العودة الى منهج رسول الله: الضرائب وباء العصر

(2)


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)[1]

الرحمة الواسعة والرحمة المكتوبة

فنقول: ان (الرحمة الالهية) على نوعين: الرحمة الواسعة، الرحمة المكتوبة.

فلله تعالى رحمتان: رحمة واسعة تعم الخلائق بأجمعها، ورحمة مكتوبة تخص البعض ممن اجتمعت فيه الشروط التي ذكرت في الآية الشريفة، والبون بين الرحمتين شاسع، بما لا يرقى اليه خيال بشري، مهما حلق ومهما فكر ومهما تدبر.

يقول تعالى في رأس الآية: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) هذه هي الرحمة الواسعة التي وسعت الجميع: المؤمن والكافر والحجر والمدر وغير ذلك، لكن الرحمة المكتوبة تختص بفئة خاصة فقط (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ...) وموطن الشاهد هاهنا (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ...)

و(الرحمة الواسعة) تعني: (الوجود)، حيث افاض الله تعالى الوجود على كافة المخلوقات من خير وشر نسبي، ومن حلو ومر،وضياء وظلمة، وجبهة حق وجبهة باطل، كما تعني (الرزق)، وغير ذلك.

فان كل انسان يعيش في بحبوحة رحمة الله الواسعة، فالنور والضياء الذي نرى فيه بعضنا، ونرى فيه الاشياء، وتتيسر به حوائجنا. والشمس التي هي مصدر الحرارة وغيرها، وما اشبه ذلك، كلها من الرحمة الالهية العامة والواسعة.

الا ان الرحمة الالهية الخاصة المكتوبة، تشمل ثُلّة خاصة من الناس، والحديث عنها حديث طويل نتركه لوقت اخر، فتكفينا هذه الاشارة الموجزة اليها لان حديثنا عنها إنما هو بمقدار المدخل للبحث..

(الاتّباع) من شرائط الرحمة المكتوبة

يقول تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ...) فاذا اقتفينا واتبعنا اثر رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، كما يقتفي الفصيل اثر امه حسب تعبير مولى الموحدين وامام المتقين علي بن ابي طالب (صلوات الله وسلامه عليه)، خطوة خطوة، وكلمة كلمة، ومنهجا منهجا، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والحقوق وغير ذلك، ورجعنا الى منهج رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فستنالنا الرحمة المكتوبة بلطف الله ومنّه وكرمه.

منهج الرسول الاكرم

وهنا يأتي السؤال الجوهري: ما هو منهج رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) الذي علينا ان نقتفيه ونتأسى به؟

الآية تذكر مجموعة من الشروط والصفات، نتوقف عند واحدة منها. بل عند كلمة واحدة منها، فان هذه الآية بحر مواج ومن الجدير ان تكتب عنها مجلدات ومجلدات..

مفردة (الأصر)

تقول الآية: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ...) الى ان تقول: (...وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ...)

ونتوقف عند كلمة (الاصر) بل عند استنباط واحد منها فقط، والاصر: بحسب عدد من اللغويين وعدد من المفسرين يعني: الثقل، ويعني: الضيق، ويعني: الحبس.. فمن هو محبوس ومسجون، فانه في اصر، ومن هو مقيد ومكبل فانه في اصر، ومن لايستطيع السفر الا بجواز وهوية وفيزا وغير ذلك من بدع الغرب فهو في اصر، ومن لايستطيع ان يتزوج الا بألف قيد وقيد، ومن لا يستطيع ان يؤسس معملا او شركة او مصنعا او متجرا الا بألف قيد وقيد، واجازةٍ ورخصةٍ وبيروقراطيةٍ وروتينٍ إداريٍ فهو في اصر.

فالأصر هو الحبس، ونحن الان في أصر وسجن، في سجن هذه الدول، فان كافة هذه الدول الموجودة على وجه البسيطة، سجنت كافة عباد الله، سواء أسميت اسلامية ام شيوعية ام اشتراكية ام علمانية او اي شيء آخر.

بل اننا الان نتنفس في جو الاصر الذي جاء رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ليضعه عنا! ولكن لأننا اعرضنا عن منهجه، فوقعنا في الاصر والضيق والعَنَت والكَبَد.

ومن تفسيرات الاصر: الذنب؛ لان الذنب يسبب ضيقا للإنسان في الدنيا قبل الاخرة وان تصورته منشرحا.

ومن معاني الاصر: العقوبة، والجامع لكل المعاني هو: الضيق والثقل، بل قيل انه سمي الثقل إصراً؛ لأنه يضيّق على الانسان ويحبسه، ولكم ان تتصوروا شخصا على كتفة صخرة وزنها (100) كيلو غرام، فانه في ضيق وهو محبوس عن الحركة، فكيف لو كانت اكبر من ذلك وأثقل؟!

ان منهج الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) الذي جاء به، والذي صرحت به الآية القرآنية الكريمة هو انه (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ...)، فهلّا عُدنا إليه؟

الأصر الاقتصادي

وللأصر تجليات مختلفة، وفي هذا المبحث نشير الى تجلٍ من تجلياته تتمة للبحث السابق، وهو (الاصر الاقتصادي)، اذ ان في هذه الآية بحوثاً عديدة منها على سبيل المثال: لِمَ قال تعالى (إِصْرَهُمْ) بصيغة المفرد ولم يقل آصارهم بصيغة الجمع كما قال ذلك في (الأَغْلالَ)؟ كما ان هناك بحثاً اخر في الآية: وهو استباط فقهي واصولي وسياسي من هذه الكلمة بالذات، بحيث يمكن ان نستثمر هذه الآية المباركة في (اصالة البراءة)، كما يمكن ان نستثمرها في قاعدة (لا ضرر)، كما ان استثمارها في بعض مسائل السياسة والاجتماع والاقتصاد ممكن ايضا، وقد نتطرق لذلك لاحقا ان شاء الله.

والمهم هنا، ان نقول: ان من وجوه الاصر: الاصر الاقتصادي، والجميع اليوم مثقلون بالاصر، إلا الاقلية ممن يتربعون على القمة والسلطة، ويمكن ملاحظة ذلك خلال التعرف على حال مجتمعاتنا والمجتمعات الاخرى وكيف انها تئنّ من الثقل والاصر الاقتصادي الخانق، ومن الاسر والضيق والمشاكل.

(الضرائب) من الآصار الثقيلة

ومن وجوه الأصر التي تثقل كاهل البشرية الان: الضرائب، وهي وباء بكل ما للكلمة من معنى، مثلها مثل ذلك الوباء الشهير: نقص المناعة المكتسب (الايدز).

والضرائب وباء كما ان الغيبة وباء، فإنها وباء حقيقي، الا ان الانسان لاعتياده عليها، قد يصل لا سمح الله الى ان يرى المنكر معروفا، والمعروف منكرا، كما قال الحبيب المصطفى (صلى الله عليه واله وسلم).

الضرائب وباء خطر كما ان (أنفلونزا الخنازير) وباء خطير، وغيره من انواع الانفلونزا، كما استجدّ الآن نوع منها – الانفلونزا - وهو نوع عادي، الا ان المكروب طوّر نفسه فاصبح عصيا على العلاج، وهو يفتك الان بالكثيرين حتى الموت.

كذلك (الضرائب) فإنها وباء فتاك وداء ومرض خطير ورهيب، الا ان المشكلة اننا كنّا ولا نزال نتنفس في هذا الجو الملّوث الموبوء، لان الانسان يولد وهو يعيش في بحر من الضرائب، لذا فانه يتصور الامر طبيعيا، ويتضح ذلك لنا أكثر لو تصورنا شخصا كان من حين ولادته قد قيدت قدماه ورجلاه الى الارض ثم انه عندما نظر الى الاخرين وجدهم كذلك، فانه سيتصور لا محالة ان هذه الحالة هي حالة طبيعية، ولا يتعقل ان يكون الانسان بغير هذه الحالة، لان الاشياء تعرف بأضدادها، كما انها تعرف بأشباهها، فلاننا نرى كلتا الحالتين: من سكون وحركة، وتقيد وتحرر، فنفهم معنى المشي وحرية الحركة، اما ذلك المولود المقيد ابداً، فانه يتصور ان هذه هي الحياة الطبيعية التي لامفر منها، وهذا نوع من أنواع المسخ الفكري.

ونحن جميعا ولدنا فوجدنا الضرائب في وعلى كل شيء: على السفر، وعلى الاملاك، وعلى المبيعات، وعلى الممتلكات فانك اذا جلست في بيتك فعليك ضريبة، واذا بعته فعليك ضريبة، وهكذا وهلم جرى.

والضرائب موجودة في كل دول العالم والغريب ان الدول تأخذ الضرائب من الناس سواء ربحوا او لم يربحوا في السفر والإقامة وفي الزراعة والصناعة والاستيراد والتصدير وغيرها.

ان الضرائب وباء حقيقي وهي اصر واضح، فان قسماً كبيراً من مشاكل العالم ينجم من الضرائب، فان الضرائب من اسباب الفقر والبطالة الرئيسية، كما ان الكثير من المفاسد والمشاكل في العالم تنجم من الضرائب

والغريب أيضاً: ان هذا المنكر أصبح معروفا؛ بحيث ان الحكومات تعتبر الضرائب حقها المسلّم، واضحى المشرّع الذي انتخبه الناس ولأنه جرى له غسيل دماغ على المستوى العالمي ـ يعتبر الضرائب امرا طبيعيا، ويعتبره من واردات واستحقاقات الدولة الطبيعية.

القران والسلطان يفترقان بعد النبي

واذا لاحظنا الرواية الواردة عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) والتي يذكرها الوالد (الامام السيد الراحل محمد الشيرازي) في كتاب الصياغة الجديدة حيث قال(صلى الله عليه واله وسلم): (الا ان رحى الاسلام دائرة، فدوروا حول الاسلام حيث دار..).

لعل المقصود من هذه الكلمة، (القضايا الخارجية) التي اشرنا اليها في بحث الأصول، وليس القضايا الحقيقية، لان القضايا الحقيقية قضايا ثابتة إذ (حلال محمد (صلى الله عليه واله وسلم) حلال الى يوم القيامة، وحرام محمد (صلى الله عليه واله وسلم) حرام الى يوم القيامة) ولعل الإشارة إلى حالتي القوة والضعف.

وأمر الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) صريح بوجوب ان ندور حول الاسلام وليس حول المنهج الغربي او الشرقي المتبع الان تقريبا في كل شيء بما فيها (الضرائب).

ثم يقول (صلى الله عليه واله وسلم) (...الا وان القران والسلطان سيفترقان...) فستكون السلطة والسلطان في مكان والقران وتشريعاته واحكامه وحكمه ومواعظه في مكان اخر، مهجوراً لايعمل به (...فلا تفارقوا الكتاب، ألا انه سيكون عليكم امراء مضلون...) وهذا ما نجده مخيّماً على كل الكرة الارضية (...يقضون لأنفسهم ما لايقضونه لكم...) فكل الخيرات يريدونها لهم، اما العذاب فللمستضعفين... (ان أطعتموهم اضلوكم وان عصيتموهم قتلوكم، قالوا: وما نصنع يارسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)؟ قال: كما صنع اصحاب عيسى نشروا على المناشير، وحملوا على الخشب، والذي نفسي بيده، لَموتٌ في طاعة الله خير من حياة في معصية الله)

وكلامنا الان ليس حول الحد الأعلى مما يجب ان يصنع، بل كلامنا حول الجهاد بالكلمة، فلماذا لا ننطق بالكلمة ولماذا لا نجهر بالحق: الضرائب حرام! وترك المنهج الاقتصادي وراءنا ظِهريّا حرام! يقول امير المؤمنين (عليه السلام): (لنا حق فان اعطيناه، والا ركبنا اعجاز الابل). ولهذه الكلمة مالها من المعنى الكبير...

لماذا لا نحمل رسالة الاسلام الاقتصادية للعالم؟ ان العالم كله يعاني من عدم العودة الى منهج الرسول (صلى الله عليه واله وسلم)، وحتى الدول المتقدمة اقتصاديا تعاني من تَبِعات الضرائب، كالولايات المتحدة الامريكية.

فلو ان حكومةً اسلاميةً طبقت منهج الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) حقا في الاقتصاد، ومنهج علي بن ابي طالب (صلوات الله وسلامه عليه) اما كان الناس سيدخلون من جديد في دين الله افواجا؟

ولذا يدخل الناس افواجا..

ومن هنا نعرف سراً من أسرار دخول الناس في كافة أنحاء العالم، في زمن الامام المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) في دين الله أفواجا؛ لأنهم يجدون المنهج الاسلامي الاصيل، المنهج الاكثر تطوراً وحقّانية وعدالة، من هذه المناهج الوضعية التي يعمل بها الان، منهجا متطورا لا يرقى اليه الخيال في السياسة، في الاقتصاد، في الاجتماع، وغير ذلك، انه منهج اقتصادي يوّفر للناس الرخاء والهناء والسعادة والحرية الحكيمة والازدهار.

وان هذا المنهج موجود الآن بين ايدينا، في القران الكريم، في نهج البلاغة، في الصحيفة السجادية، في التهذيبين، في الكافي الشريف، في الاستبصار، في وسائل الشيعة، في جامع احاديث الشيعة، وغير ذلك من التراث الثّر والمعطاء لأهل البيت (عليهم السلام).

لكن هذا المنهج الاصيل، على السنتنا وفي خطبنا ومحاضراتنا غير موجود، بل انه في عقولنا وقلوبنا – أي بعضنا - غير موجود أيضاً!! وهذه خسارة حقيقية في هذه الدنيا وفي هذا العالم قبل المصير الى ذلك العالم، حيث الخسارة الكبرى والندم الكبير والمحاسبة على التقصير والتفريط الذي وقع منا ـ نحن بني البشر ـ في الابتعاد عن المنهج الالهي العادل والشامل في شتى المجالات والصُّعُد.

في كل يوم (3000) شخص ينتحرون في العالم!

وننتقل الان الى لغة الارقام لنتعرف أكثر على حقيقة ان العالم اليوم يعيش في بؤس ووباء حقيقيين:

فحسب احصاء رسمي[2]: فان في كل يوم ينتحر (3000) شخص في أنحاء العالم، وهو رقم غريب! كما انه يعني انه في كل (30) ثانية تقريباً، فان هناك شخصا ينتحر! ويعني أيضاً انه خلال هذه المحاضرة التي تستمر نصف ساعة تقريبا، فان (60) شخصا ينتحرون في أنحاء العالم، ونحن جالسون!!

ولكن لماذا كل ذلك؟ أليس لأنه وصل هذا الإنسان الى حافة اليأس والاحباط المطبق والمدمر؟، وأليس لأنه مكبل يعيش في ضيق وحبس شديدين؟ ولان الضغوط المادية والمعنوية تحيط به من كل حدب وصوب، فلايرى فرجا ولا مخرجا ولا متنفسا، فلذا يلجأ الى الانتحار.

خمسة ملايين شخص يقدمون على الانتحار في امريكا

وحسب ذلك الاحصاء الرسمي، فان الذين اقدموا على الانتحار في امريكا ـ وان لم ينجحوا ـ بلغ عددهم (5) ملايين شخص!! ومعنى ذلك ان شخصا واحدا من كل (60) شخص في الولايات المتحدة، حاول ان ينتحر!!

مع ان هذه الدولة تعد نفسها اعظم دولة في العالم، وتتبجح بالحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، ولها ما شاء الله تعالى من الثروات بحيث ان ميزانيتها تقدر بالترليونات من الدولارات، وان اقتصادها مما ليس له نظير في التاريخ البشري على اليقين.. ولكن ومع ذلك كله نجد ان (5) ملايين مواطن يقدمون على ابشع عمليه بحق أنفسهم وبحق الانسانية والتي هي صنو (وأد البنات) في الجاهلية المقيتة.

لماذا؟ لأن حياتهم أضحت حياة بؤس، وضنك، تسودها الانظمة الاقتصادية الجائرة والقوانين المشوهة، والعقول الممسوخة.

والغريب: ان ذلك الغربي او الشرقي غير المسلم، يرى ان منهجه – رغم كل ذلك - افضل من منهجي انا المسلم!!، ويرى ان منهجي اسوء من منهجه في الحياة !!؛ وما ذلك إلا لان الاقتصاد الاسلامي الصحيح غير مطبق في بلداننا تقريبا، فلذا لا يدخل الناس في دين الله افواجا، ولماذا يدخلون؟ وهم يرون ان وضعنا الاقتصادي والسياسي و... اسوء منهم، ويرى ان العدالة الاقتصادية وغيرها غير مطبقة، فلماذا يدخلون؟

(الظلم) يُخرج الناس من دين الله افواجا

ذلك الشخص الذي كان في مجلس الحجاج السفاك، فطلب منه الحجاج ان يقرأ، فقرأ: اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يخرجون من دين الله افواجا.. فصرخ به الحجاج وقال: (يدخلون) لا (يخرجون)؟ فقال له الرجل: ذلك كان في زمان النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، اما في زمانك ـ ايها الحجاج ـ فان الناس يخرجون من دين الله افواجا!! وكذلك الحال، ويا للأسف، في زمننا الحاضر... فهل من مدّكر!

المنهج الاسلامي الاقتصادي غير مطبق

وصفوة القول: ان المنهج الاسلامي الاقتصادي في مختلف جوانبه غير مطبق، فلا (الارض لله ولمن عمرها) مطبق، ولا قوله (صلى الله عليه واله وسلم): (دعوا الناس يرزق بعضهم بعضا)، ولا غير ذلك من الاساسيات الاقتصادية الرصينة والتي تحمي البلاد والعباد من الاصر والاغلال التي نشاهدها في عالم اليوم.

ان علينا ان نحمل هذه الراية، وهي: الدعوة الى العودة الى منهج رسول الله (صلى الله عليه واله) في الحياة، فلا ضريبة في الاسلام، الا الخمس والزكاة على المسلمين، والجزية والخراج على غيرهم.

مع ان الخمس والزكاة كلاهما عقليان، قبل ان يكونا شرعيين لان الخمس لا يؤخذ الا على الفائض، بينما الضرائب فهي على المبيعات وعلى الممتلكات وعلى السندات والاوراق المالية، وعلى الاراضي والمتاجر والمخازن وغيرها، وهي تؤخذ من الفقير والغني ومن المعسر والموسر ومن الفائض وغير الفائض، انها تؤخذ من الجميع، ولا ترحم احدا، دون عدل ولا إنصاف ولا وازع من دين أو ضمير!

بينما الخمس، فانه من جهة محدد بـ(20%)، والزكاة في بعض مفرداتها[3] (2.5%)، ومن جهة اخرى فأنها تؤخذ من الفائض والمستغنى عنه فقط[4].

ديون الناس على الحكومة الإسلامية وأموالهم لهم!

وفي الختام: نذكر رواية عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): (من ترك دينا او ضَياعا فعليّ ـ وفي رواية فعليّ واليّ) والديّن واضح، اما الضياع: فهم الاهل، الصغار والنساء الذين هم عرضه للضياع، فهل توجد الان دولة من دول العالم تقول: كل من مات وعليه دين، او ايتام فان الدولة تتكفل بكل تكاليفهم؟! والان في العراق يوجد هناك (5) ملايين يتيم، فمن يتكفل بهم؟!

ان الامام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) سيصنع ذلك كله – بل وأكثر من ذلك - كما صنع ذلك رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ولذلك سوف يدخل الناس عندئذٍ في دين الله افواجا.

ثم يقول رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): (... ومن ترك مالاً فلورثته...).

فهل يوجد افضل من هذا الدين اقتصاديا لعامة الناس؟![5] وهل تجد مثل هذا النظام: ربحك لك ولورثتك، وخسارتك عليّنا. اما الحكومات الوضعية فأنها تقول: ربحك لي، وخسارتك عليك!! خاصة إذا عرفنا ان في بعض الدول تصل الضرائب على الارث الى (70%) في بعض الحالات!!.

وبإيجاز: اذا اردنا ان نكون مشمولين بالرحمة المكتوبة، اضافة الى الرحمة الواسعة العامة، فعلينا ان نتبع الرسول النبي الامي في منهجه في الحياة.

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)

نسال الله تعالى ان يوفقنا واياكم لكي نكون من المتأسين والمقتدين به، وبال بيته الاطهار (صلوات الله عليهم اجمعين)

واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين.

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/arabic/author/10

.........................
[1] - الأعراف: 156 – 157.
[2] - حسب (منظمة الصحة العالمية)
[3] - في الأربعين من الغنم، شاة.
[4] - ومن جهة ثالثة فانها تؤخذ من الموسر بحيث ان من ترتب بذمته خمس او زكاة ثم لم يستطع سداده فلا احد يجبره على بيع ممتلكاته الاساسية من البيت وشبهه ليدفع ما في ذمته، المقرر.
[5] - كما هو الأفضل عقائدياً، وأخلاقياً، واجتماعياً وسياسياً و...!


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (اهل البيت)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك