عادات الشعوب وتقاليدها.. طقوس غرائبية وقوانين ساحرة


تختلف العادات والتقاليد من دولة لأخرى، باختلاف الأعراف والحضارات والديانات وغيرها من الأمور الأخرى، فهناك وكما يقول بعض الخبراء عادات وتقاليد خاصة لبعض الأفراد والقبائل والدول، بعض تلك التقاليد والعادات قد تكون غريبة وغير مقبولة خصوصا في وقتنا الحاضر الذي شهد الكثير من التغيرات المهمة وبمختلف المجالات العلمية والثقافية والاجتماعية، وبعض العادات والتقاليد تعد جزء مهم وقانون وأساسي في بعض الدول والمجتمعات، يجب على جميع الأفراد الالتزام بها وعدم تجاوزها، لكونها ترتبط بعبادات وطقوس وسلوكيات معينة.

العادات والتقاليد الاجتماعية وكما تشير بعض المصادر، هي أنماط سلوكية تخص جماعة ما، حيث تتعلمها شفهياً من الجماعة السابقة مثل تقليد أو احتفال بعيد معين. قد تصبح بعض العادات في مجتمع معين جزءاً من القانون الرسمي، أو تؤثر على الدستور مثل عادة الجهة التي يجب على المركبات أن تسير عليها من الشارع. لا تكون العادات مكتوبة غالباً. والفرق بين العادات والتقاليد أن التقاليد تنشأ من تقليد جيل لجيل سبقه في شتى المجالات، أما العادات فلا يشترط. وتؤدي العادات والتقاليد وظيفة اجتماعية إذ أنها تقوّي الروابط الاجتماعية والوحدة وتحيي المناسبات والأعياد أو الفولكلور. وقد تكون العادات والتقاليد ضارة بالمجتمع مثل وأد البنات أو الذهاب للعرافين والمنجمين وغيرها من الأمور الأخرى.

بيوت دون أبواب

وفيما يخص بعض تلك العادات والتقاليد الخاصة المنتشرة في العديد من الدول، فلا يتوانى أفراد من عائلة غادي عن الكشف عن حفنة من الأموال المخبأة في علبة غير مقفلة في غرفة النوم في منزل غير مزود بباب أمامي. فما من حاجة إلى وضع هذه الأبواب الوقائية في منازل سكان بلدة شاني شيغنابور (غرب الهند) الذين يعتقدون أن الإله الهندوسي شاني يوفر لهم الحماية اللازمة. ويركب المزارعون عربات تجرها ثيران محملة بقصب السكر ويمرون أمام بيوت لا أبواب لها بموجب تقليد يعود إلى أجيال غابرة.

وقالت ربة المنزل جاياشري غادي إن "الإله شاني تراءى في الحلم لمؤمنين قبل سنوات وأكد لهم أنه لا داعي لتزويد المنازل بأبواب. وهو قال لهم أنا سأتولى حمايتكم، فلا حاجة إلى أبواب". وبحسب الرواية، راح الدم يسيل من كتلة من الطين والحديد غسلت في النهر المجاور خلال فيضانات وقعت قبل 300 سنة عندما وضع الرعاة خشبة فيها.

وكشف في رؤية لأحد أبناء البلدة أن هذه الكتلة تابعة للإله شاني وهي قد وضعت اليوم في ساحة عامة وزينت بأكاليل ورد وهي تستقطب الحجاج. ووفقا للمعتقدات الهندوسية، إن شاني إله زحل هو جد قوي بحيث ينبغي ألا يوضع مزاره في مكان مسقوف وهو لن يدع اللصوص الذين يحاولون سرقة المنازل المفتوحة في البلدة يفلتون من العقاب. وقال بالاساحب بورود الذي يعمل في طاحونة إن "قدرات شاني هائلة، فإذا قام أحد بالسرقة، فهو سيمشي كل الليل ويظن أنه غادر البلدة لكنه سيكتشف في الصباح أنه لا يزال فيها".

ويتباهى الفرع المحلي للمصرف المملوك من الدولة "يو سي أو بانك" بتخليه عن الأبواب. وتوضع الأموال في خزنة وتتمتع واجهة المبنى الأمامية بباب زجاجي من دون قفل لإبعاد الكلاب الشاردة. وعندما سئل عما إذا كان هذا التدبير يناسب المصرف، قال ناجندر سهراوات المسؤول فيه "لا نواجه أي مشكلة"، مشيرا بيده إلى الصف الطويل الذي ينتظر فيه الزبائن دورهم.

ويعيش في هذه البلدة الواقعة في لاية ماهاراشترا نحو 5 آلاف نسمة. وهي قد اشتهرت بعد ظهورها في فيلم هندوسي عن الإله شاني في التسعينيات. وقال سايارام بانكار أحد القيمين على المزار إن "العالم برمته بات يعرف بوجود بلدة اسمها شاني شيغنابور فيها بيوت من دون أبواب وأشجار من دون ظلال وآلهة من دون معابد". وأضاف أن "الحجاج من أنحاء الهند جميعها يتوافدون إلى هذه البلدة غير العادية".

لكن سمعة البلدة قد شوهت خلال السنوات الأخيرة من جراء حالات إبلاغ بعمليات سرقة. ففي العام 2010، اشتكى زائر من شمال الهند من سرقة أموال ومقتيات قيمتها 35 ألف روبية (553 دولارا) من سيارته. وأكد القيم على المزار من جهته أن حوادث السرقة لم تحدث إلا خارج البلدة. ولا تقنع هذه الرواية جميع سكان البلاد. بحسب فرانس برس.

وصرح نارندرا ناياك الذي المتخصص في دحض الخرافات وكشف أمر المشعوذين النصابين "ألفت هذه الرواية من دون شك لاستقطاب الزوار إلى بلدة تقع في أقاصي البلاد لا يقصدها أحد". وبحسب المناشير التي توزع في المزار، ليست شاني شيغنابور خالية من السرقات فحسب، بل من جميع التصرفات الأثيمة وهي "بلدة مثالية" خلافا للعالم الخارجي الفاسد.

قتل الساحرات

من جانب اخر وعندما التهمت ضبعة طفلا في احدى بلدات تنزانيا اقدم السكان على قتل اربع نساء مسنات اتهمن بإلقاء السحر على الحيوان.. وعمليات رجم المتهمات بالسحر ليست نادرة في هذا البلد بسبب معتقدات باطلة ودوافع جرمية احيانا. وتروي صوفيا شادراك ابنة احدى الضحايا في بلدتها الصغيرة في منطقة موانزا في شمال تنزانيا "لقد تم تقطيعهن بالسواطير. ومن ثم استعانوا بخشب وفرش لاحراقهن كما يشوى السمك او اللحم".

وقد سجل ناشطون 765 عملية قتل لساحرات مفترضات في العام 2013 لكنهم يعتبرون ان الرقم قد يكون اكثر بكثير. ويوضح بول ميكونغوتي من "مركز القانون وحقوق الانسان" وهو منظمة غير حكومية "هذا العدد الهائل من الضحايا لا يشمل الا الحالات المبلغ عنها. ثمة حالات كثيرة ولا يمكننا ان نحصي العدد المحدد". وتتمثل المسيحية والاسلام والديانات التقليدية بشكل متساو تقريبا بين سكان تنزانيا البالغ عدد سكانهم 49 مليونا. الا ان 93 % من التنزانيين يؤمنون بالسحر على ما اظهرت دراسة لمركز الابحاث "بيو" في العام 2010 وهي النسبة الاعلى من بين 19 بلدا تمت دراستها.

وقررت الحكومة حل مشكلة قتل الالبينوس الذين يطاردهم السحرة للحصول على اعضائهم اذ تفيد المعتقدات انها تتمتع بمزايا سحرية، واعدة بوقف المشعوذين وصانعي التعويذات والرقيات. الا انها لا تهتم على ما يبدو لمئات عمليات القتل التي تقع ضحيتها سنويا نساء مسنات متهمات بانهم مشعوذات. ويكفي ان تكون عينا المرأة محمرتين وهو امر شائع في صفوف النساء المسنات في الارياف التنزانية بعد سنوات وهن يطهون على الفحم، لتتهم بالشعوذة. وكل نكسة من مرض وخيبة عاطفية او مهنية تنسب الى سوء الطالع.

وفي حين يلجأ الكثير من التنزانيين الى خدمات المعالجين التقلديين، تحذر هانا ميازويا وهي معالجة وساحرة معلنة، التي تعتمر الريش وتضع اللالئ، من المحتالين والمشعوذين الذين ينسبون كل ما هو سلبي الى القدر السيء والرقية المؤذية. وتوضح "اذا قلت للمريض ان احدا قد سحره يؤدي الامر الى نزاع بين الاثنين وعندها ترتكب عمليات القتل". لكن الى جانب هذه المعتقدات، فان خلافات بسيطة او الطمع تكون احيانا دافعا للكثير من جرائم قتل "ساحرات" مفترضات.

وكما بالنسبة لوالدة صوفيا شادراك فان هؤلاء "الساحرات" هن نساء مسنات ضعيفات ومهمشات ويملكن احيانا ممتلكات يريد اقاربهن الاستحواذ عليها بعد التبليغ عنهن. فالقانون التنزاني يضمن الحقوق نفسها للرجال والنساء في الارث. ويقول فلافيان بيفانديمو من "هيلب ايدج" المنظمة غير الحكومية المدافعة عن المسنين "تقليدا يحب الرجال السيطرة (..) لكن عندما تبدي المرأة بعض التمرد يعتبرون ان الطريقة الوحيدة للحصول على بعض الممتلكات أكانت ابقار او مزرعة هو بالقول ان هذه المرأة ساحرة". ويضيف "هذا يبرر قتلها ويستولي الرجل اوتوماتيكيا على الملك. هذا بكل بساطة".

وقبل خمس سنوات هوجمت مايدج بينغي في بلدتها الصغيرة ماغو من قبل رجال مسلحين بسواطير بعدما اتهموها بقتل والديها بعدما سحرتهما. وتروي "كانوا يسعون الى الاستحواذ على ابقاري والمراعي التي املكها" مشيرة الى انها لو كانت ساحرة لكانت حمت نفسها. وتقول هذه المرأة الخمسينية التي يحمل وجهها اثار الهجوم العنيف عليها انها لا تزال ترى المعتدين عليها يتنقلون بحرية في بلدتها. اما هي في المقابل فباتت عاجزة عن العمل في حقلها بسبب الاصابات التي خلفها الهجوم. بحسب فرانس برس.

وبدورهم يخشى اطفال الضحايا بان ينبذوا ايضا او يتحولوا بدورهم الى اهداف من قبل مهاجمي اهلهم. وتؤكد صوفيا شادراك التي تمر امام بقايا منزل والدتها المتفحم للوصول الى قبرها "انا اخشى ان اتقدم في السن. فانا لا اعرف ما يفكر الذين اقدموا على قتل والدتي، بي شخصيا. فربما يقدمون على قتلي ايضا".

تشويه الأعضاء التناسلية

على صعيد متصل تستمر بعض القبائل الأصلية في كولومبيا في تشويه الأعضاء التناسيلة للنساء، بالرغم من الالتزام بوضع حد لهذه الممارسات، بحسب ما أكدت الأمم المتحدة. وشدد صندوق الأمم المتحدة للسكان في بيان على "ضرورة تكريس مزيد من الجهود للقضاء على هذه الممارسات في كولومبيا، علما أنها البلد الوحيد في منطقة أميركا اللاتينية والكاريبي حيث لا تزال هذه العادات سائدة". بحسب فرانس برس.

وتقضي التقاليد باستئصال جزئيا الأعضاء التناسلية للفتيات عند ولادتهن، ما يؤدي إلى عدة أمراض عند النساء واضطرابات في الجهاز البولي ومشاكل نفسية. وهي تمارس خصوصا في قبيلة إمبيرا التي تضم نحو 250 ألف فرد في شمال غرب البلاد. واكتشفت عمليات التشويه هذه سنة 2007 إثر وفاة عدة فتيات. ومنذ ذاك الحين، تتعاون السلطات مع الأمم المتحدة للقضاء عليها. وقد تخلت بعض القبائل عن هذه الممارسات في بلد يضم 102 قبيلة أصلية.

أسواق الحب

من جانب اخر توارث سكان البلدات الجبلية المعزولة في فيتنام عادات من نوع خاص تعرف ب"سوق الحب" للعثور على شريك أو شريكة الحياة، وهو تقليد بات يضمحل شيئا فشيا في ظل توافد السياح وانفتاح المنطقة على الحداثة. ويمضي شباب من أقليات إثنية متعددة تعيش في شمال البلاد منذ أجيال ليالي السبت في مدينة سابا، وهم يرقصون ويعزفون على الآلات الموسيقية بحثا عن حب حياتهم.

ويقول عازف الموسيقى التقليدية جانغ إيه فانغ البالغ من العمر 50 عاما أن "الأمسيات كانت جد مرحة وكنت أريد أن ألتقي بشابات ظريفات". ومن الأمسية الأولى قبل 30 عاما، لفتت فانغ تي كزو نظره. وبادلته الشابة المشاعر وبات الحبيبان يلتقيان في "سوق الحب" حيث كان يعزف على الكمان وهي تخرج بواسطة ورقة بين الشفتين أنغاما تقليدية تشتهر بها إثنية همونغ. وهما لا يزالان متزوجين بعد 30 عاما على أول لقاء لهما. ويقول فانغ "أنا جد محظوظ لأنني التقيت بها في السوق وهي أيضا سعيدة الحظ".

لكن خلال السنوات الأخيرة، باتت مدينة سابا المعروفة بمزارع الأرز الشاسعة تستقطب السياح من داخل البلاد وخارجها، بالرغم من المسافات الطويلة التي ينبغي قطعها للوصول إليها. فسنة 2013 زار نحو 1,2 مليون شخص منطقة لاو ساي التي تعد سابا أبرز معالمها، في مقابل 360 ألف قبل 10 سنوات، بحسب الأرقام الرسمية. وقد ساهمت السياحة في تعزيز النمو الاقتصادي في المنطقة، غير أنها أثرت سلبا على التقاليد المحلية، على حد قول فانغ تي كزو.

وقالت الزوجة: "تكتسي سوق الحب أهمية خاصة بالنسبة إلي لأنني وجدت فيها زوجا صالحا ... لكن زائري السوق يعزفون اليوم على الآلات الموسيقية لمجرد الترفيه عن أنفسهم أو من أجل السياح أو لكسب المال. ونحن نخسر جزءا من ثقافتنا". ولفت زوجها إلى أن الشباب اليوم باتوا أقل انعزالا ولم يعودوا بحاجة إلى هذه السوق أو إلى الزيجات المدبرة التي هي أيضا من التقاليد الشائعة في المنطقة.

وليست السياحة المسؤولة الوحيدة عن اضمحلال هذه التقاليد، فللتكنولوجيا دور أيضا، بحسب لي تي مي (54 عاما) التي تعرفت على زوجها أيضا في سوق الحب. وتقول لي المنتمية إلى أقلية همونغ إن "الشاب كان في ما مضى يصفر أمام منزل الفتاة، فتخرج وتصفر بالورقة للإعراب عن اهتمامها". وتضيف أن "المسألة باتت أسهل اليوم" مع الهواتف الخلوية. لكن السياحة ليست بالظاهرة الجديدة في المنطقة. فسابا كانت مدينة استجمام خلال الاستعمار الفرنسي. بحسب فرانس برس.

ويقول كريس كارنوفاله من جامعة كابيلانو الكندية الذي يساعد الجماعات المحلية على استقبال السياح في منازلهم إن "السياحة تنتشر في المنطقة منذ مئة عام ... وليس من الصائب اعتبارها مسؤولة عن تغيير ثقافات الأقليات الإثنية". لكن أسواق الحب الأصيلة البعيدة عن جذب السياح ما زالت تنظم، بحسب كارنوفاله الذي يرفض الكشف عن مواقع إقامتها، وما زالت مقصدا لشباب يريدون العثور على الشريك، كما فعل ذووهم قبل عقود.

قتل الحيوانات والطيور

في السياق ذاته حمل المتدينون الهندوس في نيبال السيوف وبدأوا يذبحون الاف الاضاحي من الحيوانات والطيور في طقس ديني متجاهلين نداءات النشطاء المدافعين عن حقوق الحيوان الذين يقولون ان عمليات الذبح هذه من بين الأكبر في العالم. وثمانون في المئة من سكان نيبال وعددهم 27 مليونا هندوس لكن خلافا للهندوس في الهند فانهم يكثرون من ذبح الحيوانات كأضاحي استرضاء للآلهة خلال الاحتفالات.

وقال يوجيندرا دولال مساعد حاكم مقاطعة بارا التي يوجد بها المعبد الهندوسي "هذا طقس مرتبط بايمان الناس لا نستطيع ان نؤذي مشاعرهم ونفرض حظرا على هذه الشعائر." وتدفق عشرات الالاف للمشاركة في الاحتفال الذي يجري كل خمسة اعوام في معبد جاندهيماي قرب حدود الهند. وقالت جماعة هيومن سوسايتي انترناشونال ان نحو 500 الف حيوان يذبح في هذا الاحتفال اذ يعتقد البوذيون المتدينون ان تلك الاضاحي هي قرابين لآلهة القوة الهندوسية وتجلب لهم الحظ والرخاء. بحسب رويترز.

ويبدأ هذا الطقس في الفجر بذبح خمسة رؤوس من الطيور والحيوانات هي فأر وجدي وديك رومي وخنزير وحمامة. وفي ساحة حظيرة مفتوحة كان يوجد أكثر من 5000 جاموسة استعدادا لذبحها. وقال مسؤولون في المعبد إن الافا من الماعز والدجاج ستذبح خلال الاحتفال.

العلاجات التقليدية

من جهة أخرى لجأت شي ايسا الى معالجها المشعوذ بسبب شعورها بالتعب الشديد، فما كان من الاخير الا ان وصف لها علاجا ماليزيا قديما مثيرا للجدل يعرف بـ" لعبة الاميرة" تنظر اليه سلطات هذا البلد المسلم بريبة لكنه يلقى رواجا متجددا في الوقت الراهن. ولتخطي المها، اضطرت شي ايسا خصوصا الى التعارك مع رجلين وتلقي بعض الضربات وحتى الصفعات من معالجها المشعوذ، قبل اداء اغنية باللغة الماليزية والرقص امام حوالى خمسين شخصا من ابناء قريتها.

وقد شخص هذا المعالج المشعوذ لدى مريضته وجود اضطراب من عالم ما وراء الطبيعة اثر على صحتها الروحية والعاطفية لدرجة جعلها طريحة الفراش على مدى عشرة ايام. لكن بعد هذا العلاج الذي سمي بـ"لعبة الاميرة"، تشعر شي ايسا بـ"نشاط متجدد". وتعتبر "لعبة الاميرة" التي اكتشفت بداية في ولاية كيمانتان في اقصى شمال شرق ماليزيا على تخوم تايلاند، علاجا قائما على الاستعراض مستوحى من التقاليد الثقافية المحلية ومن شخصيات اسطورية، وذلك بهدف "اعلاء روح المرضى".

وخفت وهج هذا التقليد لفترة من الزمن بسبب اعتبار سلطات هذا البلد الواقع في جنوب شرق اسيا والذي يدين اكثرية سكانه بالاسلام ان هذه الممارسات لا تعدو كونها مخلفات وثنية من زمن ما قبل الاسلام. لكن عددا كبيرا من الاشخاص المنتمين الى قومية الملايو التي تمثل اكثرية سكان البلاد يعتبرون "لعبة الاميرة" جزءا من ارثهم الذي تزداد الحاجة اليه في عالمنا الحالي، وبالتالي يحاولون اعادة احياء هذه التقاليد.

وهذا التقليد يستند الى معتقدات بأن الاكتئاب والتعب المزمن ومشاكل عاطفية او نفسية اخرى مردها الى اضطرابات في القوى الموجودة في عالم ما وراء الطبيعة. وقال المعالج المشعوذ زايلاني شي موه (48 عاما) بعد العلاج الذي اخضع شي ايسا اليه "قمنا مجددا بإعلاء روحها. انها تشبه قائدا او زعيم قبيلة سريع الانفعال".

ويعود اصل تسمية "لعبة الاميرة" على الارجح الى اميرة كيلانتان الاسطورية بوتيري سادونغ التي عاشت في القرن السابع عشر واصيبت بالجنون بسبب خيانة زوجها لها. ويروى ان روحها لا تزال تحرس منطقة كيلانتان وغالبا ما يؤتى على ذكرها على انها افضل مريضة تمت معالجتها بسبب اضطراباتها العاطفية. لكن مع تصاعد نفوذ الاسلام المحافظ على مر التاريخ في ماليزيا، اصدرت السلطات الدينية مراسيم تمنع عددا كبيرا من الممارسات الوثنية. حتى ان ولاية كيلانتان ذهبت ابعد مع وصول حزب اسلامي الى الحكم سنة 1990، مانعا بعض التقاليد من بينها "لعبة الاميرة".

واشار ايدين خو مؤسس جمعية بوساكا غير الحكومية الناشطة في مجال حماية الفنون التقليدية الماليزية، الى ان منع بعض التقاليد القديمة ادى الى حال من "الصدمة" في البلاد. مع ذلك، كان لهذا المنع اثر معاكس اذ ادى الى زيادة الحماسة الشعبية تجاه "لعبة الاميرة" التي عادت ترتدي شعبية كبيرة في قرى كيلانتان. بحسب فرانس برس.

وللمفارقة، غالبية الاشخاص الساعين الى شفاء روحي عن طريق ممارسات مثل "لعبة الاميرة" هم من النساء المسلمات اللواتي فقدن نفوذهن بسبب التشدد في تطبيق التعاليم الدينية. وبعد عقود من الضغوط الممارسة من جانب السلطات الماليزية، تراجع عدد المعالجين المشعوذين بنسبة كبيرة. الا ان جمعية بوساكا غير الحكومية تساعد على تدريب جيل جديد من هؤلاء للابقاء على صلة الوصل بين الماليزيين وتقاليدهم.

الاشباح في تايلاند

في السياق ذاته فمن المراسم البوذية لطرد الاشباح من المصانع والمطارات الى "مساكن الارواح" المخصصة لحماية ناطحات السحاب في بانكوك، تشهد الحياة العصرية في تايلاند اجتياحا للخرافات... الا ان البعض ينتفضون في وجه تقاليد يعتبرونها بالية. وقد اثار شاب تايلاندي اخيرا فضيحة عبر نشره على موقع "فيسبوك" صورة تظهره يدوس مجسمات لحمير وحشية من الجص موضوعة لحماية سائقي المركبات من الاشباح على الطريق السريع المعروف بـ"منعطف الاموات المئة" والذي يسجل حركة مرور كثيفة في بانكوك.

وأوضح هذا الموظف الحكومي "اردت القضاء عليها تماما، لكن ثمة كاميرات مراقبة. وأخشى ان يكون المجتمع غير مستعد لقبول ذلك". وخلال لقاء معه في احد المقاهي، طلب هذا الشاب ابقاء هويته طي الكتمان بعد الاتهامات الكثيرة الموجهة اليه بتدنيس المقدسات على صفحته على فيسبوك التي تضم اكثر من 200 الف مستخدم للانترنت وتجمع بطريقة ساخرة حكايا الاشباح التي تنشرها الصحف المحلية.

وفي الوقت الذي تعج السينما التايلاندية بالاف الانتاجات المتعلقة بالاشباح، يسخر بعض الاعمال من هذه المعتقدات، كماهي الحال مع فيلم "بي ماك" الذي حقق ايرادات قياسية في شباك التذاكر في تايلاند وقصته مقتبسة من "رواية حقيقية" رافقت التايلانديين منذ طفولتهم مفادها ان ماك العائد من الحرب يستعيد حياته الزوجية مع شبح زوجته ناك التي توفيت خلال خضوعها لعملية توليد في غيابه.

لكن في المجمل، ليس الاعتقاد بوجود الاشباح بالأمر المستغرب، حتى في اوساط الطبقة المتعلمة في بانكوك، حيث ليس من النادر رؤية موظفين في المكاتب ينحنون امام "مسكن الارواح" في المباني الزجاجية. كما ان قلة من التايلانديين لا يقيمون في منازلهم هذا المعبد الصغير الذي من شأنه، بحسب المعتقدات المحلية، حماية الاسر من الارواح الشريرة.

وفي هذا المجتمع المتطير لدرجة كبيرة والذي يمنع فيه وجود "الطابق 13" في المباني ويلجأ سياسيوه الى علم الارقام او الى نصائح العرافات، تحتل الاشباح مكانة كبيرة في يوميات التايلانديين. وفي هذا الاطار، تدفع الثكنات العسكرية والمصانع والمطارات لرهبان بوذيين سنويا من اجل احياء مراسم من شأنها حماية المكان من الارواح الشريرة. ومرد هذه المعتقدات تأثيرات مختلفة، بعضها مرتبط بالموروثات الشعبية من مذهب الارواحية واخرى بالميثولوجيا البوذية او الهندوسية.

وعند "منعطف الاموات المئة"، ازيلت اخيرا مجسمات الحمير الوحشية التي كان مجهولون نشروها بالعشرات، وذلك خلال مراسم بوذية تصدرت عناوين الصحف المحلية. وتم نقلها الى معبد ريفي. وقال سوبيت كرايماك المكلف صيانة المساحات الخضراء لحساب البلدية "في البداية، كان الموظفون البلديون قلقين جدا. لكن بعد اناشيد الرهبان، شعروا بالارتياح في قيامهم بعملهم".

ويندد مؤسس الصفحة الساخرة من ثقافة الاشباح في تايلاند على موقع "فيسبوك" التي تعكس اراء اقلية في المجتمع لكن تلقى رواجا متزايدا لدى الشبان بهذه المعتقدات باعتبارها "من العوامل التي تعيق تقدم البلاد". وبالفعل، فإن تايلاند تسجل معدلات هي من الاعلى في العالم للوفيات على الطرقات، خصوصا بسبب ميل السكان الى اعطاء تفسيرات سحرية اكثر منها منطقية، كاللجوء الى تعويذات او دق اوشام بدل اعتمار خوذة خلال ركوب الدراجات.

ولا تفلت الشاشة الصغيرة من هذه الظاهرة، كما الحال مع البرنامج الاسبوعي "البشر يتحدون الاشباح" الذي يمزج الزيارات على نور الشمع الى منازل مسكونة بالاشباح وجلسات حوارية مع شهود. ويروي مقدم البرنامج قصة طفلة في الثانية من عمرها تمكنت من البقاء حية لثلاثة ايام الى جانب جثة والدتها. ويسأل المقدم "من حضر لك الحليب؟" لتجيبه الطفلة بأنها مقتنعة، كما البالغين، بأن شبح والدتها هو الذي اعتنى بها. بحسب فرانس برس.

وأوضح احد مقدمي البرنامج اسمه كابول ثونغبلاب انه "في سائر انحاء البلاد، يفكر الناس في ما يحصل بعد الموت. الاحياء يختلقون هذه المعتقدات حبا باقربائهم المتوفين". ويقدم هذا "الخبير في الاشباح" ايضا برنامجا اذاعيا رائجا في تايلاند يفتح اثيره كل ليلة للمستمعين لينقلوا خبراتهم مع الاشباح. واعتبر كابول ان الاعتقاد بوجود اشباح شريرة له منفعة اجتماعية اذ انه "يردع الناس عن ارتكاب السوء". وفي تايلاند كما في الصين وبلدان اخرى في جنوب شرق اسيا، يبقى العيد التقليدي "هانغري غوستس" (الاشباح الجائعة) مهما بالنسبة لكل المجموعات الصينية التي تقوم باطعام ارواح اسلافها بهدف اراحتها.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
فيسبوك