الصراع وتحدي الامن الغذائي في العراق

1655 2017-07-16

تعمل اغلب المجتمعات والقيادات الواعية على تجنب الحروب والصراعات المحلية بإشاعة اجواء الألفة والتعايش وترسيخ قيمها، لا بعسكرة المجتمع والذهاب وراء ارادات سياسية محلية وخارجية تريد ان تجعل من اراضي غيرها ساحة لحروبها وشبابهم وقودا لتأكيد نفوذها.

للصراعات المحلية وخوض الحروب آثار سلبية بعيدة المدى على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها. لذا تعيش بلدان الصراعات خراب وتدمير مستمر ناهيك عن آثارها الممتدة الى العائلة والفرد من تفكك أسري واعداد كبيرة من الارامل والايتام. لذا تعمل اغلب المجتمعات والقيادات الواعية على تجنب الحروب والصراعات المحلية بإشاعة اجواء الألفة والتعايش وترسيخ قيمها، لا بعسكرة المجتمع والذهاب وراء ارادات سياسية محلية وخارجية تريد ان تجعل من اراضي غيرها ساحة لحروبها وشبابهم وقودا لتأكيد نفوذها.

العراق لازال يدفع ضريبة الحرب العراقية-الايرانية وغزو الكويت وغيرها. ولازال الصراع مستمرا لأسباب مختلفة مع انه فرض عليه بعد سيطرة الجماعات الارهابية. ولكن بعد مرحلة الارهاب لابد ان يتجه الوعي الجمعي العراقي الى نبذ الصراعات وتلافي اسبابها واحلال لغة السلام والحوار في التعاطي مع القضايا.

بين ايدينا اليوم التقرير العالمي حول الازمات الغذائية لعام 2017 الصادر عن برنامج الغذاء العالمي في آذار الماضي. يسلط التقرير الضوء على الآثار المدمرة للصراعات على الامن الغذائي، أس الحاجات الاجتماعية، فضلا عن ان انعدامه يشكل تهديد واقع على الامن الوطني للدولة بشكل مباشر.

يناقش التقرير موضوعات عدة ومنها الصراع وآثاره السلبية على الامن الغذائي والتغذية والزراعة في البلدان التي تشهد صراعات متواصلة لأسباب مختلفة. فالصراع له اثار سلبية على الامن الغذائي والتغذية والزراعة وهي ظاهرة لاجدال فيها ومدركة عالمياً. وتعد الصراعات سببا رئيسا لانعدام الأمن الغذائي والجوع في عدة أجزاء من العالم، مما يقوض الأمن الغذائي بطرق متعددة ويخلق عقبات امام الحكومات والوكالات الإنسانية التي كثيرا ما تكافح من أجل الوصول إلى من هم في أشد الحاجة إليها.

وتتسم أسباب انعدام الأمن الغذائي في الصراعات بالتنوع ولكنها غالبا ما تقترن باضطرابات في إنتاج الأغذية وأنظمة الأغذية، ونهب المحاصيل والماشية، وفقدان الأصول والدخول وتشريد السكان، مما يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على توافرها، والحصول على الغذاء واستخدامه.

ووفقا للتقرير - في المناطق المتضررة من الصراع - فان عدم توفر فرص كافية للحصول على الغذاء، إلى جانب ضعف إمكانية الوصول إلى المرافق الطبية - في بعض الحالات حتى عدم الحصول على المياه النظيفة - له تأثير ضار على التغذية، ولا سيما بالنسبة للفئات الضعيفة مثل والأطفال دون سن الخامسة، والنساء الحوامل أو المرضعات.

يعرض التقرير تحليل معمق لهذا الجانب لـ 11 بلدا حول العالم حيث يبرز انعدام الامن الغذائي او الصراع وهي 7 بلدان افريقية واربع بلدان في اسيا والشرق الاوسط وهي بلدان الصراع الاربعة المعروفة افغانستان، سوريا، العراق، اليمن.

ايضا التحليل يغطي الاثار غير المباشرة لهذه الصراعات على البلدان المجاورة والآثار الإقليمية المترتبة على عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

فيما يخص العراق، يرصد التقرير الامن الغذائي في العراق. يؤكد التقرير ان عدد سكان العراق بـ(37.548.000) مليون نسمة وفقا لتقرير الامم المتحدة. وعدد السكان النازحين داخليا (IDPs) (3.000.000) مليون شخص، وعدد العائدين (1.2) مليون شخص. فيما يبلغ عدد النازحين السورين في العراق (228.894) الف شخص.

يواجه العراق منذ عام 2014 ازمة انسانية معقدة حيث الصراع بين الجماعات الارهابية والقوات المسلحة العراقية. خَلّف الصراع اكثر من 3 مليون نازح واكثر من 10 مليون بحاجة الى مساعدة انسانية الامر الذي يحد من توفير المساعدة المنقذة للحياة. وبينما تقلصت شبكة الحماية الاجتماعية الحكومية، انخفض الدعم الموجه الى الرعاية الصحية واماكن الطوارئ والتعليم والمياه والصرف الصحي بعد خفض الانفاق العام في الموازنات العامة للعامين الماضيين.

وتنعكس ديناميات الصراع المتغيرة بسرعة في العراق في حالة الأمن الغذائي المتقلبة في جميع أنحاء البلاد. ويقدر أن 2.4 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي، منهم 1.5 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد. ووفقا لنظام الرصد التابع لبرنامج الأغذية العالمي، بلغ انعدام الامن الغذائي مستويات مرتفعة في المناطق التي شهدت صراعات وتهجير. وأشد الفئات ضعفا وانعداما للأمن الغذائي هي الأسر المعيشية والنازحون داخليا في مناطق الصراع، والعائدين في المناطق المحررة.

في عام 2016، محافظات الانبار (خاصة مناطق الفلوجة وهيت)، وصلاح الدين، ونينوى (وخاصة الموصل)، شهدت اقل مستويات الاستهلاك الغذائي وفيها أعلى نسبة من الأسر التي تلجأ إلى استراتيجيات التكيف السلبية. واستمرت الاسر في المناطق المحررة مثل الفلوجة تعاني من توابع أشهر من الحصار ونقص المساعدة.

البيانات الخاصة بنظام الرصد لبرنامج الاغذية العالمي والتي غطت مدينة الموصل في تشرين الثاني 2016 – اي بعد اقل من شهر على بدء عمليات التحرير – توضح بأن 27% من السكان عانوا من عدم كفاية استهلاك الأغذية. هذه النسبة كانت مرتفعة بين السكان الذين بقوا في مناطقهم وليس النازحين والسبب ربما حصول النازحين على المساعدات.

وعموما، لم تكن كفاءة ونوعية نظام التوزيع العام كافية لتغطية احتياجات السكان، حيث أبلغت الأسر عن حالات تأخير في التوزيع، فضلا عن حصص غذائية غير مكتملة وسوء نوعية الأغذية. وفي عام 2016، وجدت التقييمات التغذوية السريعة لأطفال النازحين دون سن الخامسة معدلات منخفضة لسوء التغذية وفقا لتصنيف منظمة الصحة العالمية نتج عنها معدلات تقزم ونقص الوزن. ومنذ هجوم الموصل في تشرين الاول 2016، كانت هناك حالات من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الذين وجد أنهم مرضوا لعدة أشهر ولم يعودوا قادرين على تناول الطعام.

ويجري رصد الحالة التغذوية للنازحين الجدد، ويبدو أنها مستقرة في الوقت الحالي، ولكن هذا يمكن أن يتغير إذا استمر الصراع. وسيوفر استقصاء عام 2017 في جميع المخيمات بيانات دقيقة عن الحالة التغذوية للأطفال دون الخامسة، والنساء الحوامل والمرضعات.

ولا تزال الأسواق هي المصدر الرئيس للأغذية للأسر. وبالإضافة إلى نقص الغذاء، تسبب الصراع المتصاعد في ندرة حادة في الوقود، مما ألحق ضررا بوظائف السوق واستمرار في ارتفاع الاسعار المحلية، مما حد من وصول الاغذية إلى الفئات الاكثر ضعفا. وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن المناطق التي يتعذر الوصول إليها والمحاصرة سجلت أكبر زيادات في أسعار الأغذية، ونتيجة لذلك، فان القوة الشرائية للأشخاص الذين يعيشون في المناطق الساخنة في تشرين الأول/أكتوبر 2016 كانت أقل بنسبة 17 % مما هي عليه في بقية أنحاء البلاد. وتبين من الرصد الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي وتقييم السوق في تشرين الأول/أكتوبر 2016 أن الطرق التجارية المحظورة هي العائق الرئيس أمام وظائف السوق. حيث أظهرت الأسواق في المناطق المحررة حديثا القدرة على استعادة الوظائف وضمان استقرار الأسعار بمجرد استئناف التجارة وحركة البضائع.

وتؤدي الطبيعة المطولة للصراع الى إضعاف قدرة النازحين داخليا على الصمود بشكل كبير. فهم يعتمدون بشكل متزايد على المساعدة في الحصول على الخدمات الأساسية بسبب فقدان الدخل والأصول. وفي الوقت نفسه، فإن نظام الحماية الاجتماعية الحكومي -بما في ذلك دعم الرعاية الصحية في الخطوط الأمامية والمأوى في حالات الطوارئ والتعليم والمياه والصرف الصحي– يتضاءل.

وفي الوقت نفسه، ستستمر القضايا الأمنية في إعاقة وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، مما يقلل من أمنهم الغذائي. ومن المتوقع أيضا أن يواجه السكان المستضعفون في المناطق المستعادة حديثا نقصا حادا في السلع الأساسية والخدمات الطبية.

ما تقدم يوضح الصعوبات الانسانية المعقدة التي تواجه مؤسسات الدولة المعنية. لذا يبرز تحدي امامها هو العمل اكثر على تأمين الاغذية اللازمة والمأوى للنهوض بمستويات التغذية ورفع معدلات الامن الغذائي في المناطق المحررة ومخيمات النازحين. ونعتقد ذلك هو التحدي المرحلي الاقرب لمرحلة مابعد القضاء على التنظيمات الارهابية. وبدون الاهتمام به سيزداد اعداد الذين يعانون من سوء التغذية وستتفاقم المشاكل الانسانية وهذا هو الجانب الاخر من الحرب.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك