إشكالية التخصص الفكري بين الثقافة والدين؟!


المفكر والمثقف لا يمكن أن يُمنَح ما لا يُمنَح لغيره من حقوق، خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بالأفكار والمبادئ والحريات وخلافه، ولنكن أكثر وضوحا فنقول، هل يجوز للمفكر والمثقف أن يتداخل في بحث الشؤون الفقهية، في حين هي من تخصص فقهاء درسوا الدين في مدارس دينية متخصصة، واستوعبوا التفاصيل صغيرها وكبيرها في هذا التخصص، بما يتيح لهم البحث والكتابة وإعلان الرأي الفقهي بعد الإلمام بأمور الفقه من خلال الدراسة المتدرجة والمحددة في الحوزات العلمية.

إذاً قد نتفق على أهمية أن لا يتدخل من غير الاختصاص في الشؤون الدينية، لسبب معروف، أن المفكر والمثقف نفسهما يطالبان بهذا الأمر، فهما في الغالب يصرحان بأهمية أن لا يتدخل رجال الدين في السياسة، وهذه الظاهرة أخذت تتصاعد وتلوح في الأفق وبدأت تظهر في كتابات وتصريحات بعض المثقفين، وهي كما يتضح تنم عن تدخل بيِّن لبعض المفكرين والمثقفين في الدين والفقه في أمور لا تدخل ضمن تخصصهم، فهذا الأمر (إذا تمسكنا بالتخصص) لا يتعلق برسالة المثقف ولا بدوره الذي يتوجه نحو تعميق الثقافة الايجابية بين شرائح المجتمع الذي ينتمي إليه ويتحرك بين مكوناته، لذا من باب أولى أن نلتزم نحن أولا بما ندعو إليه، ولا يصح أن نطالب بحق نرى أنه لا يحق لآخرين كما سبق توضيح ذلك.

ويتضح أننا كمثقفين نطالب بما نمنعه على الآخرين، إذ كيف نعلن رغبتنا الصريحة بمنع رجل الدين عن الخوض بالسياسة وربما غيرها أيضا، في حين نبيح لأنفسنا بالتدخل في كل شيء حتى في الأمور التي لا تدخل ضمن التخصص الثقافي؟، إن المثقف حين يدعو الى فصل الدين عن السياسة، فهو بذلك يدعو بوضوح الى عدم تدخل الدين ورجالاته في السياسة، لكن المثقف نفسه يبيح لنفسه التدخل في الشؤون الدينية التي تعد من الامور الفقهية الخاصة التي لايستطيع المثقف فهم تفاصيلها كما هو الحال مع المختصين بها من علماء ورجال دين، لهذا من باب أولى أن يلتزم صاحب هذه الدعوة وهذه المطالب هو قبل غيره، أو يتم ترك ساحة الفكر والثقافة مفتوحة الأبواب للجميع، من دون أن يكون هناك منع لهذه الجهة أو المؤسسة والسماح لتلك.

التخطيط والتنظيم المتقن

هذا يعني أننا بحاجة الى نوع من التنظيم المتقن في تحديد التخصص، وهو أمر قد يبدو صعبا إن لم يكن مستحيلا، إن ظاهرة تدخل المثقفين بما لا يدخل ضمن اختصاصهم هو أمر غير صحيح ولا ينم عن وعي تام بالوظائف المناطة بشرائح المجتمع ومكوناته، نعم هناك طبقة أطباء، وأخرى للكادر التعليمي ومثلها للعمال وأخرى للفلاحين، وغيرها، ترى هل يقبل المثقف للفلاح أن يتدخل بشؤون الثقافة وإدارتها؟، أما حين يتعلق الأمر بالتفكير وطرح الآراء في هذا المجال أو ذاك، فهنالك طريقان، أما أن يتم الالتزام بالتخصص، أو يتم الاتفاق على مناقشات حرة، وهذا قد يدخلنا في إشكالية عدم التخصص.

ربما ليس سهلا أن تمنع شخصا أو عقلا ما من التفكير في هذا الشأن أو ذاك، فالتفكير قضية شخصية حرة لا تخضع لمحددات من أي نوع كان، ولكن التصريحات هي المشكلة، لذلك من باب أولى أن يقبل المثقفون عدم التدخل في شؤون غيرهم، خاصة اذا كان الامر يتعلق بالعلوم والفقهيات وما شابه، فالدين له رجاله المختصون به، يعرفون خفاياه وتفاصيله وتعاليمه واجتهاداته مما لا يعرفه المثقف لانه خارج اخصاصه، ولهذا لاينبغي له أن يحشر نفسه في أمور لا ينجح فيها بسبب عدم عائدتها له علميا، مثلما يطالب المثقفون رجال الدين خاصة بعدم التدخل بالسياسة، بالطبع أنا لا ادافع هنا عن رجال الدين، فبعضهم قد يقوم بالتدخل فيما لا يعنيه، وهذا يقع ضمن حرية الرأي والتفكير وحتى القول، ولكن نحن نعتقد بصحة مبدأ التعامل بالمثل وضمن مبدأ المساواة، فإذا أبحت لنفسك التدخل في شؤون الدين، فلرجل الدين أيضا أن يتدخل في شؤون الفكر والسياسة والثقافة وما الى ذلك.

ليست هناك مشكلة في حالة المساواة، فالمثقف مثلا يبيح له التحدث عن مقبولية هذه الطقس الديني او ذاك من عدمها، ثم يعبر عن استهجانه لهذا الجانب او ذاك مما يؤدّى من طقوس وشعائر، من دون أن يعرف تأريخ هذه الطقوس واهميتها في تعميق الايمان لدى الناس، وخير مثال لنا هو الآية الكريمة التي تقول (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)، وهكذا يعتقد المثقفون ان لهم الحق في الخوض في الدين والفقه ويمنعون رجال الدين عن التعاطي مع السياسة بل ويقولون علنا بضرورة فصل الدين عن السياسة، وإذا صح مثل هذا القول فإنه ينطوي على نوع من الإجحاف.

رفع مستوى الوعي الثقافي

وربما هناك من يرى وظيفة معروفة للمثقف، وهي الجانب المتعلق برفع مستوى الوعي الثقافي للمجتمع، هنا لابد من أن نعيد ونكرر بأن وظيفة المثقف ذات طابع ثقافي ورسالته ثقافية تنويرية واضحة، ولا ينبغي له أن يزج نفسه فيما لا يعيه جيدا ولا يعرفه جيدا، لأن الفقه الديني له رجالاته وعلماؤه، كما أن الاجتهاد له علماؤه ايضا، في حين أن رجل الدين مطالب على نحو دائم بعدم التدخل بشؤون الثقافة والسياسة وسواهما مما يرى المثقفون انه ليس من اختصاص رجال الدين، وهذا بالطبع يدخل ضمن منظومة أو طبيعة المجتمع من حيث الجوانب الفكرية والدينية وما شابه.

هذه إشكالية واضحة ومؤشَرة بالطبع في نظرة المثقفين للدين وللثقافة ولدور رجل الدين والمثقف لابد أن تتمخض عن اشكالية في التعامل بين المثقفين ورجال الدين، او بين الثقافة وبين الدين، لهذا نرى انه من الضرورة بمكان أن يتنبّه المثقفون الى حدودهم، وهي ليست حدود ثابتة بهذا المعنى الحدي، بل هي حالة فهم دقيقة لحدود الآخرين، وهذا يدخل في صلب المبادئ الثقافية التي تدعو الى احترام خصوصيات الآخرين وحدودهم، فالثقافة الانسانية مثلما نفهم لها فضاءات واسعة ومنفتحة، حين يتعلق الامر بتثقيف الناس على ما هو جيد ومثمر، على أن تتحدد هذه الفضاءات بعدم التدخل بما نجهله من الفقه الديني والمستحسن أن يتم تنظيم هذه الرؤية من خلال مؤتمرات وبحوث تتصدى لها الجهات المعنية من مراكز بحوث ودراسات وسواها.

وربما يمكن الاستفادة في هذا المجال من تجارب الأمم والمجتمعات التي عانت من هذه الإشكالية نفسها، لكنها بعد جهد كبير ومثابرة، تمكنت من معالجة ذلك، عبر مؤسسات وخبرات متخصصة أخذت على عاتقها، بوضع البنود والخطوات التي تنظم العلاقة بين الثقافة والسياسة والدين، بالطبع من دون وضع حدود معينة، ولكن من خلال ضبط التخصص وهي قضية تندرج فيها مصاعب يمكن أن تزول مع استمرارية التجريب والتحديث المستمر.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات النبأ)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك