انتهاك حقوق الإنسان لا يحمي الحكم

697 2017-09-12

برغم تراجع منظومة حقوق الانسان في السجال السياسي الدولي، ما تزال الدول تخشى الاتهام بانتهاك حقوق مواطنيها، نظرا لما يمثله ذلك الاتهام من افتراضات ضمنية بضعف النظام السياسي وديكتاتوريته وافتقاده الاخلاق والقيم الانسانية الاساسية.

قبل ربع قرن تقريبا تضافرت جهود النشطاء في هذا المجال ونجحت في تحويل القضية الى شعار دولي وربطه بقيم التقدم والاستقرار والديمقراطية. وبلغت اهمية تلك الحقوق في السياسة الدولية ذروتها بعقد قمة حقوق الانسان في فيينا في العام 1993. وكان من نتائج تلك القمة أمران: الاول اعتبار تلك الحقوق عابرة للحدود، بمعنى ان للدول التعاطي مع انتهاكات تلك الحقوق في اية دولة، وان ذلك لا يعني التدخل في الشؤون الداخلية لها، والثاني إقرار مبدأ وجوب حماية نشطاء حقوق الانسان اينما كانوا، وان استهدافهم من قبل الانظمة القمعية يعتبر جرما.

هذان المبدآن اعتبرا تطورا نوعيا في مجال النضال من اجل الحرية والديمقراطية. فأسوأ ما يخشاه النشطاء تعرضهم للقمع خصوصا التعذيب. ولكن تراجع الغرب سياسيا وامنيا خصوصا بعد حوادث 11 سبتمبر الارهابية دفعه للتراجع عن حماية تلك المبادئ او حتى الالتزام بها. فسرعان ما بدأت الولايات المتحدة نفسها بممارسة التعذيب مع عناصر \"القاعدة\"، واعترف الرئيس الاسبق، جورج بوش، بانه أقر ممارسة \"الايهام بالغرق\". مع ذلك ما تزال منظومة حقوق الانسان تحظى بقدر من الاهتمام على الصعيد الدولي، وما تزال جلسات مجلس حقوق الانسان في جنيف تعقد بانتظام وان كانت قد تحولت الى مجلس للخطابة يفتقد القدرة على تنفيذ القرارات التي يقرها اعضاؤه. ولعل الجانب الذي لا يقل اهمية تراجع مصداقية المجلس بعد ان اصبحت دول معروفة بانتهاكاتها الفظيعة لتلك الحقوق اعضاء مؤثرين في سياساته وقراراته. فالسعودية والبحرين المعروفتان بانتهاكاتهما الفظيعة لحقوق مواطنيهما اصبحتا قادرتين على التأثير على قراراته بشراء اصوات بعض الدول الـ 47 الاعضاء بذلك المجلس.

في الاسبوع الماضي اصدرت منظمة العفو الدولية تقريرا مهما حول اوضاع حقوق الانسان في البحرين بعنوان: \"لا أحد يستطيع حمايتكم: عام من قمع المعارضة في البحرين\". تعرض التقرير لتردي اوضاع تلك الحقوق خلال اثني عشر شهرا بعد يونيو 2016. ويعتبر التقرير الذي حظي باهتمام اعلامي واسع، وثيقة دامغة لحكومة البحرين التي تواجه احتجاجات سياسية متواصلة منذ اندلاع ثورة 14 فبراير في العام 2011. فهو يوثق بالاسماء والارقام حالات كثيرة من الاعتقال التعسفي والتعذيب وسحب الجنسية والاضطهاد على خلفيات سياسية ومذهبية، واستهداف نشطاء حقوق الانسان ومصادرة الحريات وغلق اهم جمعيتين سياسيتين. التقرير كان ايضا شهادة دولية على تورط حكومتي الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا بدعم حكومة البحرين، والتغاضي عما تمارسه من انتهاكات.

وبرغم ان منظمات عديدة أشارت الى الدورين الامريكي والبريطاني خصوصا في مجال الدفاع عن حكومة البحرين في المحافل الدولية خصوصا كمجلس حقوق الانسان، الا انها المرة الاولى التي يوجه الانتقاد فيها بشكل واضح ومباشر للبلدين القادرين على التأثير على سياسات حكومة ذلك البلد الخليجي الصغير. وبرغم شمول التقرير مساحات واسعة من مجالات الاهتمام والقلق الا ان نشطاء حقوق الانسان البحرانيين يقولون ان الانتهاكات اوسع كثيرا مما جاء في التقرير. فمثلا يذكر التقرير ان عدد الذين استطاعت المنظمة توثيق اعتقالهم في الفترة المذكورة بلغ 169 شخصا، بينما العدد الحقيقي يتجاوز 400 شخص. وبينما ذكر التقرير ان عدد الذين اسقطت جنسيتهم اكثر من 80 شخصا فان مجموع من اسقطت جنسيتهم تجاوز 420 شخصا.

مشكلة التقرير انه حصر فترة تغطيته بعام واحد، بينما كان الاجدر مراجعة ملف حقوق الانسان منذ بدء الاحتجاجات في شهر فبراير 2011. هذا الحصر ساهم في التخفيف من حجم الكارثة الانسانية التي تعصف بالبحرين والتي بدأت منذ اجتياح القوات السعودية اراضي البحرين في منتصف مارس 2011. ذلك الاجتياح وفر دعما عسكريا وامنيا ونفسيا لحكومة كانت تترنح امام الاحتجاجات السلمية الواسعة التي اجتاحت البلاد على مدى شهر كامل قبل دخول القوات السعودية. هذا الحصر يشبه ما فعلته \"اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق\" التي ترأسها شريف بسيوني في ذلك العام، والتي حصرت عملها بشهرين فحسب ما بين 14 فبراير و15 ابريل 2011. فظهر وكأن القمع كان محصورا بتلك الفترة، بينما كان اظهار الحقيقة يقتضي توسيع التحقيق ليشمل الحقبة التي سبقت اندلاع الاحتجاجات والسنوات الست اللاحقة.

ويكفي الاشارة الى ان ما حدث في شهري اغسطس وسبتمبر 2010 اي قبل ستة شهور من ثورة 14 فبراير من القمع لا يقل شراسة عما حدث لاحقا. يومها لم يكن هناك ثورة او احتجاجات وكان العمل المعارض محصورا بتصريحات وندوات محدودة. ولذلك جاء تقرير بسيوني مبتورا لأنه تجاهل حقبة سوداء طويلة امتدت بضع سنوات. ويمكن القول ان كلا من تقرير بسيوني وتقرير منظمة العفو الدولية الاخير يقدمان \"عينة\" تاريخية من سياسات القمع التي ينهجها نظام الحكم في البحرين.

وبمقارنة هاتين العينتين تبرز حقيقة مقلقة جدا تؤكد ان سياسات القمع لم تتصاعد فحسب بل اصبحت ممنهجة بشكل اكبر، وتمارس على نطاق اوسع وباساليب اكثر تعقيدا. فسياسات القمع لا تسعى للسيطرة على وضع محدد او اخضاع مخالفي القانون لطائلة ذلك القانون، بل لـ \"سحق المعارضة\" حسب توصيف منظمة العفو الدولية. وهذا الوصف دقيق وينسجم مع الوصف الذي قدمه المفوض السامي لحقوق الانسان، زيد بن رعد الحسين، لدى افتتاحه الدورة الثانية والثلاثين لمجلس حقوق الانسان ووصف معاملة العائلة الخليفية للشعب بانها \"اضطهاد\".

ثمة فرق شاسع بين الحفاظ على الامن واضطهاد الشعب. فالاضطهاد والتنكيل والقمع وسائل لسلب الامن من الموطنين، والامن اهم ما يحتاجه الانسان ايا كانت بلده. هذا الامن لا يتوفر الا بتوفر المناخ السياسي الملائم الذي يبعث على الطمأنينة، ويشعر الانسان بقيمته ودوره في ادارة شؤون بلده. ولا يستطيع نظام ان يحقق الامن ما لم يشعر المواطنون بالامان. هذه حقيقة لا يدركها الحكام المستبدون الذين بلغوا مستوى الطغيان. ونظام الحكم هو المسؤول عن توفير الامن للمواطنين ليس في شكله الظاهر فحسب بل في ما يتطلبه ذلك الامن من مناخات سياسية هادئة.

وحفظ الامن عادة لا يستدعي في الانظمة المتحضرة القمع او الاضطهاد او التنكيل او اية ممارسة حاطة بالكرامة الانسانية. انه شعور ذاتي عميق بالرضا عن المحيط الذي يعيش المرء في كنفه، والاوضاع السياسية والاقتصادية المحيطة بحياته اليومية. والتمرد السياسي تعبير عن الاحباط واليأس، يمارسه ذوو الضمائر الحية التي لا ترضى بالذل ولا تستكين للقمع والاضطهاد. فحقوق الاحتجاج والتجمع والتعبير يجب ان تكون مكفولة لكل مواطن، ولا يحق لاحد منعه من التمتع بها. وحين يستغل الحاكم سلطات الحكم التي لديه ليفتك بمعارضيه ويخنق اصواتهم ويحرمهم من ممارسة حقهم الطبيعي في التعبير والتجمع والانتماء، فانه يتحول الى ديكتاتور شرس يصادر الحريات ويعامل المواطنين كقطيع من البهائم التي لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا. في عالم تكتنفه التوجهات الفكرية والايديولوجية المختلفة، فان الثراء الفكري والسياسي والثقافي يقتضي السماح بكل ذلك وفتح الفضاءات التي تتيح سجالا متحضرا للجميع، وتمنع محاصرة الفكر او احتكار الموقف او استغلال السلطة للقمع والاضطهاد.

حكومة البحرين كانت قادرة على تفادي ما حدث خلال الثمانين شهرا الاخيرة. كان بإمكان ملكها قبل خمسة عشر عاما ان يكسب ثقة المواطنين بالاستماع لشكاواهم ومطالبهم خصوصا اعادة العمل بالدستور التعاقدي الذي توافق الشعب والعائلة الحاكمة بشأنه في 1973، ولكنه لم يفعل ذلك واكتفى بالوعود الفارغة التي عمقت مشاعر التمرد لدى المواطنين خصوصا مع تردي الاوضاع الاقتصادية من جهة وهيمنة \"الشقيقة الكبرى\" على البلاد بتمويل حكامها وارسال القوات المسلحة عبر الجسر الذي يربط بين البلدين لقمع ثورة شعبها.

انها اخطاء متراكمة ادت الى قطيعة كاملة بين المواطنين وجهاز الحكم، ودفعت السلطات لممارسات بشعة ادت الى موت البعض تحت مباضع الجلادين او بالرصاص الحي في الشوارع او بالاستعانة بالقوات الاجنبية للتغلب على شعب البحرين. كما دفعتها للهروب الى الامام بالتحول الى ذيل لـ \"الشقيقة الكبرى\"، فتورطت في العدوان على اليمن الذي أصبح يمثل ازمة حقيقية للسعودية والامارات على وجه الخصوص. وانساقت مع الرغبة الاماراتية والسعودية باستهداف دولة قطر التي كانت الوحيدة من بين دول مجلس التعاون التي سعت للتوسط لحل الازمة فور اندلاعها في 2011.

ويؤكد تقرير منظمة العفو الدولية فشلا سياسيا مروعا ومدعوما من جهات اجنبية خاطبتها المنظمة بالتوقف عن دعم نظام غير قادر على الاحتفاظ بسيادته الوطنية او توفير المال والوظيفة والسكن للمواطنين العاديين. التقرير وثيقة تاريخية تدين حكومة البحرين وداعميها في الرياض وواشنطن ولندن، ويؤكد ان القمع لا يحل الازمات، وان النظام السياسي المستقر لا يقمع شعبه ولا يتورط بجرائم ضد الانسانية.

٭ كاتب بحريني-صحيفة القدس العربي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك