حب الدنيا: رأس كل خطيئة

بمناسبة استشهاد السبط الأكبر الحسن بن علي

1985 2017-10-28

الحديث عن حياة السبط الأكبر الحسن ابن علي (عليه السلام) صعب مستصعب ومملوء بالحزن والألم، لما جرى عليه من الظلم والمصائب، ومن غدر أصحابه الذين لم يكونوا على درجة عالية من الإيمان، والذين نقضوا عهدهم بسهولة، وكانوا ممن غرتهم الدنيا بجمالها وباعوا دينهم لأجل دنياهم، إلا فئة قليلة ممن كانوا راسخين في العلم والبصيرة والإيمان، وهم من أصحاب العقيدة الحديدية والمبادئ الراسخة، حيث تحملوا أنواع القهر والعذاب والإقصاء، ولم يتركوا التمسك بالدين الحنيف طرفة عين.

فكما ورد في النصوص التاريخية إن الإمام الحسن (عليه السلام) عندما أراد أن يحارب معاوية وجّه جيشا الى الشام بقيادة رجل يدعى "الحكم" ولما ورد "الحكم" الى الأنبار أرسل إليه معاوية بالأموال والوعود فأغراه بالهروب إليه، وهرب الحكم فالتحق بمعاوية ولما بلغ نبأه الإمام قام خطيباً في من بقي من الجيش فقال: ‏هذا الكندي توجه إلى معاوية وغدر بي وبكم وقد أخبرتكم مرة بعد مرة:أنه لا وفاء لكم أنتم عبيد الدنيا وأنا موجه رجلا آخر مكانه وأنا أعلم إنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه لا يراقب الله فيّ ولا فيكم.

‏فبعث إليه رجلا من مراد في أربعة آلاف وتقدم إليه بمشهد من الناس وتوكّد عليه وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي، فحلف له بالأيمان التي لا تقوم لها الجبال، انه لا يفعل، فقال الحسن إنه سيغدر*1ثم ذهب وذكر غدره بالإمام (عليه السلام) وهكذا الحال مع بقية الجنود أيضا حيث اشتراهم معاوية بمبلغ ضئيل وتركوا الجهاد وأجبروا الإمام الحسن على الصلح كي يحافظ على حياة أصحابه الخلص الذين كانوا يعدون بالأصابع.

وقد جاء فيما جاء من خطبة الإمام (عليه السلام) في ذم أصحابه لتثاقلهم عن الجهاد، حيث يقول عليه السلام:

‏أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام، ذلة ولا قلة، ‏ولكن كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع وكنتم تتوجهون معنا ودينكم أمام دنياكم وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم، فكنا لكم وكنتم لنا وقد صرتم اليوم علينا*2.

إن غربة الإمام الحسن (عليه السلام أبلغ) من خيانة أصحابه وغدرهم بل وحتى زوجته التي يجب أن تكون هي السند الأول لزوجها غدرت به، فكما هو متعارف يرجع الرجل في حالات القهر والغدر والكآبة إلى بيته وعائلته أو بالأحرى إلى زوجته، لأنها شريكة حياته في الجميل والقبيح، حتى وإن لم يتكلم الرجل عن آلامه لشريكة حياته، تبقى هي ملاذ روحه وسكنه كما قال الله سبحانه وتعالى بأن: جعل لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها.

ولكن زوجة الإمام الحسن انخدعت بوعود معاوية وباعت هي الأخرى دينها بدنياها، وجنة الفردوس بدراهم معدودة ووعود واهية، وأصبحت عملة رخيصة بيد معاوية، لأن الأخير شعر بخوف تجاه موقف الإمام الحسن (عليه السلام) بعد ما رجع من العراق الى المدينة المنورة بعد التوقيع على الهدنة، استقبله أهلها بحفاوة بالغة لأنه سبط النبي الأكرم صلى الله عليه واله بعدما عرف الامام الحسن (عليه السلام) خيانة معاوية لكل المواثيق والعهود وتمرد معاوية على الحق والدين، قام الامام بفضح بني أمية وعدائهم للإسلام عامة ولأهل البيت خاصة، لذا عمد إلى تربية أصحابه تربية خالصة لله وسياسة واعية للأحداث وقد رباهم الإمام تربية إيمانية حقة وتربية روحية فائقة ليكونوا أداة للحق ولينشروه.

عندئذ تيقن معاوية بأن الإمام يقف له نداً أمام تحقيق رغباته وهو له بالمرصاد، ولأهدافه المنحرفة والمتردية ومنها تعيين يزيد ابنه وصياً له، لذا كان يخشى القيام بثورة ضد الإمام الحسن من تمسك أهل المدينة به والدفاع عنه، فعمد معاوية لانتهاز الفرص والخديعة للوقوع بالإمام الحسن لذلك بعث معاوية إلى ملك الروم رسولا يطلب سما قتالا فبعث السم الى معاوية، وبعث معاوية الماكر إلى جعدة بنت الأشعث زوجة الإمام الحسن (عليه السلام) مبلغاً من المال وجعل يمينها بإرساله مالاً اكثر ويزوجها من ابنه يزيد، عندما حمل إليها السم لتسقيه الإمام الحسن (عليه السلام)، فوافقت الخائنة على هذا الاتفاق والغدر وقتل زوجها مقابل المال وتزويجها من يزيد وفعلت فعلتها، ولكن بعد ان دست السم قال لها الإمام الحسن (عليه السلام): والله لا تصيبين مني خلفاً ولقد غرّك وسخر منك والله يخزيك ويخزيه.

وبالفعل معاوية غدر بجعدة وهذا هو دأبه وخيانته حيث لم يف لها بأي وعد وعدها به، وهناك رواية تقول فقط أوفى بها بالمال ولكنه لم يزوجها يزيد حيث قال قولته: من لم تف مع الحسن (عليه السلام) ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله فلا وفاء لها مع يزيد*3.

هكذا خسرت صلتها بسيد شباب أهل الجنة وأصبحت من الذين ينعتون بالسوء في الدنيا قبل الآخرة، حيث تزوجت بعد الامام الحسن وأصبح لديها أطفال وكان يقال لأطفالها عند المشاجرة

«بنی مسممة الأزْواج‌».. هكذا تحمل إمامنا الغريب جور الزمان وغدر أصحابه وزوجته، ولكن غربته عليه السلام وصلت إلى أعلى المراتب، عندما هوجمت جنازته بالسهام ولم يدفن عند قبر جده صلى الله عليه واله، فقد دفن في البقيع دون أي مرقد ومزار، هكذا فعلوا بمن قال النبي الأكرم صلى الله عليه واله عنه مرارا وتكرارا :الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.

وهذه قبسات من كلماته النورانية في لحظاته الأخيرة، حيث روى صاحب (كفاية الأثر) بسند معتبر عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلت على الحسن بن علي عليه السلام في مرضه وبين يديه طست يقذف عليه الدم و يخرج كبده قطعة قطعة من السم فقلت له عظني يا ابن رسول الله فقال :نعم استعد لسفرك وحصّل زادك قبل حلول أجلك واعلم انك تطلب الدنيا والموت يطلبك ولا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه واعلم أنك لا تكسب من المال شيئا فوق قوتك إلا كنت فيه خازناً لغيرك واعلم أن في حلالها حساب وفي حرامها عقاب.

هكذا ودّع إمامنا الحسن (عليه السلام) هذه الدنيا الفانية ولحق بجدّه صلى الله عليه وآله، في أعلى عليين، وهكذا خسر معاوية وأتباعه وجميع أبناء الدنيا مبادئهم وإيمانهم وتركوا أسمائهم في قائمة الأشقياء على مر التاريخ، حيث لازالت الدنيا تغرّ أبناءها بشتّى السبل وتقضي عليهم بدهائها، صدق رسول الله عندما قال حب الدنيا رأس كل خطيئة.

-----------------

المصادر:
‎1-الخرائج :ج2ص567
بحار الأنوار ج44ص 44
‎2-أعلام الدين للشيخ الحسن الديلمي من أعيان القرن الثامن الهجري :ص292
بحار الانوار ج44ص21


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (اهل البيت)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك