محنة التشاكل بين عدم اليقين والفردية مع الحداثة وما بعدها


التجانس بين مفهومي النهضة والحداثة، قال به منظرون يعتقدون أن تحقيق الحداثة مرتبط بتحقيق النهضة بالاعتماد على (تكافؤ مرتكزات المفهومين)، مقسمين عناصر التكافؤ إلى العقل والعلمانية والفردية وحقوق الإنسان.

وإذا ما أخذنا العلمانية باجتهادها في فصل الدين وعزله كخيار ثابت؛ فإننا سنكون أمام إشكالية تجعلنا نعيد النظر بهذا التجانس. فالحداثة لها وجهان: الأول خارجي يتمثل في ازدهار الإنسانية عبر تطور العلوم والتكنلوجيا، والثاني داخلي يتمظهر بأنساق الحياة الاجتماعية وتجدد أنماطها.

أما النهضة فهي استراتيجية (عقلنة الحداثة) وإخضاعها إلى المعايير والسلوكيات العقلية والاجتماعية والأخلاقية كما يرى (برهان غليون) في كتابه (اغتيال العقل).

وهنا سنكون أمام صعوبة إيجاد حلقات تربط العلمانية ــ بما هي عليه من فصل للدين ــ والحداثة المُعَقْلنة باستراتيجيات النهضة، وفي الحقيقة يمكن إيجاد هذه الحلقات الرابطة في حال انفلتت الحداثة من قيم النهضة، ويلزم في هذه الحالة إضافة مفردة جديدة إلى جانب الحداثة فتكون : الحداثة المنفلتة.

إن الحداثة الحقيقية هي التي تأخذ سُلَّماً تصاعدياً ينطلق من التراث صعوداً إلى الحاضر، ومن ثم المستقبل، هي التي يعول عليها في تحقيق التشاكل والتجانس، وليس التي تعني الفردية المفرطة والمتعالية لدرجة العبث، وذلك بالانقياد العشوائي لمقولات الفرنسي رينيه ديكارت Rene Descart 1596-1650 بوصفه (أب الحداثة ولا سيما في مجال التفكير الفلسفي) وغيره من الفلاسفة الذين مثلت آراؤهم ردود فعل انفعالية تجاه ممارسات معينة لأنظمة الإقطاع الكنيسية ن فتم تلاقف انفعالاتهم والإيمان بـ (الوضعيات الخارجة عن سلطة الوصاية)، لكنهم شيئاً فشيئاً أصبحوا أسارى للوصايا الوضعية والمادية، فصارت لهم حداثتهم وأطر تفكيرهم المستوردة من دون توفر الاشتراطات الضرورية بلوغ فحوى الحداثة، ومن دون القدرة على الإمساك بلحظة الوعي.

وقد انتبه (جان جاك روسو) لقضية التطور المنقلب على نفسه حينما فتح النار على قيم العقلانية والفردية المفرطة التي أدت إلى أن يشوه الإنسان نفسه بالحداثة وبالتطور العلمي، حيث أكد على أن النزعات المادية تؤدي إلى تراجع القيم الأخلاقية، وتقود الإنسان إلى دوائر الاغتراب، ولن يتحقق بذلك أي اتحاد بين الفرد ومجتمعه الذي يعيش ويمارس حياته فيه؛ لذلك يطالب روسو أن يخضع الإنسان أن يخضع لسياقه الاجتماعي ووجوده فيه؛ ليضمن عدم استبداد الفردية به وتحكمها بمصيره.

ما بعد الحداثة

وبعد فشل الحداثة كنظرية قائمة على سيطرة العقل واستبداد الفردية على الهاجس الإنساني، ظهرت دعوات مابعد الحداثة التي بدأها الفرنسي (جان فرانسوا ليوتار) الذي فتح النار على الحداثة ومنطلقاتها معلناً إفلاسها وانهيار نظرياتها وعجزها عن قراءة الواقع عاداً إياها نظرية شمولية، خصوصاً فيما يتعلق بحتمية التتابع التاريخي الذي قالت به الماركسية، والتي أثبت ليوتار فشلها الذريع.

لكن هذا لايعني التبشير بمفهوم مابعد الحداثة؛ لأنه ــ وإن بدأ من نهاية الستينيات من القرن الماضي ــ لا يوجد اي اتفاق على تعريفه وتحديد ملامحه، فضلاً عن أنه يقدم على مستوى اللفظ زمناً لاحقاً لمفردة الحداثة، مع انها تركز على حل إشكالية الهيمنة العقلانية والتسلط الفردي على حساب الجانب الروحي للإنسان.

ومن مرتكزات ما بعد الحداثة الغموض والضبابية في الأفكار وفي طريقة صناعتها وانتاجها، كما انها تعمل أيضاً على ما تظنه (تحرير الإنسان) من المُسلّمات اليقينية، وهو ذات الفخ الذي سقطت الحداثة في شباكه، فضلاً عن مرتكزات أخرى تتعلق بجوانب أدبية كتحطيم الحدود بين أجناس الأدب الكتابية والانفلات من معاييرها وقواعدها المنهجية ، معتقدة بذلك أنها فوق الحقيقة في الوقت الذي تنكر اليقين الثابت!

الرؤية الإسلامية

لم يتعارض الفكر الإسلامي ــ كما يروج المخالفون له من العلمانيين والليبراليين بدون حجة ودليل ــ مع قيم التجدد والتطور، كل مافي الأمر أنه يتعامل مع هذه القيم وفق الضوابط الشرعية التي أثبتت بطلان أي مسعى يحاول عزلها أو فصلها عن الإنسان. فالفكر الإسلامي يقف بالضد من تسلط بعد على بعد آخر؛ لأن ذلك لن يحقق سوى المزيد من التشتت. فالإنسان وفق الرؤية الإسلامية كائن اجتماعي، وأي حالة انزواء عن مجتمعه سيحدث خللاً وتفككاً في منظومته الاجتماعية، وبالتالي فإن الخلل سينسحب على نظام الحياة.

والإنسان موجود ذو بعدين1 : روح وجسم، وعقل وشهوة، وهذا يعني أنه نتاج امتزاج بين الروحانيات والجسمانيات، ومن المعنويات والماديات، وكل بعد من هذه الأبعاد له وظيفته التي تتكامل مع وظائف الأبعاد الأخرى دون تفرد قيمة دون أخرى، وخصوصاً في قضية تفرد البعد المادي الذي سيجر الإنسان إلى مراحل يبتعد بها عن الأخلاق والفضائل، وهنا يأتي الدور المهم للعقل وفق المنظور الإسلامي في السيطرة على الماديات بآليات اعتدال وانضباط تجعله بعيداً عن التوحش الشهواني، ولعل أبرز مشاكل الإنسان اليوم هي في عدم توازنه عندما يتعلق الأمر بالأشياء المادية، جاء في الحديث الشريف أن الرسول الأكرم (ص) قال : "لاتميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإن القلوب تموت كالزرع إذا كثر عليه الماء/ مكارم الأخلاق ص149 ب7 ف3". وهذا من جانب قاعدة الإفراط، وكذا بالنسبة للقاعدة الأخرى وهي التفريط، حيث يهمل الإنسان نفسه ممارساً انتهاكاً صارخاً على نفسه وحرمانها من الضرورات التي تجعله مستمراً بأداء دوره.

-----------------------------
1: ينظر: العقل رقي الإنسان، المرجع الديني الراحل الإمام السيد محمد الشيرازي ، ص9


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات الكتاب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك