روسيا وتركيا وإيران: صفقات خلف الكواليس على طريقة الواقعية السياسية

2068 2016-12-31

في الآونة الأخيرة جاءت الفورة الدبلوماسية بعد اتفقت كل من روسيا وإيران وتركيا على أن الأولوية في سوريا هي محاربة الإرهاب وليس الإطاحة بحكومة الأسد في تصريحات أشارت إلى تحول في الموقف التركي الداعي منذ فترة طويلة للإطاحة بالأسد، وتضمنت عقد اجتماعات على مستوى عال بين الدول المعنية بالصراع السوري وروسيا في المقدمة، لكن على الرغم من ذلك كشف فشل الدبلوماسية الانقسامات الدائمة بشأن الأسد، ولقد أبدت روسيا وإيران وتركيا استعدادها للوساطة في اتفاق سلام بعد إجراء محادثات في موسكو حيث تبنت الدول الثلاث إعلانا يحدد المبادئ الأساسية التي يتعين أن يتضمنها أي اتفاق يتم التوصل إليه. وقالت روسيا إن المحادثات التالية ستعقد في استانة عاصمة قازاخستان.

في حين يرفض خصوم الاسد -ومنهم السعودية- التعاون مع دمشق خوفا من ان يضفي ذلك شرعية على حكمه ويقول الغرب ودول خليجية عربية انه جزء من المشكلة لا الحل وعليه الرحيل، وفشلت اتصالات دبلوماسية مكثفة في الآونة الاخيرة في تحقيق انفراجة بشأن نقاط الخلاف الرئيسية في الصراع.

بينما يرى محللون ان الدعم الدائم من لدن ايران وروسيا لبشار الاسد يعطي للصراع في سوريا نوعا من توازن القوى، وينبع دعم موسكو وطهران للأسد من حقيقة أنهما لا يريان بديلا عنه لمن يمكن أن يكون ضامنا لمصالحهما، ورغم أن الأسد يسيطر على خمس أو أقل من الأراضي السورية إلا أنهما ما زالا يعتبرانه حجر زاوية لما تبقى من الدولة بما في ذلك الجيش وقوات الأمن التي يعتقد كثير من الخبراء في الشأن السوري انهما سيتفككان بمجرد رحيله.

في الوقت نفسه ترى بعض المصادر الدبلوماسية والإعلامية انه بموجب اتفاق إطار بين الدول الثلاث يمكن تقسيم سوريا إلى قطاعات غير رسمية من النفوذ الإقليمي وأن يظل الأسد رئيسا لبضع سنوات على الأقل.

كذلك تقول مصادر مطلعة إن سوريا ستقسم إلى مناطق نفوذ غير رسمية للقوى الإقليمية وإن بشار الأسد سيبقى رئيسا لبضع سنوات على الأقل بموجب اتفاق إطار بين روسيا وتركيا وإيران، وتقول مصادر على دراية بتفكير روسيا إن اتفاقا من هذا القبيل سيسمح بحكم ذاتي إقليمي في إطار هيكل اتحادي تسيطر عليه طائفة الأسد العلوية ولا يزال في مراحله الأولى وهو عرضة للتغيير وسيتطلب موافقة الأسد والمعارضة المسلحة وفي نهاية المطاف دول الخليج والولايات المتحدة.

ولا يعتقد أحد أن اتفاق سلام سوريا أوسع نطاقا- وهو ما لم يتمكن المجتمع الدولي من تحقيقه لسنوات- سيكون سهلا أو سريعا أو مؤكد النجاح. والواضح أن الرئيس فلاديمير بوتين يريد أن يلعب الدور الرئيسي في محاولة التوسط في تسوية تكون في بادئ الأمر مع تركيا وإيران، وسيعزز هذا حديثه عن استعادة روسيا دورها كقوة عالمية وطرف ذي ثقل في الشرق الأوسط.

يرى محللون إذا نجحت روسيا في مساعيها فسوف تبدأ محادثات سلام جديدة بين الحكومة السورية والمعارضة في منتصف يناير كانون الثاني في استانة عاصمة قازاخستان الحليف المقرب من روسيا، وسوف تكون هذه المحادثات منفصلة عن المفاوضات المتقطعة التي تتوسط فيها الأمم المتحدة ولن تشمل الولايات المتحدة في بادئ الأمر، وأثار هذا حفيظة البعض في واشنطن.

وتقول مصادر روسية إن الخطوة الأولى هي التوصل إلى وقف لإطلاق النار في جميع أنحاء البلاد ثم الشروع في المحادثات. وسيكون الهدف عندئذ إشراك دول الخليج ثم الولايات المتحدة وفي مرحلة لاحقة الاتحاد الأوروبي الذي سيطلب منه- ربما مع دول الخليج- أن يتحملوا فاتورة إعادة الإعمار.

ومسعى السلام الثلاثي هو للوهلة الأولى مسعى غير متجانس. فإيران أشد مؤيدي الأسد وتقدم مقاتلين لمساعدته كما تدعمه روسيا بالغارات الجوية في حين تساند تركيا قوات معارضة له، وتقول عدة مصادر على معرفة بالعملية إن بوتين توصل إلى سلسلة من التفاهمات خلف الكواليس مع نظيره التركي طيب إردوغان لتسهيل الوصول إلى اتفاق محتمل، وقالت نفس المصادر إن موسكو دفعت إيران إلى قبول فكرة مسعى ثلاثي للسلام بحمل تركيا على التخلي عن مطالبها برحيل الأسد قريبا.

من جانب آخر، تحرك الواقعية السياسية تغير المواقف لدى موسكو وأنقرة. فروسيا لا تريد التورط في حرب طويلة وتريد الحفاظ على وحدة سوريا وإبقائها حليفا لها، وتريد تركيا أن تسيطر بشكل غير رسمي على مساحة من شمال سوريا توفر لها منطقة آمنة لإيواء النازحين وقاعدة لمعارضي الأسد وحصنا ضد النفوذ الكردي.

ومصير الباب تلك المدينة التي تسيطر عليها الدولة الإٍسلامية وتقع على بعد نحو 40 كيلومترا إلى الشمال الشرقي من حلب عامل آخر في هذا الصدد. فإردوغان مصمم على سيطرة قوات المعارضة المدعومة من تركيا على المدينة لمنع الفصائل الكردية المسلحة من فعل الشيء نفسه، وقال عدد من المصادر إنه كان هناك تفاهم بين أنقرة وموسكو على إمكانية مغادرة مقاتلي المعارضة حلب للمساعدة في السيطرة على الباب.

وفهم مصالح إيران أكثر صعوبة لكن علي أكبر ولايتي كبير مستشاري الزعيم الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي قال إن سقوط حلب قد يغير الكثير في المنطقة، وضمنت طهران بمساعدتها الأسد على استعادة حلب ممرا بريا يربط بين طهران وبيروت مما يمكنها من إرسال أسلحة إلى جماعة حزب الله في لبنان.

وتقول مصادر دبلوماسية روسية وغربية إن إيران ستصر على الحفاظ على هذا الممر وعلى بقاء الأسد في السلطة في الوقت الحالي. وإذا تنحى بالفعل فسوف ترغب طهران أن يحل محله آخر من الطائفة العلوية التي تعتبرها أقرب الطوائف إلى الشيعة.

وربما تكون إيران أكبر حجر عثرة في طريق اتفاق أوسع. فقد قال وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان إن السعودية يجب ألا تشارك في المحادثات بسبب موقفها من الأسد حيث تطالب الرياض بتنحيه عن السلطة، وكثيرة هي الشكوك بشأن فرص التوصل إلى اتفاق أوسع.

روسيا وتركيا وإيران تتطلع إلى تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ

قال أندرو كورتونوف المدير العام للمجلس الروسي للشؤون الدولية وهو مركز أبحاث مقرب من وزارة الخارجية الروسية "هناك تحرك صوب حل وسط... الاتفاق النهائي سيكون صعبا لكن المواقف تتغير"، ويقول عدد من المصادر إن سلطات الأسد ستتقلص بموجب اتفاق بين الدول الثلاث. وستسمح له روسيا وتركيا بالبقاء حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة عندما يتنحى لصالح مرشح علوي أقل إثارة للانقسام.

وتضيف المصادر أن إيران لم تقتنع بذلك بعد. لكن على أي حال سيرحل الأسد في آخر الأمر بطريقة تحفظ ماء الوجه مع ضمانات له ولأسرته، وقال كورتونوف رافضا ذكر أسماء "تردد ذكر اسمين في القيادة (كخليفتين محتملين)"، وقال السير توني برينتون السفير البريطاني السابق لدى موسكو لرويترز "ستكون جائزة كبيرة جدا لهم إذا استطاعوا أن يظهروا أنهم في صدارة المشهد ويغيرون العالم. اعتدنا جميعا على أن الولايات المتحدة تفعل ذلك ونسينا أن روسيا اعتادت اللعب على نفس المستوى".

وقال مسؤول أمريكي رفض نشر اسمه بسبب حساسية الموضوع "هذه الدولة التي لديها اقتصاد في حجم اقتصاد إسبانيا .. أقصد روسيا.. تتبختر وتتصرف كما لو كانت تعرف ماذا تفعل، "لا أعتقد أن الأتراك والروس يمكنهم فعل ذلك (المفاوضات السياسية) من دوننا"، والتقى وزراء الدفاع والخارجية من روسيا وتركيا وإيران في موسكو في 20 ديسمبر كانون الأول ووضعوا المبادئ التي يعتقدون أن أي اتفاق سوري ينبغي أن يلتزم بها. بحسب رويترز.

وقال مسؤول كبير بالحكومة التركية رفض نشر اسمه "أولويتنا ليست رحيل الأسد ولكن هزيمة الإرهاب، "لا يعني ذلك قبولنا بالأسد. لكننا توصلنا إلى تفاهم. فعندما يتم القضاء على (تنظيم) الدولة الإسلامية فربما تساعد روسيا تركيا في سوريا في القضاء على حزب العمال الكردستاني"، وتعتبر تركيا وحدات حماية الشعب الكردية وجناحها السياسي حزب الاتحاد الديمقراطي امتدادا لحزب العمال الكردستاني المحظور والذي يشن تمردا منذ فترة طويلة في جنوب شرق تركيا ذي الأغلبية الكردية.

وأضاف المسؤول التركي نفسه "لدينا بالطبع خلافات مع إيران. فنحن ننظر لبعض القضايا بطريقة مختلفة لكننا نتوصل إلى اتفاقات لإنهاء المشكلات البينية"، وقال أيدين سيزر رئيس مركز دراسات تركيا وروسيا للأبحاث في أنقرة إن تركيا "تخلت تماما الآن عن مسألة تغيير النظام" في سوريا.

بيد أن الموقف العلني لتركيا لا يزال مناهضا للأسد بشدة وقال وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو يوم الأربعاء إنه يستحيل حدوث انتقال سياسي في وجود الأسد، وقال برينتون السفير البريطاني السابق إن موسكو وأنقرة توصلتا إلى اتفاق لأن موسكو احتاجت تركيا لإخراج المعارضة من حلب وللمجيء إلى مائدة التفاوض، وأضاف "الغرض الحقيقي للأتراك من اللعبة ومبعث قلقهم هو ظهور كردستان شبه مستقلة داخل سوريا وما له من تداعيات مباشرة عليهم.، وتوغلت أنقرة في سوريا في عملية أطلقت عليها "درع الفرات" في أغسطس آب لطرد الدولة الإسلامية من شريط من الأراضي الحدودية بطول 90 كيلومترا وضمان عدم سيطرة الفصائل الكردية المسلحة على مزيد من الأرض في سوريا، وقال دينيس روس الذي عمل مستشارا للإدارات الديمقراطية والجمهورية الأمريكية ويعمل الآن بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إنه لا يعتقد أن اتفاقا من هذا القبيل سيجلب السلام إلى سوريا، وقال لرويترز "أشك في أن هذا سينهي الحرب في سوريا حتى بعد (معركة) حلب، وجود الأسد سيظل مصدرا للصراع مع المعارضة".

أمريكا تهون من شأن غيابها عن محادثات موسكو بشأن سوريا وتقول "لسنا مهمشين"

سعت الولايات المتحدة للتهوين من شأن غيابها عن محادثات بين روسيا وإيران وتركيا في موسكو بشأن الصراع السوري وقالت إن هذا ليس "تجاهلا" لها ولا يعكس تقلص النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.

غير أن قرار الرئيس باراك أوباما تقديم دعم محدود فقط للمعارضة المسلحة المعتدلة لم يترك لواشنطن سوى تأثير بسيط على الوضع في سوريا لاسيما بعدما بدأت روسيا شن ضربات جوية ضد المعارضة التي تقاتل الرئيس بشار الأسد.

ورغم أن واشنطن ظلت لفترة طويلة طرفا في الجهود الرامية لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا وغيرها من الصراعات في الشرق الأوسط فقد اضطرت الولايات المتحدة للمراقبة من على الهامش بينما شنت الحكومة السورية وحلفاؤها ومنهم روسيا هجوما لسحق المعارضة في شرق حلب توج باتفاق لوقف لإطلاق النار.

وقال دينيس روس من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى والذي عمل في السابق مستشارا بشأن إيران والشرق الأوسط لدى حكومات جمهورية وديمقراطية أمريكية إن الولايات المتحدة جعلت نفسها "غير ذات تأثير" على الوضع في سوريا.

وأضاف روس "لا تجد المعارضة مبررا يذكر للتجاوب معنا ومع الأسد. يعلم الروس والإيرانيون أننا لن نفعل شيئا لزيادة التكلفة عليهم جراء هجومهم على حلب ومدن سورية أخرى"، وتابع قوله "تحركت روسيا لتجعل من نفسها وسيطا بعدما غيرت ميزان القوى على الأرض دون أن تأبه للعواقب على المدنيين، ورفض متحدث باسم وزير الخارجية الأمريكي جون كيري التلميحات إلى أن غياب أمريكا عن الاجتماع يشير إلى تغير في النفوذ.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية جون كيربي"لا يرى الوزير ذلك على أنه تجاهل على الإطلاق. يعتبره جهدا آخر متعدد الأطراف لمحاولة التوصل إلى سلام دائم في سوريا ويرحب بأي تقدم نحو ذلك"، وتابع كيربي يقول "سندحض بوضوح أي إشارة إلى ... أن حقيقة عدم وجودنا في هذا الاجتماع تشير بشكل ما أو تشكل اختبارا لنفوذ الولايات المتحدة وزعامتها هناك أو في أي مكان آخر في أنحاء العالم" مضيفا أن واشنطن ما زالت معنية بقضايا كثيرة أخرى في المنطقة، ومضى يقول "لسنا مستبعدين ولا يجري تهميشنا".

وقالت روسيا وإيران وتركيا في الاجتماع إنها على استعداد للمساعدة في التوسط في اتفاق سلام سوري وتبنت إعلانا أوضح للمبادئ التي ينبغي أن يقوم عليها أي اتفاق، ورغم ذلك خرج اجتماع بما أطلق عليه "إعلان موسكو" فيما يعكس تنامي علاقات روسيا مع إيران وتركيا بالرغم من مقتل السفير الروسي في العاصمة التركية أنقرة يوم الاثنين. ويعكس ذلك أيضا رغبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في زيادة نفوذ بلاده في الشرق الأوسط وعلى نطاق أوسع.

ويظهر ذلك أيضا أن روسيا ضاقت ذرعا بما تعتبرها محادثات طويلة وبلا فائدة مع حكومة أوباما بشأن سوريا، وأقر مسؤول أمريكي بأن غياب الولايات المتحدة عن محادثات الإجلاء من شرق حلب كانت طريقة روسيا لإظهار أن موسكو - وليس واشنطن- هي من يتحكم في الأمور، وقال المسؤول لرويترز مشترطا عدم الكشف عن اسمه "الواقع هو أننا وضعنا أنفسنا في موقف تبذل فيه روسيا جهودا لمحاولة العمل مع أي جهة أخرى حتى يتمكنوا من عزلنا، وأضاف "تركنا خلافاتنا مع تركيا بشأن الأكراد ووجهات نظرنا بشأن شمال سوريا تخلق فجوات يستغلها الروس"، وقال كيربي إنه في نهاية المطاف سترغب الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا في التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار وتوصيل المساعدات الإنسانية "بشكل عاجل".


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تحليلات)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك