اننا نمثل اللاشيء من الإنجاز الإبداعي في توسعة الدوائر الثقافية..

وهذا مؤشر غير جيد ابداً، وإذا ما دلَّ على شيء فهو يدل على التقصير في هذا الجانب الذي يحمل على عاتقه تطوير المجتمع ذهنياُ وتخليدا لأمجاد الأمة والسعي بها نحو الازدهار والتنور.

فالأداة الثقافية هو امر ضروري جداً يمكن من خلاله تثبيت المبادئ والقيم في الأمة والعمل على تطوير الركائز الأساسية في المجتمع ضمن الحدود الشرعية.

والدين بكل حالاته هو أسلوب حياة، يعبر عن إنسانية البشر ويواكب جميع تطوراته، واهمالنا للثقافة والابداع هو ما يجعل الدين الإسلامي يبدو بهيئته البدائية والتخلفية، مع العلم ان الدين هو دين التطور والعصرية، والدين الذي يرتبط مباشرة مع القلب والعقل، ولكن تقصيرنا هو الذي رسم هذه الصورة الشنيعة عن الدين للعالم وللأجيال الحالية.

لهذا السبب نجد شبابنا وبناتنا ينجذبون الى الثقافة الغربية، لأنهم وجدوا الدين لا يلبي احتياجاتهم النفسية والتطورية، وفي المقابل وجدوا الغرب يقدمون الابداع على هيئة وجبة ثقافية دسمة مضافة اليها بعض المنكهات المحرمة التي تجعل الطبق أشهى وألذ.

امّا نحن تاركين الساحة الثقافية فارغة، وموجهين كل اهتماماتنا الى السياسة والاقتصاد والأزمات التي تحصل، وهذا هو عين الخطأ، ولتلافي هذه المشكلة علينا رسم خطوط حمراء حول الثقافة والتشديد على الحركة الإبداعية في البلد.

فمن المهم استلام الواحة الثقافية نخبة من المختصين في هذا المجال، ليسعوا في تبني أكبر شريحة ممكنة من الشباب المبدعين لتطوير العمل الإبداعي، والإنجاز الثقافي بكل حيثياته يعتمد على عاملين مهمين، العامل الأول هو ما يتمثل بالإمكانيات والاستعدادات التي تتمحور بالأدوات والآلات والمكان والظروف الملائمة لسير العمل، اما العامل الثاني فهو ما يتمثل بالذكاء والقدرات الشخصية، وفي كل الأحوال هذان العاملان قابلان للتطور المستمر.

ولكن تبقى الخطوات الأساسية على عاتق المختصين في تقديم المادة الثقافية بطريقة إبداعية أكبر بحيث تلبي اذواق الناس العامة وتواكب المفهوم التطوري عند الشعوب.

فما الضير لو قدمنا فلم إسلامي يتكلم عن حقبة تاريخية معينة ولكن بطريقة إبداعية واحترافية أكبر، ليستسيغها عين المشاهد وتبدو رائجة لذوق الناس وتواكب التطور السينمائي الحاصل مع احترام الحدود الشرعية.

فالدين يشجع على التطور والتقدم والابداع، والدين الذي لا يرافقه الابداع هو دين بدائي ولا يستطيع تلبية الحاجات البشرية، والدين الذي لا يستطيع تلبية حاجات الناس هو ليس بالدين الذي انزله الله على الناس ليمثل أسلوب حياة.

الاّ ان كل ما يحدث اليوم من انحطاط ثقافي هو بسبب تخلفنا وجهلنا وابتعادنا الكبير عن الساحة الإبداعية، فأهداف الدين هي اهداف ثقافية ومعنوية تتعلق بالروح والفكر والقلب، لذلك لا يمكن ان يكون الشخص او المجتمع المتدين خالياً من الأعمال والقيم والطموحات الثقافية، اذن المجتمع المتدين بكل حالاته والوانه يمثل المجتمع الثقافي بالطبع والقوة.

وإذا امتلكت الأمة ثقافة إيجابية متطورة ستكرس هذه القوة لأجل الحياة ونمو البشرية وخدمة الأمة، وبالطبع لن يتم ذلك الاّ إذا اخذنا الموضوع على محمل الجد ونقلنا الابداع من خانة الترويج والدعاية والإعلام الى خانة التكوين القيمي والمبدئي والفكري، وفكرنا بطرق جدية يمكن من خلالها طرح الثقافة الإسلامية بإطار عصري لا يخدش المظهر الأنيق للتطور وفي نفس الوقت يقدم المنهج الديني بكل حيثياته، دون نواقص او تجاوزات شرعية.

ولتوسعة هذه الدوائر نحتاج الى ترويج المطالعة ومواكبة التطورات العلمية والثقافية التي تحصل في العالم، والاستفادة منها بالصورة التي تخدم المصلحة العامة، والمشاركة في المعارض الدولية وتبادل الثقافة بين الدول والتشجيع على المسابقات الإبداعية، وفتح دور خاصة في مجالات الابداع الصوري والرقمي.

إضافة الى الورشات التدريبية التي تزيد من الرصيد المعرفي وتبني للإنسان هيكلاً رصيناً من الابداع التطبيقي، كما ان تبادل الخبرات لها الأثر الأكبر في عطاء الإنسان، فالفكرة مهما كانت بسيطة يمكن العمل عليها وتطويرها بجهود جماعية ساعية للتقدم والتطور الحقيقي.

ولكن الخطوة الأهم هي الترويج للمطالعة وزيادة عدد مراكز البحث والتحقيق، وتأسيس لجن خاصة لكشف المواهب الناشئة في المدارس والجامعات، واحتضانهم في دور خاصة يتم من خلالها تدربيهم وصقل مواهبهم من قبل مختصين في كل مجال، ليتخرجوا هذه الشريحة التي تم تعليمها وتدريبها في ظروف خاصة، بهيئة محترفين يقدمون على خدمة الأمة ورفع مستوى الثقافة والابداع في البلد، لأن الانتشار الكمي للإبداع هو عمل أساسي يقع على عاتق جميع القطاعات الثقافية الموجودة فيه، فما علينا الاّ تفعيل هذا الاستعداد لتتسرع عجلة الابداع في البلد وتتطور الطاقات اكثر، وتزخر المحافل الثقافية بالنتاجات الإبداعية لتحتل على اثره الرتب التنافسية في العالم.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك