الشباب بين عالميّ الواقع والافتراض


قبل ابتكار المواقع التفاعلية، كنا نعيش في عالم واحد، نتقنه تمام الإتقان، ونعرفه تمام المعرفة، لا نشعر بحالة الاغتراب والتيه في عالمنا الواقعي، غالبا ما نكون منسجمين معه ومتأقلمين، بسبب معرفتنا لتفاصيله، أزمنة وأمكنة وإيقونات ورموز، وحين بزغت شمس العالم الافتراضي، نعني بها شبكات التواصل (فيس بوك، تويتر، ماسنجر، يوتيوب) وسواها، نهض عالم وهمي أو خيالي محايث لعالمنا الواقعي، يسير الى جواره، ينافسه في الحضور والحركة والتفاعل وتطوير العلاقات المتبادلة بين الناس والكيانات الأخرى، كالدول والمنظمات باختلاف مهماتها وأعمالها وليس انتهاء بالعلاقات الفردية.

إنه إذاً عالم ثان قائم بذاته، وهو ليس كيانا وهميا أو افتراضيا كما يحلو لبعضهم نعته أو تسميته، في بعض الإحصائيات، فقد أعلنت شبكة فيس بوك عن أحدث إحصائياتها للمستخدمين النشطين على الشبكة ومن مختلف المنصات لتكشف وصولها إلى أرقام قياسية جديدة. وفي التفاصيل فقد حققت الشبكة حاضرا (1.11) مليار مستخدم نشط شهرياً، وهناك 665 مليون مستخدم نشط يومياً وسطياً بحسب أرقام شهر مارس، كما وأن مستخدمي الهواتف المحمولة والأجهزة المتنقلة بلغوا 751 مليون مستخدم.

وبمقارنة هذه الأرقام مع إحصائيات سابقة نجد أن هناك زيادة 26% سنوياً في معدل المستخدمين النشطين يومياً، أي الذين يسجلون دخولهم ولو لمرة واحدة على الأقل على الشبكة في اليوم. أما المستخدمين النشطين شهرياً وهم الذين يدخلون مرة واحدة على الأقل في الشهر فزاد عددهم بنسبة 23% بمعدل سنوي مقارنة بأرقام العام الماضي. لكن النسبة الكبيرة في النمو كانت من نصيب مستخدمي الشبكة من الأجهزة المتنقلة كالهواتف الذكية و المحمولة و الحواسب اللوحية حيث زاد عددهم بنسبة 54% بمعدل سنوي.

هذه الأدلة تشي بما لا يقبل الشك أننا بإزاء عالم يصنع نفسه بنفسه، وينهض بقامته الفارعة وكيانه الكبير (المتجسد حقيقة) الى جانب عالمنا الواقعي، ما يثير اهتمامنا هنا تلك الآراء التي تتمخض عن ملاحظات معظم المختصين بالعوالم الافتراضية، إنهم يقولون بأن الشباب هم الشريحة الأكبر التي تجد ضالتها في وسائل التواصل الحديثة أو في العوالم غير الواقعية، ويضيف هؤلاء إن ضغط الواقع وأعبائه الكثيرة والثقيلة، تدفع بالشباب نحو حافة الهروب من حياتهم الفعلية، بحثا عن حياة أقل عبئا وثقلا عليهم، فوجدوا ضالتهم في شبكات التواصل الحديثة عبر المواقع المعروفة لاسيما الفيس بوك.

في كل ابتكار جديد، محاسن ومساوئ، الحال نفسه ينطبق على مواقع الشبكات الاجتماعية، خصوصا بالنسبة للشباب، لأنهم النسبة الأكبر من العقول متابعة لهذه المواقع، ومتابعة لمنشوراتها وأفلامها والضخ الكبير لأفلام الفديو كتقنية مستحدثة وفعالة وجاذبة للشباب بوجه خاص، وقد أصبح من المؤكد لدى مدراء صفحات فيس بوك أن الفيديو يحقق مشاهدات أكبر من أي نوع آخر من المنشورات، ويقدم التبويب الجديد معلومات عن عدد المشاهدات لكامل أو لثلاثين ثانية أو أكثر من الفيديوهات على مستوى الصفحة، وأيضاً يمكنك معرفة أكثر الفيديوهات مشاهدة وتفاعلاً خلال فترة محددة. وفي هذه التفاصيل تطور ملحوظ عن الإحصائيات المتاحة سابقاً والتي كانت تعرض مؤشرات رقمية عن كل فيديو بشكل منفصل.

إن الخطر يكمن في المضامين التي تعرضها الأفلام والمنشورات الأخرى، منها على سبيل المثال حاملة للتطرف والكراهية، وأخرى تروّج لاستراتيجيات الإرهاب وثالثة تشجع الشباب على الولوج في ثغرات الانحراف، ومنها من تجعل عقول الشباب في حالة تيه وفقدان شبه تام لليقين، خصوصا مع انطلاق موجات فكرية إلحادية زرت تساؤلات مخيفة في نفوس الشباب، ومربكة لعقولهم، كأن هنالك مخططات تستهدف عقول الشباب، تقف وراءها دوائر مغرضة غامضة من حيث الهدف والمنشأ.

والطامة الكبرى تتجسد في المشكلة التي باتت لا علاج لها، فالشباب جميعا، أو النسبة الأكبر من بينهم، باتت في حالة عدم مصالحة مع واقعها، حيث يحاصرها كل شيء رديء، حتى في البيت لا يجد الشباب ما يبحث عنه، الأب والأم أصبحا من ألد أعداء الأبناء الشباب، في جانب التضييق عليهم ومحاصرة رغباتهم والتشديد عليهم بقائمة ممنوعات ما أنزل الله بها من سلطان، الأمر الذي حدا بالشباب الى اللجوء لعالم آخر أكثر رحمة بهم.

فتلقّفهم الفيس بوك، مرحبا بهم، فاتحا أذرعه لهم، مانحنا لهم أجواء الحرية فيما يريدون ويختارون ويفضلون، حتى صار هذا العالم (الوهم) صديقا لهم، وأكثر رأفة بهم من الأبوين، ومن بيوتهم وغرفهم الخاصة ومن أمكنتهم المعتادة، الخطر يتجسد هنا في هذه الجفوة التي ما فتئت تتوسع بين الواقع والوهم لدى الشباب.

وثمة مشكلة أكبر تتجسد في الخطر الذي تقدمه هذه المواقع التي شكّلت بديلا مكانيا وزمنيا للشباب، فالكراهية والتطرف والألفاظ السوقية والثقافات المسيئة والموجات الفكرية الهابطة، كلها باتت تشكل مصادر خطر مخيفة على الشباب، خاصة أنهم في حالة ظمأ للتعويض عن الخسائر التي يتعرضون لها في واقعهم الفعلي، فلا فرصة عمل مناسبة، ولا أمكنة ترفيهية مناسبة، ولا استيعاب لمواهبهم، ولا اهتمام حكومي أو مدني بهم، كأنهم هبطوا فجأة على هذا العالم من كوكب آخر، فلم يجدوا ما يبحثون عنه إلا في العوالم الافتراضية الوهمية التي توفر لهم ما يرغبون به، لكنها من جانب آخر محملة بأخطار الكراهية والتطرف والإرهاب.

من المؤكد أن لا سبيل أمام الشباب لمغادرة هذا العالم الجديد، بعد أن صار مفروضا عليهم كما هو مفروض على الفئات العمرية الأخرى، نحن نعرف أن حالة التعاطي مع هذه المواقع تختلف من شخص الى آخر، لكن بات من المستحيل على الشاب أن يتقوقع في عالم واقعي وحيد يحاصره بكل ما هو ضال وكئيب ومفسد ومثبط للهمم والقدرات.

هذا يجعل من يهمه الأمر أمام بحث مصيري عن حلول مناسبة، قليلة الضرر، وممكنة التنفيذ، لا تمنع الشباب عن عالمه الافتراضية ولا تطالبه بالانفصال عنه، وفي نفس الوقت على هذه الحلول أن تضع أمام الشباب طرائق مبتكرة لردع موجات الضلال وتسكين العبث وإطفاء الكراهية ونبذ الإلحاد وتوفير الفرص الفكرية العملية ذات الفائدة المضمونة كفرص العمل والتنامي الفكري المضطرد.

هل يمكن أن تضع الجهات ذات العلاقة حلولا كهذه؟ أم أن من يهمهم الأمر سوف يركبون رؤوسهم ويبقون في حالة إصرار ومطالبة مستمرة للشباب بحتمية مغادرة هذه المواقع الاجتماعية كونها تهدد مواهبهم ووجودهم، ولكن الشباب يتساءلون، اذا كان الفيس بوك يحاصرهم بكل هذه المساوئ، ترى ماذا يقدم لهم واقعهم الفعلي؟؟ هذا السؤال يضعه الشباب أمام من يهمه الأمر من المسؤولين والآباء وغيرهم، فهل من مجيب يا تُرى؟؟ الشباب يقولون نحن بانتظار ما تقدمه لنا قرائح الآباء والمسؤولين؟؟!!.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات الكتاب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك