لا لإقصاء الكفاءات

969 2017-08-12

لعل أسرع وأبسط مقارنة يمكن أن يقيمها الباحث بين شعبين، تكمن في اعتماده على درجة التطور التي يتفوق فيها أحدهما على الثاني، ففي حين يتفوق الشعب المتطور على قرينه الآخر في منهج الحياة والتفكير والسلوك وأنماط العيش والرفاهية، فإن الثاني يعاني من اختفاء مؤشرات التطور لتبرز بدلا منها ملامح التخلف بأنواعها وأشكالها المختلفة، هذه هي أبسط الفوارق بين شعب ينتمي الى الصدارة في قيادة البشرية وآخر يقبع في ذيل القائمة بسبب السياسات الخاطئة وقلة الوعي ورداءة الإنتاج وانعدام عنصر التفوق والطموح لدى عامة الناس بمن فيهم الطبقة السياسية التي لا تعبأ بالدولة ومؤسساتها، إنما ينحصر شغلها الشاغل في تأمين مصالحها المادية والمعنوية على حساب مصالح الشعب.

إن أهم ما يميز الشعب الناجح هو نسبة التفوق التي يتميز بها أفراده، حيث نجد الفرد شعلة من طموح وذكاء، وباحث متفرد عن الابتكار، له مشاريعه وطموحاته التي قد تختلف مع الآخرين، لكنها ستلتقي مع الجميع في نهاية المطاف، فيكون هنالك مجموعة من الأفراد يشكلون بمجموعهم ما يسمى بالشعب، وهؤلاء عبارة عن عقول لا تقتنع إلا بالنجاح والتفوق، ولا يهدأ لها بال إلا بعد أن تحقق ما تخطط له بصورة علمية دقيقة، ومن مجموع هذه الطاقات يتكون الشعب الطموح الذي يقفز الى صدارة الدول المتقدمة.

في مثل هذه الشعوب المتفوقة، ليس هنالك أمنيات بلا عمل، ولا تخطيط بلا تنفيذ، ولا خيال لا يهبط الى الواقع، فكثيرا ما نسمع من المفكرين والفلاسفة والعلماء، أن الكلام من دون عمل يبقى في حيّز العدم، ولا فائدة منه إلا في الاجترار اللفظي الذي لا يغني ولا يشبع أحدا، فيما يكون العمل ممثلا أمينا ولسانا سليما للفكر والكتابة والكلام أيضا، لهذا قيل في أحد المقولات المأثورة: (إن الأعمال أعلى صوتا من الأقوال)، في تأكيد لا يقبل النقاش حول تقدم العمل على الكلام، ولذلك أيضا دائما قيل (اعملْ بصمت) أي لا تتبجح قبل الانجاز، ويأتي في هذا المجال قول (من مدح نفسه ذمها)، ولهذا قال العلماء لا تتكلم، دع عملك يتحدث بدلا عنك، وهكذا تنجح الشعوب عندما يكون العمل مرافقا بل متقدما على كلامها.

الخبرة قبل كل شيء

وحينما يتعلق الأمر بالعراقيين من الشرائح والفئات العمرية كافة، فإن السؤال المهم في هذا المجال، هل لدينا ثقافة تفوق وطموح وانجاز شائعة في المنهج السلوكي اليومي لمجتمعنا، وهل ثمة ولع ورغبة متميزة بالابتكار، ثم هل ترعى الدولة والقطاع الخاص المتفوقين المبتكرين الموهوبين من الشباب وغيرهم كي يواصلوا تميزهم وتقدمهم، أم ينعدم هذا النوع من الاهتمام؟.

إن واقع الحال يعلن أننا لا نتميز بالاهتمام بالابتكار، وهذا يثير أسئلة كثيرة، أما الجواب الشافي سنجده في سلوك الحكومة وموقف القطاع الخاص تجاه حالات التفوق أو ممن لديه موهبة الاكتشاف والانجاز، ونعني هنا الوزارات المعنية أولا والمنظمات المدنية ثانيا، والتجمعات الثقافية ثالثا، والأفراد رابعا، وبهذا يتضح أن الجميع من دون استثناء لهم دور في تحطيم الطاقات الكامنة ونشر سلوك التكاسل والخمول والابتعاد عن تأسيس وتطوير منهج دعم الموهوبين كما هو حاصل بالفعل لدينا، فنحن في الحقيقة لا نحتفي بالمبدعين المبتكرين، ولا نعبأ بالكفاءات المتميزة، ولا تهمنا المواهب بقدر ما تهمنا مصالحنا.

لهذا فنحن لا نمتلك بيئة جاذبة للكفاءات، والدولة بمؤسساتها الحالية لا تعتني بأصحاب العقول والمواهب المتميزة، هذا ما يمكن أن نلاحظه أيضا لدى العرب عموما والعراقيين على وجه الخصوص، إنهم طاردون للمتفوقين وللكفاءات، لكن الإنسان المبتكر المتميز لا يصبر كثيرا على إهماله وإقصائه، إنه سرعان ما يبحث عن الحاضنة التي ترحب بالمتفوق الذكي المبتكر الموهوب، فيهاجر إليها عندما لا يجد الرعاية التي يحتاجها ويستحقها، إنه لا يبقى ساكنا مستكينا خاضعا لرحمة الإهمال الحكومي والمؤسساتي والشعبي أيضا، بل سرعان ما يبحث عن سبل وطرق ووسائل تكفل له إظهار مزايا وعطايا موهبته وتفوقه الى حيّز الواقع، وهناك من يفتح له ذراعيه ويستثمر تفوقه وتميزه وذكاءه على أفضل وجه.

فحينما تهمل الدولة أبناءها المتفوقين هي التي تخسر، ذلك أن العقل المتميز مطلوب ومرغوب عالميا، فكل صاحب موهبة سوف يجد البيئة التي ترحب به وتعطيه المكانة التي يستحقها، عند ذاك تكون المهاجر هي البديل، فيضطر الموهوبون وأصحاب الكفاءات الى مغادرة المجتمع الذي ينتمون إليه، ويغادرون دولتهم الأم، ويبحثون عن شعوب ودول أخرى تعرف قيمة التفوق والموهبة، وتنتشر في سلوكها وثقافتها احترام الكفاءة والخبرة والموهبة.

العراق بحاجة الى أبنائه

هناك سوف يجد المتفوقون من العراقيين مجالا واسعا لطرح أفكارهم ومشاريعهم وأعمالهم واثبات تفوقهم وتحقيق ذواتهم، فتتحقق استفادة المتفوق لذاته، فيما تستثمر تلك الدول الحاضنة لمواهبنا وخبرائنا وكفاءاتنا، قدراتهم المتنوعة لصالح تلك الدول، وليس لصالح الدولة التي أنجبت هذه العقول المتميزة، والغريب في الأمر أن هذه الظاهرة لا تزال ذات نسبة عالية في مجتمعنا على الرغم من إدراك الدولة والحكومة بأن العراق بحاجة الى أبنائه أكثر من أي وقت مضى.

وربما يكون هنالك تقارب لهذه الظاهرة من حيث المنشأ بين العراق وبعض الدول العربية الطاردة للمتفوقين وأصحاب الكفاءات، فهذا أمر واضح وأسبابه معروفة ولا تحتاج الى عناء كبير للوصول إليها، ذلك أن الإهمال المتعمد للكفاءة يعني أن الفرد المتفوق يشكل خطرا على أنصاف الموهوبين الذين يحتلون المناصب والوظائف بالتزوير والتملق والتزوير، خاصة أننا كعرب وعراقيين نعيش في ظل حكومات هي نفسها لا تحب التفوق، إلا إذا كان يعمل ذلك في إطار تثبيت السلطة وحماية العرش من السقوط.

في الشعوب والأمم المتفوق يكون صاحب الموهبة والمبتكِر ذا مكانة متميزة في المجتمع، ويجد الدعم المادي والمعنوي ويتم احتضانه وتقديم كل وسائل الإبداع له، لأن النتيجة تصب في صالح الدولة والمجتمع أولا وأخيرا، لهذا مطلوب أن يسود منهج احترام الكفاءات كسلوك جمعي يلتزم به الجميع، ويروجون له، كذلك على الدولة والجهات المعنية أن تحمي المتفوقين وتأخذ بمواهبهم وقدراتهم، وعلى الجهات التشريعية المعنية أن تشرع ما يكفي من بنود وخطوات لدعم المبتكرين وحماية الكفاءات من خطر الهجرة، مع أهمية تشجيع العقول المتميزة والمبتكرين وتوفير كل متطلباتهم بالأخص المادية منها كالسكن وتوفير المناخ العلمي المشجع والضمان الاجتماعي.

وعندما ترعى الدولة والقطاع الخاص الأفراد المتميزين من أصحاب الخبرة والطموح والكفاءة، فإن النتائج سرعان ما تسهم في بناء الاقتصاد السليم وتنعش ثقافة المجتمع ومؤسسات الدولة التي ينبغي أن تقودها الكفاءات والخبرات في هذه المرحلة بالذات، وينبغي غلق أبواب الخلل أمام كل من يسعى الى ضرب العقول المتميزة، فإذا أقرت الحكومة والجهات التشريعية ما يصون الخبرات وأصحاب الابتكار من الإهمال والإقصاء، فإن خطر البقاء في بيئة التخلف سوف يزول تدريجيا.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك