الامام الحسن ومبدأ اللاعنف في ادارة الدولة


كثرت الاحاديث والروايات حول وصف الامام الحسن المجتبى فقد قيل انه كان عليه السلام سيّداً كريماً حليماً زاهداً، ذا سكينةٍ ووَقارٍ وحُشمة، جَواداً مَمدوحاً، ومن كبار الأجواد، وله الخاطر الوقاد، والسيّد المُحبَّب، والحكيم المقرَّب، هذا مارواه ابن حجر و سبط ابن الجوزيّ و أبو نعيم. ونقل ابن أبي الحديد عن المدائني قولَه: وكان الحسن (عليه السّلام) سيّداً سخيّاً حليماً خطيباً. فكيف لايكون كذلك وهو سبط الرسول وابن البتول فقد تحدثت العديد من الرويات حول قربه الكبير عليه السلام من الرسول الكريم عليه الف الصلاة والسلام..

فما أن ترعرع الإمام الحسن وأخذت قدماه تدبان على الأرض حتى وجد من صدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحب الذي لم يلقاه مولود من قبل فكان يلاعبه ويعلن عن حبه ومنزلته للأمة. فقد كان (صلى الله عليه واله وسلم) يصطحب الإمام الحسن عليه السلام، إلى المسجد وإلى المواقع المتعدّدة التي يتواجد فيها، ومن خلال هذا القرب وهذه المصاحبة أحاط الإمام الحسن عليه السلام بالعلوم والمعارف والمفاهيم والقيم، من طرق شتّى، ويأتي التسديد الإلهي والإلهام في طليعتها؛ باعتباره من الصفوة المختارة من قبل الله عزّ وجلّ، زيادة على التعلّم المباشر والاستماع إلى توجيهات رسول الله صلّى الله عليه وآله مباشرة.

لذا كانت سياسة الامام الحسن عليه السلام هي مكملة وممهدة لسياسة جده النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم فكانت تتسم بسياسة اللاعنف والنهضة والسلام اضافة الى الحكم الرشيد، فسياسة الامام المجتبى عليه السلام كانت نبراس والارض الخصة التي خططت لقيام ثورة الامام الحسين عليه السلام على الظلم.

فقد اكد العديد من الباحثين والمفكرين والعلماء على دور الامام الحسن عليه السلام المهم في الثورة النهضوية للامام الحسين عليه السلام، ومنهم سماحة الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي – قدس سره- في كتابه "ثورة الامام الحسن"، حيث يؤكد أن "دور الامام المجتبى، عليه السلام، كان حساساً وصعباً اكثر من دور سيد الشهداء، عليه السلام، لان الامام الحسن، كان عليه أن يهيئ الارضية الصالحة للنهضة المباركة، وقد قام الامام الحسين، بتلك النهضة الحقّة...". وفي موقع آخر يقول سماحته: "ان مسؤولية الامام الحسن، عليه السلام، كانت أصعب وأهم من مسؤولية الامام الحسين، عليه السلام.."

سياسة الامام الحسن تمهيدا لثورة عاشوراء

هناك رواية مشهورة عن النبي (صلى الله عليه وآله) حيث قال: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)، فبالإضافة إلى كون الإمام حجة الله على أرضه وكل عمل يقوم به هو بأمر الله تعالى وفي صالح الإسلام والمسلمين، فإن الإنسان يمكنه وبقليل من المطالعة والتحليل السياسي لذلك الزمان الذي عاشه الإمام الحسن (عليه السلام) وبمعرفة الشرائط الاجتماعية والدينية والسياسية الحاكمة في مجتمع ذلك اليوم، أن يعرف صواب موقف الإمام الحسن (عليه السلام) ودوره العظيم والذي كان حساساً جداً ومناسباً تماماً، فإنه عليه السلام قام بواجبه الشرعي بأفضل صورة من أجل الحفاظ على الإسلام والمجتمع الإسلامي.

وعليه فإذا طرح السؤال التالي: هل إن الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام) كان لهما هدفان مختلفان ونمطان متعاكسان من التفكير ففي الجواب نقول: من دون ترديد بأن الإمامين الهمامين (عليهما السلام) كانا على هدف واحد ولكن قاما بأسلوبين مختلفين كل بمقتضى شرائط زمانه وحسب أمر الله عزوجل.

وربما يمكن القول بأن دور الإمام المجتبى (عليه السلام) كان حساساً وصعباً أكثر من دور سيد الشهداء (عليه السلام)، وذلك لأن الإمام الحسن (عليه السلام) كان عليه أن يهيئ الأرضية الصالحة للنهضة المباركة، وأن الإمام الحسين (عليه السلام) قام بتلك النهضة الحقة، لأن النهضة الموفقة تحتاج أولاً إلى إعداد الأرضية والتخطيط المنظم والدقيق، حتى يمكن إجرائها بنجاح، فنبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) مثلاً كان شجاعاً مجاهداً لكنه في مكة المكرمة قد قام بتهيئة الأرضية المناسبة للأمة الإسلامية فوضع الأسس في مكة وقام بمرحلة التنفيذ والتطبيق في المدينة.

إن النهضة الموفقة دائماً تحتاج إلى الإعداد السابق، وكان الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) قد قام بهذا الدور المهم، فلو لم ينهض ولم يقبل بالصلح بتلك الشروط المذكورة في التاريخ، وبشكل عام إذا لم يتخذ الإمام الحسن (عليه السلام) ذلك الموقف المناسب، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يتمكن من القيام بنهضته المباركة، والدليل على هذا الكلام أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم ينهض فوراً عند تسلمه لمنصب الإمامة بل صبر وتحمل بعد استشهاد أخيه الإمام المجتبى (عليه السلام) تسع سنوات حتى تتهيأ وتعد الأرضية الكاملة للقيام والنهوض.

ولذا يلاحظ في طول التاريخ أن الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) كان قسم منهم قد أقدموا على الحرب والجهاد ضد الطواغيت والقسم الآخر (عليهم السلام) كان يتجنب الحرب ويسعى في إعداد المؤمنين، فلم كان هذا الاختلاف؟ إن النهضة الصحيحة هي عبارة عن الحياة ومقوماتها، فإذا كان البناء والإعمار بحاجة إلى مقدمات وأسس، بحيث إن لم يتوفر الحديد والإسمنت والأبواب والشبابيك وأخيراً العمال، فإنه من غير الممكن أن ترى بناءً قد قام وأخذ شكله، وهكذا يكون البناء الاجتماعي الصحيح.

لقد قام الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام) بأداء رسالة واحدة، ولكن نصفها قد أداه الإمام الحسن (عليه السلام) بالإعداد الكامل وتهيئة الأرضية اللازمة، ونصفها الآخر قد قام بأدائه سيد الشهداء (عليه السلام) بقيامه المقدس والدامي. وقد سبق أن مسؤولية الإمام الحسن (عليه السلام) كانت مهمة وصعبة جداً، ربما أصعب من مسؤولية الإمام الحسين (عليه السلام)، وذلك لأن مسؤولية الإعداد أصعب من تفجير النهضة والقيام المسلح، لأن الشخص الذي يريد بناء وتربية جيل على المفاهيم الصحيحة، فمن دون شك وترديد لابد من أن يلاقي صعوبات عديدة، وربما يهان، كما أنه يحتاج إلى برنامج منظم وزمان طويل ومخطط دقيق على المدى البعيد، والكوادر الصالحة والتقية والاحتياط من أجل المحافظة على هذا الجيل في حال الإعداد والبناء، وعوامل البقاء خلال عشرين أو ثلاثين سنة أو أكثر، وأخيراً فهو بحاجة للاستعداد الكامل لتحمل الكلمات الجارحة وأن يكون بعيداً عن كل مدح وثناء.

أما الإنسان الذي ينهض سواء انتصر أو انكسر، فإنه سيحصل على مدح وثناء الناس، وتميل إليه قلوبهم، بعكس الإنسان الأول الذي خطط وأعد واستعد فإنه عادة يبقى من دون مدح وثناء من قبل الناس، تماماً كالبذرة تحت التراب فإنها تتحرك وتتحرك إلى أن تظهر من تحت التراب وتنمو ويشتد عودها، وتخضر ثم تورق وتزهر وتعطي ثمارها، والناس لا يرون إلا الثمرة وربما نسوا فضل البذرة، أما قبل نموها فلا يظهر شيء منها، فإن البذر تحت التراب لا يظهر منه جمال ولا رائحة ولا لون ولا نضارة ولا طعم، مع أن كل هذه تترتب على حركة البذرة تحت التراب. وفق شبكة النبأ المعلوماتية.

ومن هنا يعرف مدى أهمية مسؤولية الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ودوره العظيم، فإنه كان يشكل القسم المهم من النهضة المباركة، وأن رسالته ورسالة أخيه الإمام الحسين (عليهما السلام) كانت واحدة ولكن تتشكل من قسمين، وهل هذا من أسباب ما ورد من أن الإمام الحسن (عليه السلام) هو أفضل وأعلى مرتبة من الإمام الحسين (عليه السلام) كما صرح بذلك سيد الشهداء (عليه السلام) في يوم عاشوراء حيث قال: "أخي خير مني".

معاهدة الصلح

تسلم الامام الحسن، عليه السلام، مقاليد الأمور بعد استشهاد أبيه، عليه السلام، كان يعلم علم اليقين بحقيقة اهل الكوفة، وما صنعوه بأبيه من قبل. لذا كان الخيار ليس الحرب والمواجهة في الميدان، إنما المواجهة والحرب على صعيد النفس والضمير. فكانت الثورة... وكانت الهزّة العنيفة في النفوس للتنبيه من الواقع الفاسد، وفي مرحلة تالية؛ محاربته والسعي الدائم لإزالته. وهكذا كانت الخطوة التاريخية التي اتخذها الامام الحسن المجتبى، عليه السلام، بتنازله عن الحكم والقيادة السياسية (الظاهرية)، عندما اتسقت كل الامور لمعاوية ونظام حكمه. وفق شبكة النبأ المعلوماتية.

رغم مرور حوالي أربعة عشر قرناً لا زال المؤرخون المتأثرون من قريب أو بعيد بتاريخ ودعايات وروايات بني أمية يظلمون الامام الحسن بن علي أمير المؤمنين عليهما السلام بخصوص "ميثاق الصلح" الذي قام بين سيد شباب أهل الجنة (ع) وبين الطليق أبن الطلقاء "معاوية بن أبي سفيان" في 26 ربيع الأول سنة 41 للهجرة حقناً لدماء المسلمين ودفعاً للفرقة والنفاق والتشتت والانقسام واندحار الرسالة النبوية الشريفة .

ففي تلك الظروف العصيبة التي كانت تمر بها الأمة بعد اغتيال أمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب عليه السلام بسيف القاسطين والمارقين والمنافقين والخارجين عن دين الله سبحانه وتعالى، والفوضى التي عمت بسبب الاعلام الأموي المسموم والضال في الكوفة مما دفع بالكثير من "اصحاب" وأعداء الامام الحسن بن علي (ع) التخطيط والعمل على اغتياله إرضاءً لأبن هند آكلة الأكباد وبث الدعايات المسمومة والمغرضة مما أدى الى انقلاب الواقع والحقيقة وانتصار الشر على الخير كما هو مألوف لدى عرب الجاهلية والقبلية على مر السنين والقرون .

أدرك الامام الحسن (ع) أبعاد المؤامرة وكشف الجواسيس، وأرسل الى "معاوية" يدعوه الى التخلّي عن انشقاقه وعصيانه ضد الخلافة الألهية التي نص وعهد بها الرسول (ص) بناءاً على بيعة "الغدير" وما أوصى به الخاتم في حديث الثقلين برواية جميع كتب العامة وهو"إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا"، وهو الذي "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى.. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" 3و4 سورة النجم . فأرسل "معاوية" رسالة جوابية يرفض فيها مبايعة الامام الحسن (ع)، وتبادلت الرسائل بين الامام (ع) و"أبن هند" وتصاعد الموقف المتأزّم بينهما حتى وصل الى حالة إعلان الحرب. وفق شبكة الشيعة العالمية.

الأمر الذي دفع بالامام الحسن (ع) ورغم كرهه لذلك بأن يسير بجيش كبير حتى نزل في موضع متقدم عرف ب"النخيلة" فنظم الجيش ورسم الخطط لقادة الفرق؛ ومن هناك أرسل طليعة عسكرية في مقدمة الجيش على رأسها "عبيد الله بن العباس" و"قيس بن سعد بن عبادة" كمساعد له؛ لكن مجريات الأمور والأحداث جرت خلاف المتوقع؛ وفوجىء الامام المجتبى (ع) بالمواقف المتخاذلة من انصاره وقادته والمقربين له، منها:

1/ خيانة قائد الجيش "عبيد الله بن العباس" الذي التحق بركب "معاوية" لقاء رشوة تلقاها منه رغم أن الأخير كان قد قتل أثنين من أبنائه.

2/ خيانة زعماء القبائل في الكوفة الذين أغدق عليهم معاوية الأموال الوفيرة فأعلنوا له الولاء والطاعة وعاهدوه على تسليم الإمام الحسن (ع) له.

3/ قوّة جيش العدو في مقابل ضعف معنويات جيش الامام (ع) الذي كانت تستبد به المصالح المتضاربة.

4/ الدعايات والاشاعات التي أخذت مأخذاً عظيماً في بلبلة وتشويش ذهنية المجتمع العراقي.

وأمام هذا الواقع الممزّق وجد الامام الحسن بن علي (ع) أن المصلحة العليا تقتضي عقد "معاهدة صلح" مع طاغية محتال "معاوية" حقناً للدماء وحفظاً لمصالح المسلمين والدين الاسلامي الحنيف. فوقع "معاوية" على "معاهدة الصلح" الذي وضع الامام الحسن (ع) شروطه بغية أن يحافظ على شيعة ومحبي وأتباع أهل البيت (ع) وترك المسلمين يكتشفون ماهية "معاوية" الحقيقية بأنفسهم ليتسنى للامام الحسين (ع) فيما بعد كشف الغطاء عن بني أمية وتقويض دعائم ملكهم.

النضج السياسي للامام الحسن(ع)

اختيار الصلح كان يعبر بعمق عن نضج سياسي وبعد نظر خاصة إذا لاحظنا إستراتيجية حركة الإمامة ككل. ولكن بعد المقارنة بين الممكنات والأساليب عند كل من الإمام الحسن (عليه السلام) ومعاوية بقي أن نسأل عن الأهداف: فما هي أهداف معاوية من الصلح وماذا حقق؟ وما هي أهداف الحسن (ع)؟ والى أي مدى حقق تلك المرامي؟!

أما بالنسبة لمعاوية فهدفه المركزي واضح؛ وهو الوصول إلى المنصب وتكريس سلطته على رقاب المسلمين وهو يعلم أنه لن يصل إلى المنصب إلا بتنحي الحسن بطريقة أو بأخرى فمع وجود الحسن لن تدين له كل الأمة بالطاعة. وهو إن حاول اغتيال الحسن (عليه السلام) لنفس الغاية إلا أنه قطعاً يرغب في تحقيق الهدف بالصلح لأنه أقل كلفة، ومن هنا ما كان ليرغب في قتال إن أمكن بلوغ مطامعه بدون سفك دماء.

والهدف الثاني: إرجاع مجد الأمويين الذي اندثر مع الإسلام لتعلو كلمة الله وكلمة رسوله وأهل بيته (عليهم السلام) وهذا ما كان يغيظ معاوية ويزيده حنقاً وسخطاً على علي وبني هاشم عموماً، فلم

يكتف بغصب الخلافة من أصحابها الشرعيين بل سعى لجعلها وراثة في عقبه بأخذه ولاية العهد لابنه يزيد!

والهدف الثالث: الثأر من بني هاشم؛ فها هو معاوية يكتب لعماله بعد أن علم إصرار الحسن على القتال يستحثهم على القدوم إليه وحشد الجند فهنأهم بإصابة الثأر بقتل علي (عليه السلام) فأقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم وحسن عدتكم فقد أصبتم بحمد الله الثأر وبلغتم الأمل وأهلك الله أهل البغي والعدوان والسلام عليكم(.

أما الإمام الحسن فكان يستهدف أساساً من الصلح أربعة غايات أساسية:

أولاً: حفظ شيعته والخلّص من أنصاره وقد ردد هذا الهدف في كثير من كلماته منها: قوله لحجر بن عدي «ليس كل الناس يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك وما فعلت إلا إبقاء عليك والله كل يوم في شأن»( وقوله: «ما أردت بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل).

ثانياً: فضح معاوية وكشف زيفه وعدم أهليته لإمامة المسلمين «انه لبّى طلب معاوية للصلح ولكنه لم يلبه إلا ليركسه في شروط لا يسع رجلاً كمعاوية إلا أن يجهر في غده القريب. بنقضها شرطاً شرطاً ثم لا يسع الناس إذا فعل هو ذلك إلا أن يجاهروه السخط والإنكار فإذا بالصلح نواة السخط الممتد مع الأجيال وإذا بهذا السخط نواة الثورات التي تعاونت على تصفية السيطرة الاغتصابية في التاريخ)

ثالثاً: تحقيق هدنة تمكن الإمام من إعادة ترتيب قواعده. في انتظار الفرصة الملائمة للنهوض والثورة، لقد شخص الحسن (عليه السلام) أن الظرف غير مناسب لعمل مثالي استشهادي من هنا آثر السلم والصلح ودعا شيعته أن يبقوا جلس بيوتهم في انتظار تغير الظروف. لم تكن حركة الحسن التصالحية حالة معزولة بل هي حلقة في إطار إستراتيجية الأئمة في العمل.

ولقد التفت بعض الباحثين لأهمية هذه النقطة فتحدث عن خطة جديدة في العمل رسمها الحسن (عليه السلام) مع الوفد الذي جاءه من الكوفة يطلب منه نقض العهد والرجوع للحرب ولكن الإمام أرجعهم بخطة تقوم على الركون مؤقتاً في انتظار الظرف الملائم، واعتبر طه حسين هذا اللقاء هو اليوم الذي أنشئ فيه الحزب السياسي المنظم لشيعة علي وبنيه!! وفق ما جاء في مركز الابحاث العقائدية.

هذه أهداف الحسن (عليه السلام) وتلك أهداف معاوية وشتان بين هذه وتلك والتاريخ يعترف أن معاوية انتصر إلى حين ولكن أهداف الحسن (عليه السلام) هي التي بقيت خالدة لا لشيء إلا أن الامام الحسن ما كان ليؤثر الدنيا والسلطان الزائل على الرسالة والمبادئ الخالدة. وكما يقول (عليه السلام): «لو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب ما كان معاوية بأبأس مني وأشد شكيمة ولكني أرى غير ما رأيتم وما أردت فيما فعلت إلا حقن الدماء فارضوا بقضاء الله وسلموا الأمر والزموا بيوتكم وامسكوا وكفوا أيديكم حتى يستريح بر ويستراح من فاجر".

أحدث (ع) هزة عنيفة في داخل الدولة الأموية

أن الامام الحسن المجتبى، عليه السلام، نجح وانتصر في احداث اختراق وهزّة عنيفة في داخل الدولة الاموية، وايضاً في داخل المجتمع الاسلامي بشكل عام، والكوفي بشكل خاص. بمعنى أن الخطوة الذكية التي اتخذها الامام، عليه السلام، كانت على خطين متوازيين:

الاولى: على صعيد الحكم.

فقد تمكن الامام، عليه السلام، من تسليط الضوء على ثغرات ومساوئ الامويين وفضح حقيقتهم امام الناس، بعد أن كان معاوية يبذل الجهود والاموال والدهاء والمكر، لصرف الانظار والاذهان والقلوب عن اهل البيت، عليهم السلام، بعد ان يصورهم في الاذهان على أنهم ليسوا أهلاً في تولّي أمر الامة، وأنه الاجدر والافضل لهم.

هذا الطريق الذي حفره الامام لمعاوية، لم يكن له مخرج سوى الهاوية، لانه يعكس ويمثل النهج والسلوك لدى الامويين، فكان إفصاح معاوية لأهل الكوفة عن نواياه ودون وجل او خجل، حيث قال: "يا أهل الكوفة...! أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج...؟! إنما قاتلتكم لأتأمرعليكم وعلى رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون. ألا وإن كل مال او دم أصيب في هذه الفتنة فمطلوب، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين..."! وهذا ما كان يتوقعه الامام الحسن، عليه السلام، بحذافيره.

الثاني: على صعيد المجتمع والأمة

إن التغيير والإصلاح الذي ينشده أهل البيت، عليهم السلام، والتزمه الامام الحسن، عليه السلام، لا يتوقف على على فضح الفئة الباغية والجهة المعادية، لأن هذا نصف الطريق، إذ لابد من إعداد الطليعة المؤمنة في المجتمع، وبناء العناصر المخلصة التي من شأنها ان تكون الشرارة التي تفجر الثورة تحت ركام الواقع الفاسد.

إن وجود الصفوة المخلصة والكوكبة التي لم يظهر لها مثيل في التاريخ، في أرض كربلاء سنة (61) للهجرة، يفند القول بأن الامام الحسن، عليه السلام، تعرض لهجران كبير من قبل الاصحاب المقربين، بعد تنازله لمعاوية في "الهدنة". وقد تقوّل بعض المؤرخين والباحثين على الصحابي الجليل حجر بن عدي الكندي، بأنه هو القائل للإمام الحسن، "السلام عليك يا مذل المؤمنين"! وهو الصحابي الذي قال عنه رسول الله، صلى الله عليه وآله: "يقتل بعذراء سبع نفر يغضب الله لهم وأهل السماء". نعم؛ إن الجهود الصامتة والمضنية التي قام بها الامام الحسن، عليه السلام، وهو يضغط على جراحه النفسية العميقة، هي التي خرجت امثال حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة و برير وغيرهم من ابطال كربلاء. وفق شبكة النبأ المعلوماتية.

من هنا؛ نعرف حجم الدور الكبير الذي قام به الامام الحسن، عليه السلام، في إنضاج النهضة الحسينية وبلوغها مرحلة الانتصار على الواقع الفاسد وعلى كل المفاهيم والقيم الزائفة ومحاولات الانحراف التي سعى اليها الامويين ومن يتبعهم على مر التاريخ. وهذا يجعلنا نقف وقفة إجلال وإكبار أمام هذه الشخصية العظيمة ونرفع شيئاً من المظلومية والاجحاف التي لحقت بها من البعض، كما نقف الموقف ذاته أمام الامام الحسين واصحابه واهل بيته، فهؤلاء سقطوا بالسيف في قتال أعداء الدين في كربلاء، بعد أن سقط إمامنا الحسن، عليه السلام، مسموماً، مظلوماً، ثم دُفن بعيداً عن الاضواء في مدينة جدّه المصطفى، صلى الله عليه وآله.

حلم الإمام الحسن(ع) نهج للتسامح الاجتماعي

من أبرز صفات الإمام الحسن (عليه السلام) التي عرف بها صفة الحلم، حيث اشتهر عنه أنه (حليم أهل البيت)، روى المدائني عن جويرية بن أسماء قال: لما مات الحسن أخرجوا جنازته فحمل مروان بن الحكم سريره، فقال له الحسين: تحمل اليوم جنازته وكنت بالأمس تجرعّه الغيظ؟ قال مروان: نعم كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال(.

وهذه الصفة في الحقيقة هي منهج للتعامل الاجتماعي، عمل الإمام على إرسائه في حياته، وعلى أتباعه ومحبيه أن يقتدوا به في هذا المنهج. إننا يجب أن نقرأ حلم الإمام الحسن (عليه السلام) كمنهج في التسامح الاجتماعي، ونعمل على تأهيل المجتمع بهذه الصفة. ولابد لنا أن نشير إلى أن أهل البيت (عليهم السلام) كلهم يتصفون بالحلم، إلا أن الظروف التي عاشها الإمام الحسن (عليه السلام) اقتضت وساعدت على بروز هذه الصفة في شخصيته بشكل أجلى وأوضح، فالإمام كان يواجه تشنجات واستفزازات من جهتين

الجهة الأولى: خارجية، وتتمثل في معاوية بن أبي سفيان، وجبهة الشام، حيث سعى بكل جهده وقوته، وإمكانيات سلطته وحكمه، إلى أن يشوّه سمعة الإمام الحسن (عليه السلام)، لعزله شعبياً، فعمل على إثارة الدعايات والإشاعات الكاذبة والمغرضة على الإمام الحسن (عليه السلام)، وعلى أبيه أمير المؤمنين، واستطاع نتيجةً لذلك أن يوجد تياراً في الشام يكره أهل البيت (عليهم السلام)، حتى لقد صدق بعضهم أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يكن يصلي! ولقد كان معاوية يتعمد كثيراً أن يُسمع الإمام الحسن (عليه السلام) وفي حضوره بعض الاستفزازات، وكان بعض أتباعه والمقربين منه كمروان بن الحكم، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، يقومون بمثل هذا الدور.

الجهة الثانية: داخلية، حيث إن قرار الإمام بالصلح مع معاوية، والذي فرضته عليه الظروف، ورعاية مصلحة الأمة، أثار مشاعر بعض المحيطين بالإمام، ونظروا إلى الصلح على أنه موقف ذل وخنوع واستسلام، فراحوا يوجهّون لومهم العنيف، وعتابهم الشديد، وبعبارات مسيئة وغير لائقة.

فهذا حجر بن عدي الصحابي الجليل يخاطبه قائلاً: (أما واللَّه لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك). وعدي بن حاتم يقول: (أخرجتنا من العدل إلى الجور). وبشير الهمداني وسليمان بن صرد الخزاعي يدخل كل منهما عليه هاتفاً: (السلام عليك يا مذل المؤمنين). وخاطبه بعض أصحابه قائلاً: (يابن رسول اللَّه أذللت رقابنا بتسليمك الأمر إلى هذا الطاغية)(.

وجاء في (الإصابة): ((كان أصحاب الحسن يقولون له: يا عار أمير المؤمنين. فيقول: العار خير من النار)( مثل هذه الكلمات لا شك أنها تستفز الإنسان، وتؤجج غيضه، لكن الإمام الحسن (عليه السلام) واجهها بحلم وأناة بالغين، واستطاع بذلك امتصاص الآثار والنتائج السلبية، التي يمكن أن تتمخض عنها… لقد كانت جبهة الإمام الحسن (عليه السلام) بحاجة إلى التماسك والتلاحم، فهناك شروط على معاوية أن ينفذّها، لكنه إذا رأى جبهة الإمام متشتتة مختلفة، ومكانة الإمام مهزوزة في وسط جماعته، فإن ذلك سيشجعه أكثر على تجاهل تلك الاتفاقات، وهو لم يكن في الأساس عازماً على الوفاء بها.

قيل للإمام الحسن (عليه السلام): ما الحلم؟ قال: (كظم الغيظ وملك النفس)(5)، أي أن يسيطر الإنسان على نفسه، حينما يواجهه الآخر بتصرف مستفز، ذلك أن غريزة الغضب تتحرك عنده، لتحميه من الاستفزاز الموجه إليه. بحسب ماورد في موقع مؤسسة السبطين العالمية.

ولكن الحليم هو من يتحكم في توجيه هذه الغريزة، ولا يستخدمها إلا في ظرفها المناسب، لأن إتاحة الفرصة لهذه الغريزة أن تنفجر على شكل تصرف غاضب، قد يضر الإنسان بدلاً من أن يفيده. وكم من مظلوم تصرف تصرفاً طائشاً، وتحول بسبب ذلك التصرف إلى ظالم مدان، فأعطى الفرصة لعدوه، يقول الإمام علي (عليه السلام): (الغضب شر إن أطلقته دمر). ومن هذا كله ما أحوجنا إلى قراءة سيرته العطرة، والتزام خطه الرسالي، والأخذ بمنهجه في التسامح الاجتماعي، لتسود أجواءنا المحبة والوئام، ولنتوجه لمواجهة الأعداء والأخطار صفّاً كالبنيان المرصوص.

سياسة الامام الحسن(ع) وخيارات الأمة الراهنة

رغم الصعوبات التي تضعنا تجربة الكتابة عن سيرة الأئمة نواجهها والتي منها: مشكلة المنهج، قلة المصادر، الاستغراق في البحوث السردية المناقبية وغياب الدراسات التحليلة التي تستنطق النصوص التاريخية لاكتشاف قواعد وضوابط تخدم الأمة في مسيرتها ونهضتها.

كل هذه العوائق لا تمنع البتة من الاستفادة واقتناص الدروس من سيرة الحسن (عليه السلام) المليئة بالعبر. وفي مرحلتنا الراهنة؛ والأمة الإسلامية تواجه تحديات هذه الحقبة الخطيرة من تاريخها نحتاج أن نتوقف عند تجارب هؤلاء القادة الربانيين لنستوحي منهم ما يساعدنا على ضبط خطتنا في المواجهة وبرامجنا في الإصلاح ومشروعنا في التغيير ومنهاجنا في العلاقة مع الآخر.

وصلح الإمام الحسن (عليه السلام) بالذات يؤسس لجملة من القواعد لابد للأمة عموماً والعاملين خصوصا الاستفادة منها:

القاعدة الأولى: الواقعية السياسية؛ علمنا صلح الحسن أن الإمام المعصوم رغم حضوره ووجوده فإن النصر والتغيير لم يحصل بمعجزه والصراع لم تحسمه الملائكة وإنما (قوانين التاريخ) وسنن الله في الكون هي التي تحرك المسيرة، نعم إن الله ينصر من ينصره ولكن مع عدم توفر شرائط النصر ومع عدم توفر مقومات الحرب لا مجال للنصر ولا إمكانية للحرب. لقد علمنا الحسن (عليه السلام) درساً بليغاً في الواقعية السياسية لن تنساه شيعته أبداً.

القاعدة الثانية: الصلابة المبدأية؛ يعتذر الكثيرون بـ (الواقعية السياسية) ليميّع أهدافه أو يتحلل من التزاماته. وصلح الامام الحسن يعلمنا كيف نتعاطى مع الظروف والخصم بواقعية ولكن في كنف الالتزام العالي بالمبادئ بل إن هذه المبادئ هي التي تدفعنا للصلح وهذا ما عناه الباقر (عليه السلام) «والله للذي صنعه الحسن بن علي (عليه السلام) كان خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس» فهذا الصلح حمى دين الأمة ورسالتها وقيمها من الانقراض.

القاعدة الثالثة: لا مانع من حلول مرحلية عندما تعوزنا الإمكانات فلسنا دائماً في مستوى تحقيق أهدافنا البعيدة، فلا مانع إذا هادن المرء مؤقتاً أو صالح ولا بأس من تجرّع مرارة التنازلات أحياناً في سبيل حفظ الأهداف الكبيرة.

القاعدة الرابعة: الإسلام وأهدافه العليا هي (الإستراتيجية) فلا حرب دائمة ولا هدنة أبدية الحرب والجهاد والهدنة والسلم كلها خطط مؤقتة لخدمة الهدف الكبير.

القاعدة الخامسة: لابد من تشخيص دقيق لمرض الأمة وداء المجتمع وفي ضوء ذلك نحدد هل الجهاد والثورة هي الحل أم السكون والهدوء وبالمقابل دراسة وتحليل أهداف الأعداء أيضا.

القاعدة السادسة: حفظ الصالحين من أبناء الأمة وطلائعها المجاهدة مقصد هام من مقاصد الدين وإن كان حفظ الدين هو أول المقاصد فإن في حفظ هؤلاء الملتزمين والمؤمنين والمجاهدين حفظ للدين حقاً.. ونرى كيف أن الحسن (عليه السلام) هادن حفظاً لخلص شيعة آل محمد لأن دونهم لا مجال لحفظ الرسالة وحفظ المذهب.

القاعدة السابعة: يعلمنا الإمام الحسن (عليه السلام) أن نمتلك وعيا مستقبليا فلا ننفعل باللحظة التاريخية التي نعيشها ولا نترك الظروف الراهنة الشديدة تسقطنا بل لابد من الانعتاق من ضغط الحاضر التي قد يفرض علينا تنازلات، بالتحديق الواعي للمستقبل والتخطيط له.

......................

مركز النبأ الوثائقي يقدم الخدمات الوثائقية والمعلوماتية
للاشتراك والاتصال annabaa010@gmail.com
او عبر صفحتنا في الفيسبوك (مركز النبأ لوثائقي)


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (اهل البيت)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك