أهل الموصل ومشاعرهم ما بعد هزيمة داعش


"العرفان"، من الصفات الاخلاقية الحميدة الدالة على رغبة عميقة لتوثيق العلاقة مع صاحب الفضل والاحسان ومن له الموقف الايجابي والنبيل، و"النكران" يأتي في الجهة المقابلة والمناقضة تماماً، وكما يكون العرفان باشكال عدّة، فان النكران ايضاً، يتلفع احياناً بأوجه عدّة، خوفاً من ردود الفعل والانعكاسات السيئة عندما يكون "المتنكّر" بحاجة الى الاندماج في الكيان العام للمجتمع والدولة حفاظاً على المكاسب والمصالح.

قرأت خبراً عن قيام مجموعة شبابية من أهالي الموصل ضمن نشاط "مجتمع مدني" بفعالية اجتماعية – ثقافية بزيارة عوائل شهداء الحشد الشعبي في محافظة العمارة لتقديم المواساة لهم، وايضاً الشكر والعرفان لما بذلوه ابنائهم وسائر ابناء الوسط والجنوب من تضحيات جسام ومآثر جمّة من أجل تحرير مدن مثل تكريت والفلوجة والرمادي ثم الموصل وغيرها من الاقضية والنواحي التي يسكنها المكوّن السنّي، من احتلال تنظيم داعش.

لتحمل هذه البادرة الشبابية ضمن رسائلها؛ تعديل الصورة النمطية للمجتمع السنّي بعد احتلال داعش مناطقهم طيلة السنوات الثلاث الماضية، وأنهم بريئون مما فعل داعش، فهذا شأنهم، بيد أن المبادرة الأولى المعبرة عن مشاعر الرأي العام الموصلي ينبغي ان تصدر من جهات ذات عمق و وجاهة اجتماعية مثل العشائر والنقابات المهنية والشخصيات الدينية، تبين قيمة التحرير الذي خطه ابناء الحشد الشعبي والقوات الامنية في الموصل وغيرها، ثم الحديث عن التجربة المرّة والفاشلة مع ما يُدعى بتنظيم الدولة الاسلامية، والاكذوبة التاريخية الكبرى التي سوقها ساسة وإعلاميون مدفوعي الأجر، بأن هذه "الدولة" خيراً لكم من الدولة العراقية التي يحكمها الشيعة في بغداد!

فبعد أن كانت الموصل تتمتع بما يشبه الحكم الذاتي وعدم انصياع المديريات الحكومية لوزاراتها في بغداد، واتخاذ القرارات والاجراءات وفق مصالح المسؤولين والساسة هناك، والمجمع الموصلي يمارس حياته الطبيعية، جاءت الدولة الداعشية بنظام حكم لم يعهدوه من قبل، فكانت المفاجأة في الجلد والقتل والتصفيات الجسدية لمن يخالف الأوامر، ومن ثم مصادرة الحريات بشكل مريع.

وبالرغم من ان القوات الامنية والعسكرية قطعت الطريق على تمدد داعش باتجاه العاصمة بغداد، و بددت الخطر المحدق في أيامه الاولى عام 2014، بيد ان الواجب الوطني والاخلاقي يحتم عليهم تحرير سائر التراب العراقي من الفكر التكفيري والظلامي الجاثم على صدور أهالي الموصل وتكريت والرمادي وغيرها، على أن العراقيون يعيشون في الوقت الحاضر على تراب واحد وضمن حدود واحدة ويستفيدون من الموارد الطبيعية سويةً، ومن يقف على قمة الحكم، وهو؛ رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، هو رئيس كل العراقيين، ومسؤول عن اوضاعهم ومصيرهم، وهذا ما دفع قوات الحشد الشعبي لأن تبادر للمشاركة في إسناد قوات مكافحة الارهاب والشرطة الاتحادية في عملية تحرير الموصل، وايضاً سائر المناطق في محافظة نينوى.

وعندما نلاحظ مشاعر الأمان والارتياح على وجوه الاطفال والنساء والرجال خلال لقائهم بالقوات الامنية العراقية يمكن معرفة الفارق بين "المنهج الداعشي" و "المنهج الشيعي"، وفي مقال سابق ذكرنا، أن المقاتلين من ابناء مذهب أهل البيت، عليهم السلام، يحملون رسائل السلام والمحبة في قلوبهم قبل حملهم السلاح بأيديهم، بينما المنهج الداعشي لا يتحرّج من أن يجعل النساء والاطفال دروعاً بشرية لعناصره ليكونوا بأمان من نيران القوات العراقية!

ان وفود من شرائح المجتمع السنّي في مدن الوسط والجنوب بعد المرحلة العسكرية من الحرب ضد داعش، سيحمل دلالات عدة ليس اقلها؛ الوطنية والاعتزاز بالأرض، وايضاً؛ الاصالة العربية وما تحمل من قيم اخلاقية وتقاليد وأعراف نبيلة، والأهم من كل ذلك؛ التبرؤ من القتلة والمجرمين ممن انغمست ايديهم بدماء الابرياء والمقاتلين الشرفاء خلال السنوات الماضية.

وهذا ما تسالمت عليه شعوب وأمم سبقتنا في التاريخ المعاصر والقديم، فقد وقعت حروب ضروس أكلت الاخضر واليابس وتسببت في إزهاق أرواح الملايين من البشر، مع خسائر مادية فادحة، بيد ان الرؤية الحضارية والتطلع نحو التغيير والتطوير شجّع الشعوب على تجاوز الماضي رغم الجراح الغائرة، لأن الأهم هو مستقبل الجيل الجديد ومستقبل البلد، وهكذا تألقت شعوب مثل؛ الشعب الهندي والشعب الصيني والشعب الكوري وحتى الشعب الايراني.

وعلى شرائح المجتمع السنّي في العراق ان تتذكر دائماً أن أغلى المراهنات الاقليمية والدولية على العراق منصبّة على النسيج الاجتماعي العراقي وكيفية إبقائه على حالة التشكيك ومشاعر الخوف وعدم الثقة، فها هي السعودية وعلى لسان سفيرها السابق في بغداد، ثامر السبهان، يسمّي أهالي الانبار بـ "الاخوة" إبان اندلاع المعارك لتحريرها من احتلال داعش، بيد ان هذه "الأخوة" لم يلمسها أهالي الانبار ولا الفلوجة وأي مدينة سنية اخرى عندما حلّ بها الدمار عندما تحصّن بها عناصر داعش، فكان الماء والغذاء يصل الى أطفال الموصل من أيدي القوات الامنية المشاركة في تحرير المدينة، ولم نسمع بوجبة مساعدات انسانية من دول خليجية او عربية او اسلامية الى النساء والاطفال الذين كشفوا لوسائل الاعلام بانهم لم يأكلوا او يشربوا شيئاً منذ ايام قبل وصول القوات الامنية العراقية.

قطعاً؛ العراق والعراقيون لن يكونوا يوماً بحاجة الى قناني الماء والطعام المعلب القادم من الخارج، فقد وصلت الى الموصل وقبلها المناطق المحررة من الاحتلال الداعشي، قوافل ضخمة من المواد الغذائية والانسانية من مدن الوسط والجنوب باشراف ورعاية من مكاتب المرجعيات الدينية في النجف الاشرف وكربلاء المقدسة، كما وصلت قوافل مماثلة من العتبتين المقدستين: الحسينية والعباسية في كربلاء المقدسة، ومن نافلة القول؛ تشييد مصنع للثلج في الموصل مؤخراً على نفقة العتبة العباسية المقدسة، ومبادرات انسانية مشابهة عدّة.

بيد ان مصافحة الرجال للرجال من شأنها تعزيز الأخوة العربية والاسلامية وخلق رؤية موحدة تخلّص الطائفية من التسييس والتطرف والتزمت، وتتطلع نحو هدف مشترك بالعيش الكريم على قاعدة الحقوق و الواجبات ضمن الوطن الواحد.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
ضياء عبد الحسين
2017-7-19
في المقال آمال أقرب الى الحلم الجميل منه الى الواقع، ولكن؛ فيه إلقاء الحجة وتحميل للمسؤولية الاخلاقية والتاريخية، فان سكتت العشائر الموصلية وغيرها عن الاشارة الى اصحاب الفضل، فان الآخرين سيقومون بذلك من داخل العراق وخارجه، ولا يصح إلا الصحيح.
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات الكتاب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك