حقيقة الآخر وحتميته

590 2017-11-25

ان معظم تصرفاتنا تدل على ان أسلوب تعاملنا مع الآخر القريب أو البعيد أو الأبعد هو اسلوب إنكاري وتصادمي، حيث اصبح الانغلاق هو السمة الأساسية في سلوك الأفراد والجماعات مع قطع خطوط الاتصال والتواصل، فقد اصبح الآخر في إطارنا النفسي والثقافي والفكري مجرد هامش على وجودنا لا يشكل أي تأثير إيجابي في حركتنا الذاتية والاجتماعية، فهل تهميش الآخر هو واقع حقيقي ينبعث من القوانين التاريخية والكونية..؟ أم هو وهم خيالي يختاره المنغلقون لحماية احلامهم الوردية من السقوط أمام الواقع المر الذي يرفضون تجاوزه..؟

ومهما حاولنا ان نجيب فان التفكير العقلاني القائم على الموضوعية والتجرد في طرح الأحكام هو الذي يجيب على هذه التساؤلات فان الحياة لايمكن ان تقوم بدون وجود الآخر قياما فيزيائيا أو فكريا أو نفسيا أو اجتماعيا، وحينئذ فان تهميشه هو محاولة للتمرد على قانون الحياة.

الحتمية التكوينية

ينبعث جمال الحياة وأعجاز الباري تعالى من ذلك التنوع والاختلاف في كافة رحاب الكون، وهذا الاختلاف يدل على آيات الله العظيمة التي تبين قدرته سبحانه وتعالى، حيث يقول تعالى: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم والوانكم ان في ذلك لآيات للعالمين) الروم22، فالتنوع الكوني حتمية قام عليها قانون الكون ولايمكن إنكار ذلك لان تجاوز هذه الحتمية سوف تنعكس آثاره سلبيا على حياة البشر عامة. وربما يكون جمال الكون هو في ذلك التنوع والتوازن الرشيق الذي خطته يد القدرة والعظمة. فبدون التوازن لايمكن تحقيق حياة تتألق بهذا الجمال، ولكن عندما يتدخل الجهل البشري والنزعة النفعية في ضرب التنوع والاختلاف يختل التوازن ويذبل الجمال.

ويتمثل التنوع الكوني في الإنسان بشكل خاص في تنوع الإنسان واختلافه شكلا وقالبا وفكرا حتى لايمكن ان تجد أي تطابق كاملا بين أي إنسان واخر، فكل إنسان هو مخلوق مختلف بحد ذاته عن الآخرين، وقدرته على الاختيار وحريته في التفكير هي قمة فرادته واستقلاليته عن الآخرين. والقرآن الكريم حافل بالآيات التي تبين الاختلاف التكويني في الكون والإنسان، حيث يقول سبحانه: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) هود118.

ان الإنسان بطبيعته السوية لديه استعداد وقابلية للتنوع والتغير في حركة دينامية حية وهذا هو ما أنتج تنوع اشكال الحياة وتباينها وتنوع اشكال فهم الحياة وصور التعبير عن الحياة وتنوع النظر إلى الكون والوجود ففي التنوع والتعدد والاختلاف حياة الإنسانية وارتقاؤها. ومع حتمية التنوع تكوينا تبرز حقيقة مهمة هو ان ما يجمع البشر اكثر مما يفرقهم فالحياة وحدة مع الاختلاف وتباين في إطار الوحدة، لان التنوع لا يعني التنافر الإنساني المطلق ولا يعني النفي الوجودي المتبادل وانما يعني ضرورة الاعتراف والإيمان بالتعدد والتنوع ضمانا لسلامة الحركة القائمة على التفاعل بين أشكال متنوعة من الصور والأفكار. فالتباين ليس عامل هدم بل هو حافز حركة قائمة على التفاعل المشترك في إطار عقلاني لبناء وحدة انسانية متفاعلة. ومع التنوع يمكن تشكيل تعايش منسجم يحافظ على استقلالية الفرد وحقوقه.

الحتمية الاجتماعية

مع ذلك التباين التكويني والتنوع الإنساني تبرز حتمية التنوع الاجتماعي فالإنسان يعيش في وحدة اجتماعية تعتمد على التوحد في إطار التكامل بين الحاجات والطاقات المختلفة، فنحن لا نستطيع ان نكتفي بالحياة مجرد الحياة ولا نستطيع ان نواصل وجودنا كبشر دون روح المعاشرة الاجتماعية. فالمجتمع قام أساسا على التبادل والتعايش بين البشر من اجل التطور والنمو في إطار التعاون والتكاتف ولا يمكن للمجتمع ان يقوم إلا في حدود هذه الحتمية وإلا فانه عندما يلغى استقلال الإنسان وحريته ورأيه يفقد مبررات تشكيله فيجبره على الاندماج في المجتمع اندماجا اكراهيا فتنتفي حينئذ الغايات المبدئية من تشكيل المجتمع وتكامليته التفاعلية.

ومع عدم الاعتراف بالآخر يتوقف المجتمع عن مسيرته التكاملية والتصاعدية بافتقاده لروح التنوع والتفاعل بين أجزاء المجتمع. يقول تعالى في كتابه الحكيم: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات) المائدة48.

ان الحاجة الأساسية للفرد في المجتمع هي معرفة نفسه وطاقته وجوهره وذلك عبر معرفة الآخر والتعامل والتكامل معه حتى يستطيع ان يكتشف نفسه، فالناس اجتماعيون ويعملون في علاقات مع بعضهم البعض وفي مواجهة أناس آخرين يتعلم الإنسان ويتعايش تأسيسا على حياة اجتماعية مشتركة، وهذا التعلم انما يجري فيما بين الناس وليس في داخلهم ولكي نتعلم كيف نعيش حياة اجتماعية سليمة لابد من الوصول إلى فهم الآخرين. يقول بعض الحكماء: نصف رأيك مع أخيك وإذا بان منك أخوك بان شطرك وإذا اعتل خليلك فقد اعتل نصفك.

ويقول الإمام علي (عليه السلام): الناس صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فاعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى ان يعطيك الله من عفوه وصفحه.

* مقتطف من مقال منشور في مجلة النبأ-العدد -47-ربيع الثاني 1421/تموز2000، تحت عنوان: التواصل مع الآخر لتأصيل منهجية التعايش

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك