الدولة والسلطة عند الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)


ان مفهوم السياسة عند الإمام علي (عليه السلام) يستقي معناه من المفهومين القرآني والنبوي، وهذا المفهوم لا يتقوم معناه بالمفهوم القرآني فحسب كما ذهب أحدهم في "رزية يوم الخميس"، وإنما يعد جزء من كل متكامل الوحي (القرآن الكريم والسُنّة النبوية المطهرة).

حيث وردت في الحِكم السياسية القصار للإمام علي (عليه السلام) مفردة السياسة، وما يتعلق بها من حاجة المجتمع الإنساني لها ومن قيم سياسية وجمالية (العدل والعفو)، وتربية نفسية للقائم على العمل السياسي (جهاد النفس)، بمعنى من ينتصر على نفسه الأمارة بالسوء ينتصر في ميدان السياسة، وان مستقبل الساسة رَهين بـ (حُسن السياسة).

يقول (عليه السلام) في حكمه السياسية القصار:

1. من ساس نفسه أدرك السياسة.

2. الاحتمال زين السياسة.

3. حُسن السياسة يستديم الرياسة.

4. بئس السياسة الجور.

5. ملاك السياسة العدل.

6. رأس السياسة استعمال الرفق.

7. حُسن السياسة قِوام الرعية.

8. من حَسُنت سياستهُ وجبت إطاعتهُ.

ويرتبط بهذا المفهوم، مفهوما الدولة والسلطة، موضوع الورقة، وهذان المفهومان يرتبطان بما يمثله الإمام علي (عليه السلام) من مكانة دينية سامقة في الإسلام عامة وعند مذهب أهل البيت (عليهم السلام) خاصة.

ما من شك أن مفردة (الدولة) وردت في كلمات الإمام علي (عليه السلام)، حيث ورد في حكمه السياسية القصار: "الدولة كما تُقبل تُدبر"، بمعنى أنه (عليه السلام) يفهم الدولة من الإقبال والإدبار، أي الجيئة والذهاب. ويقول (عليه السلام): "لكل دولة بُرهة". فما هي القيم السياسية والإدارية والإرشادية لإقبال الدولة وقيامها عنده (عليه السلام) ويحددها بثلاث هي:

1. العدل، حيث يقول (عليه السلام): "ما حُصِّن الدولُ بمثل العدل"، حيث يكون العدل، قيمة سياسية أولى، بمثابة سور يحمي الدولة من السقوط أمام العدوان الخارجي.

2. الحِذقُ (المهارة)، وبُعد النظر، والقدرة على دقة التصرف في الأمور، حيث يقول (عليه السلام): "أماراتُ الدول إنشاء الحِيَلِ".

3. اليقظة والانتباه، حيث يقول (عليه السلام): "من دلائل الدولة قلة الغفلة". و"من أمارات الدولة التيقظ لحراسة الأمور".

ويحذر (عليه السلام) منذ البداية من الإنسان "الشرير" عند قيام الدولة وزوالها، حيث يقول عليه السلام): "إحذر الشرير عند إقبال الدولة لِئلا يُزيلها عنك، وعند إدبارها لِئلا يُعِين عليك".

أما ما هي أمارات أو علامات إدبار الدولة وزوالها عنده (عليه السلام)، فيحددها بثمان علامات لذلك، وهي: "تضييعُ الأصول، والتمسكُ بالغُرورِ، وتقديم الأراذل، وتأخيرُ الأفاضل". بمعنى أن تضييع حقوق الفرد والمجتمع، وقصر هم الدولة على بناء عالم الدنيا ونسيان عالم الآخرة، وتقديم الفاسد، وتأخير الصالح. ويقول (عليه السلام): "الاستئثار يوجب الحسد، الحسد يوجب البِغضة، والبِغضة توجب الاختلاف، والاختلاف يوجب الفرقة، والفرقة توجب الضعف، والضعف يوجب الذُل، والذُل يوجب زوال الدولة، وذهاب النعمة". بمعنى الاستبداد والتفرد بالحكم والسلطة، (اوتوقراطية)، علامة خامسة. ويضيف (عليه السلام):

6. روحية التكاثر وجمع الأموال لدى مسؤولي الدولة.

7. سوء الظن والتشاؤم ببقاء الدولة وديمومتها.

8. عدم الاعتبار بالعبر والتجارب السابقة.

يقول (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر النخعي (رض): "وإنما يُؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يُعْوِزُ أهلها لإشرافِ أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر".

أما بالنسبة إلى مرتكزات قيام دولة الباطل، فيحددها (عليه السلام) بدعامتين، ألا وهما: الجور والفساد. حيث يقول (عليه السلام): "دولة الأوغاد مبنية على الجور والفساد".

أما الغنيمة السياسية من وجهة نظره (عليه السلام) فتتجسد في توالي الأخيار والصلحاء والشرفاء زمام السلطة والحكم في البلاد، وليس الغنيمة المادية كما يرى الآخر، حيث يقول (عليه السلام): "من أعود الغنائم دولة الأكارم".

أما الإمكانيات الكبيرة المادية والمعنوية التي تتمتع بها الدولة، كـ مؤسسة سياسية، ففي حالة تولي زمام الحكم والسلطة فيها الإنسان الفاسد والسيئ فانه يمكن أن يقلب الباطل إلى حق ويقلب الحق إلى باطل، حيث يقول (عليه السلام): "الدولة تردُ خطاء صاحبها صواباً، وصواب ضدهِ خطأً".

أما بالنسبة إلى شكل الدولة عند الإمام علي (عليه السلام) فهل هي: دولة بسيطة (موحدة) أم دولة مركبة (اتحادية)؟ وهل أسلوب إدارة الدولة أسلوب إدارة مركزي، أم أسلوب إدارة لا مركزي؟ نقول: لقد تباين شكل الدولة عند الإمام علي (ع) حسب قدرات أصحابه ومكانتهم لديه (ع)، فقد أتبع أسلوب الإدارة المركزية مع الأشعث بن قيس، وعثمان بن حنيف، وأبي موسى الأشعري، وابن الجارود العبدي فمنحهم صلاحيات قليلة، وأخضع أعمالهم وسلوكياتهم للإشراف والسيطرة هذا من جهة، وقد اتبع أسلوب الإدارة اللامركزية مع مالك الأشتر النخعي (رض) في عهده إليه وتوليته مصر، فـ (مالك) عند (علي) (عليه السلام) مثل (علي) (ع) عند (محمد) (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالإمام (عليه السلام) قال بحق مالك: "لقد كان لي كما كنت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)"، فالإمام (ع) وضع ثقته المطلقة بـ (مالك)، فلا ضرورة ولا حاجة للإشراف على سلوكه وأعماله في الولاية.

أما فيما يتعلق بموضوعة (السلطة)، فيعتقد الإمام علي (عليه السلام) بأن (الإمامة) هي لطف إلهي، شأنها في ذلك شأن النبوة، وقيام السلطة ونشؤها، الإمامة السياسية، يكون عن الله تعالى، بـ (النص)، وأن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نصَّ وأبلغ المسلمين في أعظم حادثة في حياتهم في غدير خم، بأن الإمام علي (عليه السلام) هو (الخليفة) من بعده، نقصد هنا الجانب السياسي، لا الجانب الديني (الإمامة) لأنها أوسع.

وبالنسبة إلى ضرورة السلطة عند الإمام علي (عليه السلام)، فهي مما لا شك فيه عنده (ع)، بوجوب ضرورتها، ومصدر الوجوب عنده (ع) هو (العقل والشرع) معاً، لا الشرع كما ذهبت إليه مدارس أهل السنة، ولا العقل كما اعتقدت به غالبية المعتزلة. وشذت (النجدات، فرقة من الخوارج، أصحاب نجدة بن عويمر: انه ليس بواجب أصلاً. وقال أبو بكر الأصم من المعتزلة: لا يجب عند ظهور العدل والإنصاف لعدم الاحتياج، ويجب عند ظهور الظلم. وقال هشام الفوطي منهم بالعكس، أي: يجب عند ظهور العدل لإظهار الشرائع).

أما عندما رفع الخوارج قولهم "لا حكم إلا لله" ردَّ الإمام علي (عليه السلام) عليهم قائلاً: "كلمة حق يُراد بها باطل؟ نعم إنهُ لا حكم إلا لله، ولكن هولاء يقولون: لا أمرة إلا لله، وأنه لابد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في أمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع الفيء، ويقاتل به العدو وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح برٌ ويستراح من فاجر".

أما بالنسبة إلى شرعية السلطة عند الإمام علي (عليه السلام) فلها بعدين: الهي وشعبي، فهي من جانب اصطفاء الهي، شأنها شأن النبوة، لا مدخلية للبشر في اختيارها، قال تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)، وهي من جانب آخر شأن شعبي، تحتاج إلى بيعة الأمة لتفعيلها بالاختيار وطواعية. يقول (ع): "فما راعني إلا والناس كَعُرْفِ الضَّبُعِ اليَّ، ينثالون عليَّ من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان وشُقُّ عِطفَاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم".

هل السلطة عند الإمام علي (عليه السلام) سلطة شخصية، أم تتجاوز شخصه الكبير؟ فنقول أن الإمام علي (ع) لم يحاول شخصنة السلطة، بمعنى انه لم يحاول أن يجعل السلطة سلطة شخصية، اذا رحل رحلت معه، ولو كانت كذلك لتجاوزت السلطة شخصه الكبير ولكن بقيت السلطة أسيرة شخصه الكبير.

أما بالنسبة إلى الكيفية التي نظر الإمام علي (عليه السلام) إلى السلطة، والكيفية التي تعامل بها معها، فهل هي مغنم عنده، كما هو شأن الكثيرين، أم هي وسيلة؟

فنقول ان الإمام علي (ع) لم ينظر إلى السلطة كـ مغنم، إذ لم يتصارع من أجلها، كما فعل الكثيرون، وإنما هي التي تصالحت معه، فالسلطة عبر التأريخ لم تتصالح مع أحد، سوى مع علي (ع)، فالسلطة عنده (ع) وسيلة وليس هدف، يقول (ع): "اللهم انك تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك".

فدوام السلطة وبقائها عند الإمام علي (ع) رهين بإقامة العدل والقسط، يقول (ع): "العدلُ فضيلة السلطان".

وظيفة السلطة عند الإمام علي (عليه السلام) أوجزها في عهده لمالك الأشتر النخعي، حيث حددها في أربعة وظائف رئيسة، ألا وهي:

1. جباية الخراج/ الضرائب.

2. جهاد العدو/ الجهاد الدفاعي، وليس الجهاد الابتدائي، إذ لا يقوم الأخير، وباجماع فقهاء الشيعة، إلا بحضور الإمام المعصوم وإذنه وإشرافه.

3. استصلاح أهل مصر، من الناحية الأخلاقية والقيمية.

4. عمارة البلاد/ مادياً.

يقول (ع): "جباية خراجها وجهاد عدوها واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها".

* جامعة بغداد/ كلية العلوم السياسية
** الورقة المقدمة الى الحلقة النقاشية التي عقدها مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث تحت عنوان (دولة الانسان في نهج الامام علي (عليه السلام).


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (اهل البيت)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك