على هامش الأربعين


انقضت أيام زيارة الأربعين، أيام خرج فيها الإنسان عن المألوف من حياته، ورأى خلالها قيم السماء متجسدة على الأرض واقعا، وتلمس المسلم ثمار ارتباطه بالإمام الحسين(ع) بعدما كانت لدى الكثير كلاما يسمعه أو حروفا يقرأها أو يخطّها.

وليس غرضي ذكر أو استقصاء المشاهد والصور لذلك (الكرنفال) العقدي الولائي، الذي وحد قلوب الملايين تحت خيمة الحب الحسيني. فقد تكفلت مقالات كثيرة بهذا الشأن ونقلت بالصوت والصورة والنقش المئات من مشاهد الإخلاص والإيثار والصدق والتضحية وكل مظاهر الجمال الروحي.

في كل عام ينقضي عن أيام زيارة الأربعين وأنا أسأل نفسي عن الآفاق التي تطلعنا إليها ومدى توظيفنا لها للاستفادة منها في مجالات الحياة، فهي – بامتياز- مناسبة مليونية إيمانية أخلاقية إنسانية يندر وجودها في أي مكان في هذه الأرض . فبرغم أهمية هذه الجوانب ومحوريتها ومركزيتها من بين الأغراض والفوائد والثمرات الأخرى، فإن جوانب أخرى يجدر بالنخب المثقفة وأصحاب التخصصات العلمية والفنية أن تستثمرها في هذا التواجد البشري العملاق بكل فعالياته وأنشطته الحياتية للإسهام في تطوير الحياة.

قد يشكو البعض –بحسب قناعته- من ضياع أوقات كثيرة في هذه الزيارة، وتقطيع أوصال الطرق التي تحول دون حرية التنقل، وما شاكل ذلك من أمور يحسبها تقف عائقا في مسير البحوث العلمية وتعمل على تلكؤ العجلة التدريسية أو المهنية أو الوظيفية وغيرها. ولكن هل تنبه الشاكي الى إمكانية استغلال هذه الأيام وتوظيفها خدمة للجانب العلمي والثقافي والبحثي؟ فقد قالوا – وما أبلغ ما قالوا - (لا تلعن الظلام والشموع بين يديك).

ألا يمكن الاستفادة من تواجد النخب القادمة من كل فج عميق، على اختلاف تخصصاتهم ، واتخاذ أيام زيارة الأربعين مادة تثري البحوث والدراسات في مختلف أنواع العلوم والفنون، في ضوء إجراءات يمكن مناقشتها وتطويرها وتشذيبها، نذكر منها:

(أ) تطوير الدور الإعلامي المتطور الذي يبرز فكر أهل البيت ومبادئهم وقضيتهم ودورهم في لمّ شتات الإنسانية وتضحياتهم في سبيل إعلاء كلمة الحق والخير. وما يسهم هذا الجانب من تقارب في وجهات النظر بين الشعوب والثقافات، وتوحيد الكلمة الإنسانية وعولمة القضية الحسينية بأبعادها الدينية والإنسانية والأخلاقية وتوظيفه في تقليل مشاعر الكره بين الشعوب ورفض الآخر وتكفيره، وسد الطرق والذرائع على باذري الحقد وزارعي الكراهية في تجنيد الجهلة والمغرر بهم، لمنع انخراطهم في العمليات الإرهابية والاحتقان الطائفي والتشنجات القومية والعرقية وغيرها. عبر برامج ولقاءات وتقارير مصورة وغيرها من الوسائل الإعلامية.

(ب) الانتفاع من تواجد الكفاءات العلمية القادمة للزيارة، وعمل مؤتمرات ولقاءات وندوات تقام على هامش زيارة الأربعين، بما يحمل كل من هذه الكفاءات والنخب العلمية ما توصل إليه من جديد في ميدان بحثه وتخصصه وما ينفع به المجتمع الإسلامي والإنساني في جميع التخصصات. ويمكن تخصيص الواردات التي تجبيها الدولة من الفيزات (وقد قدرت هذه السنة ب 120 مليون دولار) وتوظيفها في إنجاح هذه المؤتمرات والتجمعات واللقاءات العلمية والأدبية.

(ج) استغلال تجمع وكرنفال الأربعين بنفسه مادةً واستيحاءً لمعاني ومفاهيم ومعلومات جديدة يمكن إضافتها الى سجل العلوم والفنون الإنسانية لتطوير البشرية، من خلال:

● الاستفادة من الكميات الهائلة من الأنقاض والنفايات التي تلقى، لإنشاء معامل لتدوير النفايات. فإن ما يرمى من نفايات في جميع المحافظات التي يمر فيها المشاة وتحيى فيها الزيارة، بما تحتويه من مستويات عالية وغنية بالمواد الغذائية وغيرها، تصلح كأعلاف، وأسمدة ومواد بلاستيكية ومعدنية وغيرها يمكن إعادة تصنيعها وتدويرها، بكميات تسد حاجة المصانع على مدار السنة. بدلا من الحيرة في كيفية التخلص منها، والصعوبات والأموال الطائلة التي تصرف لنقلها وطمرها.

● ولا توجد فرصة لتجمع ملاييني مثل هذه الزيارة لتزويد الزائرين على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم بالمعلومات والثقافات والعادات المفيدة والنافعة عن طريق وسائل النشر المختلفة من أقراص أو كتيبات أو برامج أو مسرحيات، وغير ذلك. بأكثر من لغة.

● يمكن استثمار وجود هذه أعداد الزائرين الهائلة للقيام بعمل منتج، وكلنا يتذكر رواية الإمام (الهادي) مع المتوكل العباسي حين أراد أن يظهر المتوكل أعداد جيشه الوفيرة، فأمر كل جندي من جنوده أن يحمل قبضة من التراب ويرميها في مكان مخصص فتراكمت حتى صارت تلا وقف عليه المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان:

فيمكن استثمار المسير في مجال توليد الطاقة الكهربائية من الطاقة الحركية للمشاة، مثلا.

ويمكن استغلال وجود هذه الأعداد البشرية الهائلة في تحسين الواقع البيئي بالزراعة والإنبات وغيرها ، وهكذا الكلام في بقية الحقول والميادين بما يجود به المتخصصون من أفكار. بدلا من امتلاء الطريق بالمتسولين والمتصيدين للعامة بالأفكار البالية والعقائد والممارسات المستهجنة.

● ويمكن الإفادة من الجانب الصناعي والتجاري في هذه الزيارة. فإن هذه الأعداد المليونية تحتاج في كل سنة الى وسائل الراحة من تبريد وتظليل واستراحة وطعام وشراب وسكن، وكل هذه الأمور لها سوق رائجة في هذه الزيارة وتدر أرباحا جيدة للمستثمر وراحة للمستهلك. وهنا يبرز العقل النخبوي والمبدع في سد هذه الحاجات الإنسانية بطرق وصناعات مبتكرة حديثة ذات كفاءة عالية وكلف منخفضة.

وجلنا يتذكر ما قرأنا عن سوق (عكاظ) في الجاهلية، حين كان العرب يقيمونها في وقت معين من السنة ويحضرها سائر قبائل العرب، مَن بَعُد منهم ومَن قَرُب. وكانوا يغتنمون وقت المواسم واجتماع القبائل فيقيمون مجالس للبحث في كل موضوع، ويعرض كل بضاعته ودعوته وثقافته. فلماذا لا نجعل من كرنفال الأربعين (عكاظا) إسلامية إنسانية.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (عاشوراء)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك