العودة إلى منهج رسول الله: الحياة الاقتصادية للأمم

(1)


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ).

بمناسبة المولد النبوي الشريف في السابع عشر من شهر ربيع الاول، ومولد الامام الصادق (صلوات الله وسلامه عليهما)، سوف يدور الحديث باذن الله تعالى عن العودة الى منهج رسول الله وأهل بيته الأطهار (صلوات الله وسلامه عليهم جميعا) في الحياة في مختلف أبعادها ومناحيها.. العودة الى منهج الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) في الحياة الاقتصادية للأمم والشعوب.. وفي الحياة الاجتماعية.. وفي الحياة السياسية.. وحتى العلمية والفكرية والثقافية.. وغير ذلك.

الا اننا سنركز الحديث أكثر حول الحياة الاقتصادية للأمم والشعوب إسلامية كانت أم غيرها. فاذا ارادت السعادة الاقتصادية، والنمو الاقتصادي، والتنمية الاقتصادية، والازدهار الاقتصادي، وسلامة البنى الفوقية والتحتية للاقتصاد.. فلا مناص لها إلا من العودة إلى منهج رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) في الحياة الاقتصادية.

والبحث حول ذلك مترامي الأطراف.. ويحتاج الى دراسات ومحاضرات ورسائل وكتب؛ لان البحث يمتد بامتداد البسيطة، بل بامتداد التاريخ، ويتوغل في اعماق كل بيت وحي ومدينة ودولة وأمة.

فنقول بإيجاز شديد:

الأركان العشرة لسلامة الاقتصاد وازدهاره

ان عناصر سلامة الاقتصاد ومقومات التنمية الاقتصادية والازدهار الاقتصادي، هي هذه العوامل التي سنشير الى عناوينها بإيجاز، وعندما نستعرض هذه العوامل سيتضح لنا ان الحضارة الغربية عاجزة تماما مهما بلغت من التقدم في العلوم الاقتصادية والتكنولوجيا والكفاءة الادارية، عن حل (مشكلة الفقر) دون شك او ريب، الا اذا عادوا إلى منهج الرسول (صلى الله عليه واله وسلم)، كما ان الدول الإسلامية، لأنها ليست دولاً إسلامية في منهجها الاقتصادي ككثير من المناهج الأخرى، فان من المستحيل ان تقضي على مشكلة الفقر والبطالة والتضخم والركود وما ينجم عن ذلك من الاضرار والمفاسد الأخلاقية وغير الأخلاقية.

وهذه العناصر والعوامل هي:

1- الإنسان

2- رأس المال

3- الأرض

4- الثروات الطبيعية

5- وسائل الإنتاج

6- العلم

7- الكفاءة الإدارية

8- الإيمان

9- أخلاقيات الاقتصاد

10 - الحكومة الصالحة.

ومجموع هذه العناصر يستحيل للحضارة الغربية واية حضارة أخرى في العالم ان تقوم بتوفيرها ان تمشي على طبق تلك المصالح الواقعية والثبوتية وتلك القوانين التي قررها الله سبحانه وتعالى لمن مشى على ضوء هذه العناصر لكي يصل الى تلك النتيجة وهي القضاء على الفقر والركود والتضخم وما ينجم عن ذلك من مفاسد ومضار اخلاقية وتفكك اسري وما اشبه.

كما ان الدول الإسلامية ليست بمنأى عن ذلك؛ لأنها ـ وللأسف ـ لا تتمتع باقتصاد إسلامي على ضوء المنهج المرسوم من قبل الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه واله وسلم).

وسوف نذكر لكم بعض الاحصاءات، ثم نتناول بعض تلك العناصر الانفة في هذه المحاضرة والمحاضرات القادمة ان شاء الله تعالى:

في كل 3 ثواني يموت طفل في العالم

فبحسب (برنامج الامم المتحدة الانمائي) فانه ـ في ظل هذا الاقتصاد المهيمن الذي تسيره الدول الكبرى ـ في كل (3) ثواني يموت طفل واحد في العالم من الفقر!

وموت الطفل أمر مؤلم جدا، ويكفي ان نلاحظ ان الإنسان في عائلته يتأثر كثيرا وقد يتأمل بشدة عندما يتمرض احد أطفاله فكيف لو مات ابنه أمام عينيه؟.

ومعنى ذلك الإحصاء ان (20) طفلا يموتون في الدقيقة الواحدة، وذلك يعني ان (1,200) طفل يموتون في الساعة الواحدة في أنحاء العالم، وذلك يعني ان (28,800) طفل يموتون في اليوم الواحد، وذلك يعني ان اكثر من (عشرة ملايين)[1] طفل يموتون في السنة الواحدة، في هذه الكرة الارضية الزاخرة بالخيرات، والثروات.

حجم واردات دول مجلس التعاون

وحسب احصاء اخر، قامت به منظمة الخليج للاستشارات الصناعية (جويك) وهي منظمة رسمية معروفة: فان وارد دول مجلس التعاون الخليجي في عام (2010م) كان (663) مليار دولار وهو رقم هائل في عالم الاقتصاد، واما في عام (2011م) فقد قفز هذا الرقم الى (928) مليار دولار.. وهو رقم ضخم وكبير مع ان كل دول مجلس التعاون قد لا يصل تعداد سكانهم الى (40) مليون نسمة[2] والله اعلم.

ومعنى ذلك ان هناك ثروات هائلة اودعها الله في هذا الكون، ورغم ان هناك طرقاً سماوية لحل مشكلة الفقر إلا انه لا يزال هو المخيم على الأرض لأن المنهج الاسلامي الصحيح غير مطبق، ولأن المنهج الغربي والعلماني هو السائد في ارجاء المعمورة.

وكمدخل للبحث يكفي ان نشير إلى ان أمير المؤمنين (صلوات الله تعالى عليه) يقول: (ما جاع فقير إلا بما مُتِّع به غني)، ثم انه حيث طبق النهج الاقتصادي الإسلامي نجد من نتائج ذلك انه قال: (ولعل في الحجاز او اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع..) أي يحتمل ان يكون هناك فقير واحد[3] لا عهد له بالشبع، ولكن ان يموت؟.. كلا.. وذلك رغم قِصر فترة حكومته الإصلاحية ورغم انشغاله الشديد بالحروب الثلاثة التي أثيرت ضده.

معالم المنهج الاسلامي للاقتصاد

فما هو هذا المنهج الإلهي الأصيل؟ نقول: ان بعض معالمه من الممكن أن نشير إليها ههنا باختصار وإيجاز:

1- الإنسان في منظومة حدود الله

1- (الإنسان): وهو الركن الاول في الاقتصاد السليم المزدهر، وهذا هو ما أهملته الحضارة الغربية رغم تشدقها بحقوق الإنسان، ويظهر ذلك بوضوح عندما نلاحظ ان الله تعالى حرم الخمر وكذلك الزنا واللواط والربا وغير ذلك من المحرمات، بينما عمدت الحضارة الغربية الى اباحة ذلك، والترويج له بكل الوسائل, وذلك مع ان هذه المحرمات كانت تستهدف الانسان مباشرة، في كل نواحيه ومنها الناحية الاقتصادية، والمأساة ان البرلمانات الغربية، بل حتى الشرقية والإسلامية منها، تشرّع وكأن الله تعالى غير موجود، وكأنه لا قانون للإسلام في السياسة والاقتصاد وغيرها، فكأنها ترى نفسها ـ عملياـ شريكا لله تعالى في التقنين، لذا نجد (الخمرة) مثلاً محللة في كثير من الدول ومسموح بها عملا، وهكذا المحرمات الأخرى المعروفة.. ولكن إذا كان الناتج من ذلك؟ هذا ما تفصح عنه (لغة الأرقام) والتي نقتصر منها على الإحصاء التالي فقط:

2 مليون ونصف يموتون جراء احتساء الخمرة في العالم!

فحسب إحصاء لـ(منظمة الصحة العالمية) فان الذين يموتون سنويا جراء شرب الخمرة واحتساء الكحول من الشباب في الفئة العمرية (15ـ 29سنة) يصل الى (320) ألف شاب!.

لكن.. ومع ذلك نجد الكثير من الحكومات والدول والكثير من الناس، يرفضون منهج الله تعالى في تحريم الخبائث والذي جاء من اجل سعادة الإنسان نفسه!.

وكذلك حسب إحصاء اخر لهذه المنظمة: فان من يموتون من كل الفئات العمرية جراء احتساء الخمرة هم (2,500,000) مليونان وخمسمائة ألف إنسان سنويا، وحسب تعبير المنظمة انهم يموتون من (سوء استخدام الكحول).

وبقطع النظر عن الجوانب الصحية والاخلاقية والروحية والمعنوية، فان الضرر الذي يلحق الاقتصاد من خلال احتساء الخمرة وفتكها بالأرواح والعقول، كبير جدا، اذ كيف يمكن لرجل سكير مثلا ان يدير بكفاءة وحكمة شركة أو مؤسسة مالية أو صناعية؟ وكيف لرجل سكير ان يربي جيلا في الجامعة او المدرسة؟! بل كيف يمكن له ان يقود سيارة في الطريق؟! ونحن نرى ونسمع الكثير من الحوادث المرورية التي تحدث في العالم جراء السكر وتناول الكحول، وهي تفتك حتى بأرواح أولئك الذين لا يتناولون الخمرة أيضا. وكم من الاموال تتكبدها المستشفيات في العالم جراء ذلك، لمعالجة المدمنين على الكحول او لمعالجة ما ينجم عن السكر من حوادث كالسرقة والتعدي والاغتصاب وغير ذلك وكم من الخسائر الأخرى من هدر الطاقات والامكانيات يتكبدها المجتمع لمجرد نشوة ينتشيها السكير المتسكع والمترنح في الحانات والنوادي التي تعلن الحرب على القران والاسلام والإنسان جهارا نهارا، ثم يأتي المشرعون من السياسيين في الغرب والشرق فيقننون لتلك القوانين التي تمنح أولئك – من بائعين ومروجين وشاربين – الحصانة!.

ان الانسان هو الركن الاول في الاقتصاد السليم، وهذا البحث معهود عادة عند المتدينين، لكن العناوين الاخرى قد تكون اقل أنسا بها، فينبغي التوقف عندها والتأمل فيها طويلا.

2- ثروات الأرض للناس كافة لا للحكومات

(الثروات): ان لله تعالى منهجاً في الثروات الطبيعية في الارض وقوانين ودساتير ومنها قوله تعالى (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)[4]، فالثروات إذن كلها للناس وليست للحكومات.

وقد سمعتم ان وارد العراق من النفط قارب (100) مليار دولار في هذه السنه المنصرمة (2012م)[5]، علما ان نفوس العراق حسب احصاء (2011م) يبلغ (32,600,000) تقريبا.

ونحن نقول للحكومة وغيرها من الحكومات: ما الضير في توزيع جزء من هذه الأموال الطائلة على الناس لاسيما الفقراء والارامل والعاجزين منهم؟ وذلك حسب منهج رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) حيث كان لا يبقي درهما واحدا في بيت المال ليلةً واحدة

توزيع ما في بيت مال المدينة والبصرة زمن أمير المؤمنين

وحسب منهج امير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) والذي عُرف عنه انه وزع بيت مال (المدينة) على الناس، فوصل لكل منهم ثلاث دنانير، أي وزع كل ما في بيت مال المدينة على كل فرد فرد - وليس لكل رب اسرة -، أي الرجل، والطفل، والمرأة، والشريف، والوضيع، وهذا معروف ومشهور.

ولكن من غير المعروف ان الأمير (صلوات الله وسلامه عليه)، وزع بيت مال (البصرة) على أهاليها، فكان لكل منهم (500) درهم!.

فهل هذا المنهج مطبق الان في العراق او غيره من الدول الاسلامية فضلا عن الدول الغربية؟، والا يعلم الجميع بان الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وهو الحاكم على تسع دول بجغرافية اليوم، كان لا يبقي في بيت المال شيئا؟

ولا نقول – تنزُّلا – وزِّعوا جميع الواردات على الشعب، بل ليوزّع قسم منها على الناس – إن رفضتم ان توزعوها كلها كما كان يصنع الامير (صلوات الله وسلامه عليه) -، ولو ان الفرد الواحد حصل على (1000) دولار في السنة فان العائلة المكونة من (10) أشخاص، ستحصل على (10,000) دولار، وهو مبلغ جيّد نسبياً ويسد بعضاً من احتياجات العائلة الكبيرة من الزواج او السكن او العمليات الجراحية او غير ذلك، وهذا كله لو وزّعت الدولة فقط اثنين وثلاثين ملياراً وستمائة مليون دولار، على الناس وأبقت بقية المبلغ – وهو أكثر من ستين مليار دولار – لنفسها!.

وكلامنا عن النظام الحاكم على وجه البسيطة وليس عن حكومة خاصة او فئة معينة، فان المنهج الحاكم اليوم هو المنهج العلماني الغربي مع شديد الاسف حتى وان كتبت الحكومات في دساتيرها: (الاسلام دين الدولة الرسمي..).

ثم ان الغريب ان هذه الدول كلما تزداد ثراء ـ من اموال الناس ـ تبقى سائرةً على نفس منهجها السابق من عدم توزيع الفائض على رعاياها.

مثلا: انتاج العراق من النفط في الوقت الحاضر يصل الى (3) مليون برميل يوميا[6]، لكن من المخطط له في المستقبل غير البعيد، ان يصل الانتاج الى (10) ملايين برميل يوميا، وعندها سيصل وارد العراق الى مئات المليارات من الدولارات وقد يبلغ التريليون دولار، حسب تقلبات السوق النفطية، لكن هل سيصل الى الفقراء والمعوزين ما يسد حاجاتهم واحتياجهم؟ وهل ستعود الحكومة الموجودة وكل الحكومات الاخرى في شرق الارض وغربها الى منهج القران (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً...) ومنهج الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) فتعطي للناس أموالهم؟.

اين تذهب هذه الاموال الطائلة التي اعطاها الله تعالى للناس، فصارت بأيديكم ايها الحكام؟ وأليس من الواجب الشرعي والإنساني على الحكومات أن تعطيها للفقراء والارامل والايتام والضعفاء والمستضعفين من الناس؟

والا نستمع لأمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) إذ يقول: (او ابيت مبطانا وحولي بطون غرثى واكبادٌ حرى؟)

الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) يأمر بلال ان يريحه من الدينارين!

وفي رواية مطولة ان النبي الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) تراكمت عليه ديون في يوم ما، وهدّد الدائن بعض أصحاب الرسول في حال عدم سداد الدين... ثم بعد ذلك وصلت بعض الهدايا الى الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وهي اربع جمال محملة بالثروات من عظيم فدك.. فدفعها النبي (صلى الله عليه واله وسلم) الى بلال ليقضي منها ديونه، فقام بلال بذلك، وبقيت هناك بقية وهي عبارة عن دينارين فقط، فجاء بهما بلال الى النبي الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم)، وقال: لقد قضيت ديونك يا رسول الله، وبقيت من ذلك بقية، وهي ديناران فماذا افعل بهما؟ فقال (صلى الله عليه واله وسلم): (انظر ان تريحني منهما، فلست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منهما)!

هذا هو منهج رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، اما الان فتجد البنوك وخزائن الدولة مليئة بمليارات الدولارات وكما تحتجز الدولة أنواع الثروات الطبيعية والزراعية والصناعية وتعتبرها ملكاً لها، والناس يتضورون جوعا ويكابدون الأمرّين..

(انظر ان تريحني منهما) هذه العبارة العظيمة لو عمل بها العالم لتغير الحال على وجه البسيطة، بينما الحكومات - والكثير من السياسيين - تقول: فلنملأ جيوبنا وارصدتنا!

المنهج الاقتصادي الإسلامي غير محكوم بشرائط الزمان والمكان

وقد يقول قائل: ان الحال الان يختلف عنه في السابق أي في عهد رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فلا يمكن توزيع الثروات بهذه الطريقة!

قلنا:

1- حلال محمد (صلى الله عليه واله وسلم) حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة، هي قاعدة مسلمة وتدل عليها الآيات – ومنها الآية التي افتتحنا بها البحث والروايات –.

2- اذا كان النبي الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) مرتبطا بالوحي والسماء – وهو كذلك قطعاً - فهو غير محكوم بظروف الزمان والمكان بل هو المحيط بخصائص البشر وحالاتهم وما يصلحهم ويفسدهم وبمقتضيات الزمان والمكان إلى يوم القيامة لانه أرسل إلى الناس كافة؛ ليهديهم إلى المنهج الصحيح في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهذا ما بينته الآيات والروايات الكثيرة ومنها (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) وهي عامة ومطلقة في المنهج والسلوك والعقيدة والأخلاق والاقتصاد والسياسة وغير ذلك. فما جاء به النبي (صلى الله عليه واله وسلم) يصلح لجميع البشرية في مختلف تقلباتها وأحوالها.. والا كان ذلك مساوقاً لعدم خاتمية الدين الإسلامي وعدم صلاحيته لكل زمان ومكان.

وسوف نبين في المستقبل ان شاء الله تعالى كيف ان المناهج الإسلامية كالاقتصادية والاجتماعية عامة شاملة وصالحة لكل زمان ومكان.

ان المشكلة الكبرى هي ان كل الثروات التي اودعها الله تعالى في العالم، تصب بالدرجة الأولى في جيوب الحكومات المسيطرة والاعم الاغلب منها، يذهب إلى صناعة الأسلحة تصديراً أو استيراداً، والعنجهية وتكريس الدكتاتورية ولو بقالب منمق من الديمقراطية...

يقول تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ) فهم يتبعون الرسول (صلى الله عليه واله وسلم)، لا مناهج الغرب أو الشرق في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والأحوال الشخصية وغيرها وقوله تعالى (الرَّسُولَ) ذو دلالةً بالغة، فانه رسول الله، فمن يخالف أوامره ومناهجه فقد عصى الله تعالى. (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ[7] وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ[8] وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ[9] الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ).

نسال الله تعالى التوفيق لنا ولكم لكي نكون ممن يحمل راية العودة الى منهج رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) في الحياة.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/arabic/author/10

.........................................
[1] - وبالضبط 10.512.000.
[2] - حسب إحصاء عام 2008 يبلغ عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي 37 مليون وستمائة ألف.
[3] - وليس ألوف الفقراء أو حتى مئات الفقراء!
[4] - سورة البقرة: 29.
[5] - أعلنت وزارة النفط (ان صادرات النفط الخام لعام 2012 بلغت 886 مليون برميل و80 ألف برميل وان الإيرادات المتحققة بلغت 94 مليار و25 مليون دولار) وهذا طبعاً غير ما تحصل عليه الدولة من سائر الثروات ومن الضرائب!
[6] - علما ان كمية الانتاج اكثر عادة من النفط المصدر؛ وذلك لاحتياج البلد للاستخدام المحلي ـ المُقررـ
[7] - الإصر هو الحمل الثقيل.
[8] - عزّروه أو عظّموه.
[9] - النور في التنزيل هو القران الكريم وفي التأويل هو الإمام علي (صلوات الله تعالى وسلامه عليه) ولا مانعة جمع بين التأويل والتنزيل لان احدهما بطن والآخر ظاهر.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (اهل البيت)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك